كشف الدكتور همام الشماع المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية ان قيمة التداولات تراجعت في اسواق الامارات بنسبة 96.5% خلال الفترة التي اعقبت الأزمة المالية العالمية وحتى يوليو 2011، مؤكدا وجود عدم انسجام بين المعطيات الاقتصادية الكلية المتطورة للدولة وبين أداء أسواقها.
وقال ان تفعيل أسواق السندات، لتصبح أداة التمويل البديل للإقراض المصرفي المتشدد والمتعنت إزاء خفض الفائدة، يتطلب تضافر الجهود من أجل إنشاء سوق للسندات الحكومية والسندات المؤسسية ذات النوعية الممتازة، يستثمر فيها الافراد المودعون بشكل ودائع ثابتة محدودة العائد وبما يؤدي إلى سحب جزء من الودائع الثابتة المجمدة لدى المصارف.
واكد الشماع، في حوار مع "البيان الاقتصادي"، ان انخفاض قيم التداول أدى إلى ضيق نطاق التحرك ألسعري وفقدان معظم الأسهم لقابليتها على التسييل، وهو ما يدفع المتداولين للخروج منها. ولذلك فإن الأسهم، منخفضة القيمة أصلا قبل الأزمة والتي كانت أسعارها تحوم حول ثلاثة إلى أربعة دراهم، شهدت تراجعا في أسعارها إلى ما دون القيمة الاسمية.
واشار الى أن الأضرار الاقتصادية قد تكون وخيمة ومتصاعدة في حدتها إذا لم تتسارع خطى معالجة أوضاع السيولة، لافتاً إلى أن الشح الحالي لا يعود إلى السياسة المصرفية المتشددة سواء في منح القروض او في رفع أسعار الفائدة على الإقراض فقط، وإنما أيضا إلى سحب السيولة من دورة الدخل من قبل المصارف.
وأوضح أن القروض الشهرية التي تمنحها المصارف للأفراد والشركات أدنى من صافي الدخل الشهري للمصارف، حيث ان الفرق بين الدخل الإجمالي المتأتي من الفوائد والرسوم والعمولات وعوائد الاستثمار المحلي، التي تحصل عليها المصارف، وبين المصاريف التشغيلية يمثل صافي الدخل للمصارف، وهذا الدخل الصافي يزيد عما تمنحه المصارف من قروض، وأن الفرق بينها سيولة محجوبة عن دورة الدخل.
وإلى تفاصيل للحوار:
تقييم أداء الأسواق
كيف تقيم اداء الاسواق منذ بداية العام الجاري؟
لا يختلف اثنان على ان أسواق الأسهم مرآة الاقتصاد، وأن أداء أسواق الأسهم يعكس أداء الاقتصاد الخاص، على الأقل في الإمارات، حيث الاقتصاد العام يستند في قوته وصلابته على إيرادات القطاع النفطي. وإذا اتفقنا على أن حركة المؤشر العام في ظل تراجع قيم التداول لا تعكس القيمة الحقيقية للأسهم، فإن قيم التداولات تصبح المرآة الأكثر مصداقية لحالة الاقتصاد.
وقد تراجعت قيم التداول ومؤشر سوق الإمارات بصورة تفوق بكثير تراجع السوق السعودي ومعظم اسواق الخليج. فبالمقارنة مع سوق السعودية تراجع المؤشر العام حتى يوليو الماضي بنسبة تزيد على 55٪ عن مستواه قبل الأزمة المالية في 2008 في حين اقتصر تراجع مؤشر السوق السعودي على 38% لذات الفترة.
أما قيم التداول فقد تراجعت في الإمارات بنسبة 96.5% للفترة ما بعد الأزمة وحتى يوليو الماضي في حين لم يتجاوز تراجع السعودية على 78%. غير ان الأهم من التراجع المطلق في المؤشر وقيم التداول هو التراجع المنسوب للناتج المحلي. وهذا التراجع النسبي في أسواق الإمارات يجعل من التداول في أسواق الأسهم، وبالتالي في كل الأسواق، غير منسجم مع معطيات الاقتصاد الكلي للدولة، الأمر الذي يعكس وجود مشكلة لا بد من البحث عن حلول لها.
