اقترح الخبير المالي والشريك في شركة الفجر للأوراق المالية نبيل فرحات القيام بعمليات دمج كبيرة لمكاتب الوساطة في الدولة بحيث تشمل كل عملية دمج 5 شركات أو أكثر وتحويل هذه المكاتب المندمجة إلى شركات مساهمة عامة تحظى بدعم وتشجيع الحكومة. مشيرا إلى أن عمليات مشابهة قد اتخذت في سلطنة عمان عام 2000 في اطار اجراءات لمعالجة مشكلات مشابهة لمكاتب الوساطة العمانية آنذاك.

وقال فرحات في حوار مع "البيان الاقتصادي" ان خطوات من هذا النوع في الدولة قد تخفض عدد مكاتب الوساطة من 60 إلى 12 مكتبا. لافتا إلى ان حجم التداول حاليا في الاسواق بالكاد يكفي لتغطية مصاريف 5 أو 7 مكاتب وساطة اي حوالي 10% فقط من اجمالي عدد المكاتب العاملة في الدولة.

وأوضح ان مكاتب الوساطة جميعها تمر حاليا بأوقات حرجة نتيجة لانخفاض احجام التداول إلى هذه المستويات المتدنية واستمرار اسعار الاسهم في الانخفاض واستمرار البنوك في الضغط على هذه المكاتب. قائلا ان الوضع يتطلب انتباها من الجهات الحكومية للمعالجة. ومعربا عن اعتقاده بأن أي تخفيض في تكاليف هذه المكاتب من الرسوم وتكاليف الاتصالات مع ايجاد طريقة لرفع ايرادات العمولة لهذه المكاتب من خلال تنازل الجهات الحكومية عن جزء من عمولتها لصالح مكاتب الوساطة ستشكل عاملا ايجابيا مساعدا لهذه المكاتب في مواجهة ازمتها.

وأضاف إن القوانين المنظمة لعمليات الدمج والاستحواذ في حاجة إلى التطوير لتوفير الحماية الكاملة لصغار المستثمرين.

وفيما يتعلق بالعوامل المؤثرة على أداء أسواق الأسهم أشار فرحات إلى عوامل عديدة أهمها أوضاع السيولة والأوضاع الجيوسياسية في الوطن العربي.

وإلى تفاصيل الحوار:

 

مرحلة حرجة لأسواق المال ما هو تقييمك للاسواق المالية حاليا؟

تمر الاسواق المالية بمرحلة حرجة حاليا. حيث إنه بالإضافة إلى انخفاض اسعار الاسهم هذا العام فقد انخفض ايضا حجم التداولات إلى مستويات تاريخية لم نرها الا قبل العام 2001. فحجم وقيم التداولات وعدد الصفقات كلها في القاع. ولذلك نعتقد ان مشكلة انعدام الثقة تتفاقم يوما بعد يوم وبالتالي الاداء السلبي للاسواق المالية.

ما هي باعتقادك الاسباب وراء هذا الاداء السلبي؟

هناك عدة عوامل تؤثر على الاسواق ومعظمها مترابط ويتمحور حول وضع السيولة في الدولة والمتأثر بالاسواق المالية العالمية والاوضاع الجيوسياسية في الوطن العربي وغيرها من العوامل. ويشير آخر تقرير لصندوق النقد الدولي إلى أن هناك تخوفا من إن ارتفاع حجم ديون الشركات الإماراتية شبه الحكومية واستحقاق حجم كبير من هذه الديون (حوالي 60 مليار دولار) مابين عامي 2011 و 2012 .

والذي يتزامن مع الازمة المالية التي تعصف بدول الاتحاد الاوروبي (شح السيولة) والاضطرابات السياسية التي تمر بها منطقة الشرق الاوسط (ارتفاع تكلفة الفوائد) قد يشكل صعوبة للشركات شبه الحكومية في القدرة على اعادة تمويل القروض المستحقة مما قد يخلق مخاطر نظامية جديدة (مع التأكيد ان كفاية رأس المال للبنوك الإماراتية مرتفعة مما يسمح لها باستيعاب اية مخصصات جديدة).

وقد بدأنا نرى خلال الفترة الماضية عدم رغبة تجديد ودائع مصرفية وخروج هذه الودائع من الدولة إلى الخارج. وهذا كان واضحا في آخر تقرير للمصرف المركزي والذي يظهر خروج ما يقارب 12.4 مليار درهم من الودائع خلال شهر يوليو الماضي. وبطبيعة الحال فإن نقص السيولة له تأثير سلبي على الاقتصاد و ينعكس على الاسواق المالية من حيث استمرار انخفاض اسعار الاصول (اسهم وعقار) وجفاف احجام التداول.