التشدد المصرفي
ما هي الأسباب التي تساهم في شح السيولة في الأسواق؟
يمكن أختصار الإجابة على هذا السؤال بالقول إنه التشدد المصرفي في الإقراض، ولكن هذه الإجابة تكون ناقصة وغير دقيقة إذا لم نستكمل كل جوانبها. فاقتصاد الإمارات كان الأكثر تأثراً بالأزمة المالية العالمية من بين الاقتصادات الناشئة، والخليجية خصوصا.
فبالإضافة إلى التأثير المرتبط بالنفط، فإن الإمارات هي أكثر الدول الخليجية والاقتصادات الناشئة ارتباطا بالعالم الخارجي من خلال حجم صادراتها غير النفطية وإعادة التصدير.
كما ان الإمارات تمتلك اكبر صندوق سيادي لاستثمار الفوائض المالية الناتجة عن مبيعات النفط، إضافة إلى ان أسواق المال والأنظمة المصرفية في الإمارات من أكثر الأسواق والنظم انفتاحا على نظيراتها الدولية، وهو ما يمكن تلمسه من خلال قلة القيود على الاستثمار في أسواق المال، وكذلك من خلال قلة القيود، إن لم يكن انعدامها، على التحويلات المصرفية الداخلة والخارجة، مما سهل في كثير من الأحيان من دخول الأموال الساخنة، ومن ثم خروجها بسرعة تهدد السلامة المالية للنظام المصرفي.
ولعل هذا الجانب الأخير كان ولا يزال يلقي بظلاله على أوضاع السيولة في الاقتصاد من خلال دفع السلطة النقدية للتشدد. والانفتاح على الاقتصاد العالمي لم يقتصر على الآثار المباشرة، وإنما شمل بعض الجوانب غير المباشرة، والتي تتمثل في الإفراط في الإقراض المصرفي، والذي حاكت فيه المصارف الإماراتية نظيراتها الأميركية خلال فترة الطفرة الممتدة من 2006 وحتى منتصف 2008، حيث بلغت قيمة القروض الممنوحة في هذه الفترة 493.8 مليار درهم تشكل نسبة 55% من إجمالي القروض الممنوحة خلال الفترة الممتدة من بداية 2001 وحتى النصف الأول من العام الجاري. أي أن المصارف الإماراتية أقرضت في غضون سنتين ونصف السنة ما يزيد على نصف ما أقرضته خلال أكثر من عقد من الزمان.
وعندما حلت بصورة مفاجئة الأزمة العالمية كان جمع هائل من المستثمرين مكبلين بقروض غير قادرين على تدويرها بقروض جديدة، أو غير قادرين على نقلها إلى غيرهم، كما اعتادوا أن يفعلوا قبل ذلك التاريخ. والقنوات الاقتصادية الرئيسية والفرعية، التي كانت تجري فيها السيولة التي تضخها المصارف، كقروض ما قبل الأزمة، أصبحت ناضبة من هذه السيولة لينتشر، من خلال جفافها، حالة من شبه الجفاف في كل قنوات أنشطة القطاع الخاص. ولولا استمرار تدفق الإنفاق الحكومي النشيط والقوي المدعوم بموارد النفط، لكانت اثأر نضوب السيولة في قنوات القطاع الخاص كارثية.
ومن جانب آخر فإن شح السيولة لا يعود إلى امتناع المصارف بصورة مطلقة عن الإقراض، وإنما يعود أيضا إلى تراجع طلبات القروض من المستثمرين، والذي بدوره يعود لارتفاع أسعار الفائدة، والتي تؤدي إلى تناقص الجدوى الاقتصادية للمشاريع الممولة كليا أو جزئيا بالقروض. وهذا ما يفسر استمرار تراجع نسبة القروض إلى الودائع لما دون 100% منذ بداية العام الحالي.
فبعد أن ظلت القروض تشكل نسبة تزيد على 100% من الودائع منذ أغسطس 2008 وحتى سبتمبر 2010، فقد تراجعت هذه النسبة إلى أدنى مستوياتها في شهر مايو الماضي إلى 93.34%، وذلك لأن الزيادة في الودائع تسارعت منذ اكتوبر 2010 بأسرع من القروض، والتي تكاد تكون قد استقرت خلال هذه الفترة، بحيث لم يتجاوز نمو القروض في خلالها نسبة 1% بالمقارنة مع شهر سبتمبر 2010، فيما وصل نمو الودائع في نفس الفترة إلى أكثر من 11% بالمقارنة مع الودائع في شهر سبتمبر 2010.
الزيادة في الودائع
هل صحيح ما يقال عن وجود شح للسيولة في البنوك رغم الزيادة في ودائع الجهاز المصرفي مؤخراً؟
الحقيقة التي تظهرها بيانات المصرف المركزي أن السيولة لم تعد شحيحة في المصارف منذ أكتوبر 2010، حيث أصبحت قيمة الودائع تزيد على قيمة القروض لتصل في مايو الماضي إلى أكثر من 74 مليار درهم بعد أن زادت قيمة القروض على الودائع بمبلغ 120 مليار درهم في نهاية 2008. ولكن إذا ما أخذنا في الاعتبار حجم الودائع لغير المقيمين، والتي بلغت في نهاية مايو الماضي 117 مليار درهم، وهي ودائع في معظمها لأجانب ولمؤسسات أجنبية ويحتمل ان تغادر البلد كلها أو قسم منها في حالة ما إذا انخفضت أسعار الفائدة على الودائع الثابتة إلى مستوى أسعار الفائدة على الدولار في الولايات المتحدة.
فإننا سنكون أمام شح في السيولة مجددا. ولهذا فأن واحداً من اسباب تشجيع المصرف المركزي لبقاء سعر الفائدة مرتفعا على شهادات الإيداع هو الإبقاء على الودائع لغير المقيمين في هذه الظروف.
دور المحافظ الحكومية
ما هو الدور الذي يجب أن تلعبه المحافظ الحكومية والتابعة للبنوك في معالجة مشكلة شح السيولة وإعادة الثقة للتعاملات في الأسواق؟
أن قيمة تداولات المؤسسات الحكومية والتي تظهر بياناتها في سوق ابوظبي فقط ، هي محدودة من حيث تأثيرها على الاسواق.
وبالتالي لا يمكن التعويل عليها في مد السوق بسيولة أما محافظ المصارف فمن المتوقع ان تكون شبه مجمدة في الوقت الراهن ومنذ ان منيت بالخسائر الجسيمة بعد الأزمة المالية العالمية ، لذا فمن غير المتوقع أن تسهم في أنعاش الاسواق خصوصا أن المصارف غير محتاجة لبيع الاصول بغرض المتاجرة وتأمل باسترداد قيمتها الأصلية عند تحسن الاسواق مستقبلا.
معالجة شح السيولة
كيف يمكن معالجة شح السيولة في الأسواق؟
إن تفعيل أسواق السندات لتصبح أداة التمويل البديل للإقراض المصرفي المتشدد والمتعنت إزاء خفض الفائدة، يتطلب تضافر الجهود من أجل إنشاء سوق للسندات الحكومية والسندات المؤسسية ذات النوعية الممتازة، يستثمر فيها الافراد المودعون بشكل ودائع ثابتة محدودة العائد وبما يؤدي إلى سحب جزء من الودائع الثابتة المجمدة لدى المصارف.
وطبيعي أن سحب ودائع ثابتة وتوظيفها في سندات لن يمس الملاءة المالية للمصارف لأن ما سيجري لن يعدو عن تحويل الودائع الثابتة لدى المصارف إلى ودائع تحت الطلب وبما يرفع من السيولة في الاسواق.
والسندات كوسيلة تمويلية تعتبر بديلا جيدا للتمويل المصرفي شبه المعطل. كما يجب ان تحظى فكرة إنشاء بورصة للشركات الصغيرة باهتمام هيئة الأوراق المالية التي ندعوها لتشكيل فريق عمل من ممثلين عن الأسواق وعن الهيئة وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة الى جانب شركات الوساطة لدراسة الفكرة وإمكانية تطبيقها.