 

أسباب عزوف المستثمرين

ماهي أسباب عزوف المستثمر المحلي والاجنبي عن الاستثمار في الاسهم الإماراتية؟

بالنسبة للمستثمر المحلي فان تعليل عزوفه عن الاسواق المالية بسيط ويتلخص في ان حجم الثروات الشخصية قد تناقص بشكل كبير جدا خلال الاربع سنوات الماضية نتيجة لانهيار اسعار الاسهم واستقرارها على القاع ونتيجة لاستمرار الانخفاض في اسعار العقار. وقد تكبد المستثمرون خسائر جسيمة في ثرواتهم الشخصية تقدر بأكثر من 150 مليار درهم (بعد اقتطاع حصة الحكومة من الاسهم مع احتساب خسائر القطاع العقاري).

وفي ظل انكماش البنوك عن الاقراض وضغط البنوك لتسييل جزء من القروض فان ثقة المستثمر بالبيئة الاقتصادية تآكلت على مدى الاربع سنوات الماضية. واستقرار الاسواق المالية عامل مهم في استقرار الاوضاع المالية الشخصية حيث إن الشعور بالافقار في الثروات الشخصية نتيجة خسائر في الاسهم والعقار ومطاردة البنوك للقسم الآخر من المستثمرين المقترضين .

وهو ما يحصل حاليا لا يشجع على العودة إلى الاسواق المالية بالرغم من جاذبيتها الاستثمارية كما انه لا يشجع على الانفاق. وهذا هو لب المشكلة ويحتاج إلى معالجة من قبل المسؤولين لاعادة التوازن إلى حياة المستثمرين.

إما بالنسبة للمستثمر الاجنبي فان هناك عدة اسباب تؤثر على قراراته. منها النمو الاقتصادي في الدولة ومنها توفر البيانات والاحصاءات الرسمية بشفافية للجمهور وبشكل دوري ومنظم ومنها توفر القوانين المناسبة التي تحمي المستثمر من الممارسات التي يقوم بها المتعاملون في الاسواق المالية ومنها التصنيف الائتماني للدولة ومنها نوعية ووضع الشركات المدرجة ومنها استقرار العملة المحلية بالاضافة إلى العديد من العوامل الاخرى.

وهناك نقطة أخيرة وهي انه يجب الا نعول على المستثمر الاجنبي حاليا لانقاذ الاسواق المالية المحلية لان المستثمر الاجنبي لن يقترب من سوقنا المحلي اذا ما كان المستثمر المحلي نفسه لا يقترب منها. لذلك يجب البحث عن حل لمشكلة السيولة من الداخل لدعم الاسواق المالية ومن ثم نفكر كيف نجذب المستثمر الاجنبي.

 

توفير الحماية للمستثمر

ذكرتم ان المستثمر يبحث عن اسواق مالية توفر الحماية هل تعتقد أن هذا متوفر في الدولة ؟

من حيث الخطوط العريضة نعم اعتقد ان هذا متوفر حيث ان هيئة الأوراق المالية والسلع ووزارة الاقتصاد وفرتا قوانين الحوكمة وقوانين تحمي المستثمر من الممارسات السلبية بالاضافة إلى بعض القوانين الاخرى. الا انه لا يزال هناك بعض الثغرات والتي كانت نتائجها كارثية على مستوى الثقة بالاسواق المالية. مثل قوانين الدمج والاستحواذ التي تحتاج إلى تطوير بحيث توفر حماية كاملة لصغار المستثمرين.

ونقطة الخلاف هنا تتعلق بمسؤولية مجلس الادارة ودوره في حماية حقوق صغار المساهمين عند تقييم اصول الشركة.

وهناك مسؤولية على مجلس الادارة ان يعد تقييم رسمي او استرشادي لأصول هذه الشركة من جهة مستقلة وحيادية وذات خبرة في هذه الامور وبالتالي يضمن ان سعر بيع أسهم الشركة (تحت الاستحواذ) يكون عادل لمساهمي الشركة.

وللاسف رأينا غير ذلك خلال الاعوام الماضية حيث تمت عملية الاستحواذ على اسهم بعض الشركات من دون توفير اية حماية لصغار المستثمرين مما أدى إلى شعور صغار المستثمرين بالخذلان وخصوصا حين صوت الشريك النافذ إلى سحب ادراج هذه الشركة من الاسواق المالية.

وفي ما يتعلق بكيفية ادارة هذه الشركات فإن هناك بعض الشركات يتكون معظم اعضاء مجالس اداراتها من مرجع واحد معين وبالتالي تدار هذه الشركات بطريقة غير تجارية مما يؤدي إلى اتخاذ قرارات قد تناسب طموحات الدولة المستقبلية للتطوير ولكنها ليست في مصلحة المساهمين من ناحية الربحية.

وهذا يؤدي إلى أخذ مخاطر عالية كالاقتراض بحجم عال وفي حالة انكماش الدورة الاقتصادية فان ذلك سيكبد الشركة خسائر كبيرة ويعرض بعضها للافلاس كما حصل في عدة شركات خلال العامين الماضيين.