والموضوع يستحق بالفعل أن يحظى باهتمام جميع الأطراف. فالعديد من المؤسسات الخاصة التي تحتاج الى التمويل ولا تجد أمامها غير القروض الباهظة الكلفة ستنتهز هذه الفرصة للحصول على التمويل الى جانب فرص النمو من حيث الحجم.
ويجب عدم إغفال الكفاءة والخبرة التي يتمتع بها أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والتي ستنعكس على أداء مؤسساتهم التي ستكبر عند تحولها إلى مساهمة عامة. كما أن تأسيس بورصة اتحادية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة سيسهم في إيجاد حل فعال وسريع لمشكلة شركات الوساطة المتمثلة بتراجع قيم التداول. والسوق الأولية للإصدار.
تباطؤ معالجة أوضاع السيولة يهدد بأضرار اقتصادية
أكد الخبير المالي الدكتور همام الشماع أن الأضرار الاقتصادية قد تكون وخيمة ومتصاعدة في حدتها إذا لم تتسارع خطى معالجة أوضاع السيولة. وقال الدكتور الشماع: الشح الحالي لا يعود كما اشرنا في معرض ردنا على السؤال الأول إلى السياسة المصرفية المتشددة، سواء في منح القروض او في رفع أسعار الفائدة على الإقراض فقط، وإنما أيضا إلى سحب السيولة من دورة الدخل من قبل المصارف. فالقروض الشهرية التي تمنحها المصارف للأفراد والشركات أدنى من صافي الدخل الشهري للمصارف.
والفرق بين الدخل الإجمالي المتأتي من الفوائد والرسوم والعمولات وعوائد الاستثمار المحلي، التي تحصل عليها المصارف، وبين المصاريف التشغيلية يمثل صافي الدخل للمصارف. هذا الدخل الصافي يزيد عما تمنحه المصارف من قروض.
والفرق بينهما سيولة محجوبة عن دورة الدخل. وأضاف: رب قائل يقول ان صافي الدخل للمصارف هو أرباحها، ومن حقها أن تحتفظ بأرباحها كما تفعل اي شركة غير مصرفية. والحال أن أي مؤسسة غير مصرفية تحتفظ بأرباحها بوديعة لدى المصارف، وبالتالي فهي تعيدها إلى دورة الدخل من خلال المصارف. اما المصارف فهي إذا لم تقرض السيولة التي تحصل عليها، فإنها ستحجبها عن دورة الدخل، خصوصا إذا وجهتها لاستثمارات خارجية أو لتسديد قروض والتزامات خارجية.
تراجع الاستثمار المؤسسي سبب ونتيجة لانخفاض السيولة
اعتبر الدكتور همام الشماع المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية أن تراجع الاستثمار المؤسسي سبب ونتيجة في آن واحد لانخفاض السيولة. فالمحافظ والصناديق فقدت سيولتها التي كانت تميزها بعد الأزمة المالية.
حيث ان الأزمة حلت في معظم الاسواق العالمية كالصاعقة من دون سابق انذار وانسحاب السيولة الساخنة من الدولة والتسييل السريع للأجانب في الأسواق المحلية لم يترك الفرصة للمحافظ والصنايق المحلية لكي تقوم بتسييل ولو جزء بسيط من الاسهم وبما يبقى على السيولة وإن بشكل جزئي بما يمكنها من العود للاستثمار .
وقال الدكتور الشماع: من جانب آخر فإن خطط الإنقاذ التي اتبعتها السلطات الحكومية في الدولة لمواجهة آثار الأزمة المالية العالمية لم تضخ سيولة سوى لأغراض مواجهة المخاطر التقليدية للنظام المالي والتي تمثلت حصرا في توفير 50 مليار درهم لدعم الشق الثاني من رأسمال المصارف وكذلك بعض الترتيبات التي اتخذها المصرف المركزي لتوفير سيولة احترازية للمصارف.
لذا فقد كان الاستثمار المؤسسي في الأسواق المحلية كحال المستثمرين الأفراد الذين فقدوا جزءاً كبيراً من سيولتهم غير قادرين على النهوض مجدداً بالأسواق، كما حدث في الأسواق الأميركية وأسواق خليجية مجاورة.