وفي النهاية يتم انقاذ الشركة من خلال رفع رأس المال بحجم كبير مما يؤدي إلى تعويم حصص صغار المساهمين بطريقة كبيرة. وهذا الامر بحد ذاته غير منصف لصغار المستثمرين الذين آمنوا بمبدأ الشراكة بين القطاعين الخاص والعام ووضعوا ثقتهم في هذا النوع من مجالس الادارة وفي النهاية يتم معاملة صغار المستثمرين بهذه القسوة.

كما أن هناك ممارسات أخرى لها تأثير سلبي على نفسية المستثمرين تمارس من قبل مجلس الادارة من حيث تضخيم الارباح (من خلال اختلاق ارباح ورقية) بهدف رفع حجم مكافآت مجلس الادارة مع نهاية كل عام.

وقد رأينا هذه الممارسات السلبية في الادارات القديمة لبعض البنوك وبعض الشركات العقارية التي جاء اكثر من 80% من ارباحها من اعادة تقييم بعض الاصول (ارباح ورقية) وتم توزيع مكافآت عالية في كل عام وبعد ذلك تم أخذ مخصص كبير خلال سنة واحدة (تم شطب كل الارباح التي تم الاعلان عنها مسبقا لكل السنوات السابقة) في حين ان المكافآت لاتزال في جيب اعضاء مجلس الادارة. وأخيرا هناك ممارسات البيع على المكشوف (الشورت سيلينج) التي كان أوجها خلال انهيار الاسواق المالية والتي باختصار كانت متوفرة لفئة معينة من المستثمرين في حين ان 95% من صغار المستثمرين لم تتوفر لهم هذه الامكانية.

وبالتالي فإن هذه الممارسات وممارسات أخرى تزعزع الثقة في الاسواق المالية المحلية وتنفر المستثمر من الاستثمار في السوق المحلي حيث إن الاحداث التي مرت على الاسواق المالية خلال الاربع سنوات الماضية اظهرت ان المستثمر الصغير ليس له اي فرصة في النجاح.

بينما هناك العديد من الاسواق الناشئة تتمتع بقوانين توفر مستوى عال من الحماية للمستثمرين في الاسواق المالية.

 

إجراءات لتحسين الوضع

ما هي الاجراءات التي يمكن اتباعها لتحسين الوضع؟

بالنسبة إلى وضع السيولة فان صندوق النقد الدولي في آخر تقرير له عن الإمارات أوصى الحكومة بضخ سيولة طويلة الامد داخل البنوك المحلية. وذلك لتوفير السيولة الكافية لدرء تداعيات عدم قدرة الشركات شبه الحكومية على الايفاء بالتزاماتها كما ذكرت سابقا حيث ان الازمة المالية في منطقة اليورو واضطرابات الربيع العربي قد تؤدي إلى صعوبة في اعادة تمويل هذه القروض مما يشكل مخاطر على البنوك المحلية.

وأوصى التقرير الجهات المسؤولة ونتيجة لربط الدرهم بالدولار باتباع سياسة معاكسة للدورة الاقتصادية لتحفيز او لدرء الطلب الداحلي. فمثلا اذا كان الاقتصاد المحلي يعاني من الانكماش فان الجهات المسؤولة يجب ان تتبع نشاطاً توسعياً في السياسة النقدية والمالية والعكس صحيح. ونظرا لان الاقتصاد المحلي في تباطأ فان صندوق النقد الدولي اوصى باتباع سياسة توسعية في الوقت الحالي.

 

المستقبل القريب للوسطاء

كيف ترى وضعية مكاتب الوساطة في المستقبل القريب؟

تمر جميع مكاتب الوساطة حاليا حاليا باوقات حرجة. حيث ان المكاتب تعتمد على ايرادات العمولة والاستثمار لتمويل نشاطاتها اليومية ولكن نتيجة لانخفاض حجم التداول إلى هذه المستويات المخجلة واستمرار اسعار الاسهم في الانخفاض واستمرار البنوك في الضغط على هذه المكاتب فانها تواجه صعوبة حاليا. وهذا يتطلب اكثر انتباها من الجهات المسؤولة لمعالجة هذا الوضع.

ونعتقد أن إي تخفيف في تكاليف هذه المكاتب من الرسوم وتكاليف الاتصالات مع ايجاد طريقة لرفع ايرادات العمولة لمكاتب الوساطة (من خلال تنازل الاطراف الحكومية عن جزء من عمولتها لمكاتب الوساطة) قد يساهم في حل الوضع. ونذكر ان هذه المشكلة كانت قد حصلت في اوائل عام 2000 في مسقط. وقد تم معالجتها من خلال تحفيز مكاتب الوساطة على الدمج عبر قيام الحكومة بضخ رأسمال جديد وتحويلها إلى شركة مساهمة عامة.