أكد دومينيك بروم العضو المنتدب لتطوير سوق خدمات الخزانة في مصرف (بي إن واي ملن) لمنطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا على ثقة البنك الكبيرة في مستقبل الاقتصاد الإماراتي واقتصاديات المنطقة الخليجية بشكل عام.

وقال في حوار مع (البيان) ان الصلابة التي أظهرتها الاقتصاديات الخليجية خلال الأزمة تبرهن على أنها أصبحت أقل اعتماداً على أداء الاقتصاد الأميركي. وقال بأن تداعيات الأزمة المالية العالمية جعلت المنطقة الخليجية تتجه نحو الشرق عوضا عن الغرب والتي تواجه اقتصاداته أزمات عجز ومديونية أسهمت في تباطؤ نمو اقتصاديات بلدانه.

وغلب على حديث بروم نبرة إيجابية متوقعا تحسن المشهد الاقتصادي في العالم ومستبعدا في الوقت ذاته حصول تراجع مزدوج للاقتصاد الأميركي إلا أنه لم يخف قلقه من عدم الاستقرار السياسي الذي تعيشه دول شرق أوسطية متوقعا آثارا سلبية على الاقتصاد العالمي إذا ما استمرت أسعار النفط في الارتفاع.. وإلى التفاصيل:

(بي إن واي ملن) كان ضمن البنوك الكبيرة الأولى التي سمح لها بإعادة شراء الأسهم الممتازة التي اشترتها الحكومة الأميركية خلال الأزمة كجزء من برنامج الخزانة الأميركية لإنقاذ الأصول المتعثرة.. هل الحديث عن احتمالات تراجع مزدوج للاقتصاد الأميركي مبالغ فيه وكيف ترون مشهد الاقتصاد العالمي الذي يتأثر بأداء الاقتصاد الأميركي فعندما تعطس الولايات المتحدة يصاب العالم بالبرد؟

توقعات الاقتصاديين لا تزال إيجابية حول أداء الاقتصاد الأميركي وهم بالتأكيد لا يؤمنون بإمكانية حصول تراجع مزدوج في الاقتصاد الأميركي وإنما بشكل أكبر نمو تدريجي خلال الأشهر المتبقية من هذا العام ‬2011. أما بخصوص الصورة الأشمل للاقتصاد وإذا ما نظرت على سبيل المثال لاقتصاد أوروبا، فالاقتصاديون هناك لا يزالون يناضلون بالعودة بالنمو إلى مستويات إيجابية وفي بلدي بريطانيا رأينا بعض الأرقام الصادمة في بداية العام فيما يتعلق بتراجع النمو في بريطانيا خلال الربع الأخير من عام ‬2010، ولسوء الحظ كان النمو سلبياً خلال تلك الفترة، وربما قد يكون الطقس الغير موسمي، والذي تمثل في موجة الثلوج التي اكتسحت بريطانيا وتداعياتها قد ساهم في تلك الأرقام السلبية. وقد بدأت تخرج من بريطانيا أرقام إيجابية عن بداية هذا العام. وأنت محقة بوصف الارتباط ما بين الاقتصاد الأميركي واقتصاد العالم حيث الولايات المتحدة هي الاقتصاد الأكبر في العالم والسوق الاستهلاكي الأكبر في العالم، وبالتالي ما يحدث في اقتصاد الولايات المتحدة ينعكس على باقي مناطق العالم. ولكن الصلابة التي رأيناها في اقتصاديات المنطقة الخليجية خلال الأزمة يعكس مرونة تلك الاقتصاديات وكيف أن اقتصاديات أخرى كالاقتصاديات الخليجية أصبحت أقل اعتماداً على نمو الاقتصاد الأميركي، حيث نتحدث عن تحول المنطقة من الغرب نحو الشرق من حيث التركيز، حيث حققت دول مثل الهند والصين نمواً كبيراً خلال الأزمة وعندما نتحدث عن الصين فنحن نفكر في الصين في كونها سوقا حقق نموا مدفوعا بشكل أساسي بالتصدير وهذا هو الحاصل في حقيقة الأمر ولكن رأينا خلال العام الماضي وللمرة الأولى على الإطلاق كانت معدلات نمو للاستيراد تجاوز معدلات نمو التصدير في الصين وهذا مؤشر على حصول نقلة نوعية من التركيز على التصدير إلى التركيز على الاستهلاك مع التذكر بأن الصين سوق استهلاكي ضخم وكذلك سوق الهند الاستهلاكي الضخم وبالتالي هناك فرص ضخمة في هذين السوقين إلى جانب الثقل المحتمل لهذين السوقين في الاقتصاد العالمي.

حظوظ الانتعاش

كيف تقرأون تداعيات ما يحدث في المنطقة على أسعار النفط بشكل كبير.. هل تخشون أن تؤثر تلك الارتفاعات على حظوظ الانتعاش السريع المرشح له الاقتصاد العالمي؟

حتميا عدم الاستقرار السياسي في المنطقة أمر يدعو للقلق بما فيه قلق البنوك لما يحصل في المنطقة ونحن نحلل ما حصل في الماضي القريب والتطورات الحديثة وكان علينا دوما أن نعيش في ظل عدم استقرار سياسي في العالم وهو أمر يتعامل السوق معه وربما أسعار النفط أفضل ترمومتر أو أداة قياس لتحديد شدة تلك الأزمات وإذا ما نظرنا إلى اتجاهات أسواق الأسهم خلال الأشهر القليلة الماضية فسنرى أنها لا تزال بشكل واسع في العالم يسودها التوجه الإيجابي أما فيما يتعلق بأسعار النفط فإنه إذا ما ازدادت ارتفاعا عما عليه الآن فسيكون لها أثر كبير بطبيعة الحال على نمو الاقتصاد العالمي وأنشطته ومع ذلك فإن معظم اقتصاديات العالم هي أقل اعتماداً على النفط فيما يتعلق بكونها كانت الوقود لهذا النمو الاقتصادي قبل ‬20 أو ثلاثين عاما وأنا هنا لا أسعى بأي شكل للتقليل من الخطورة المحتملة لبعض ما يحدث في الوقت الراهن ولكن بشكل عام لا تزال نظرتي إيجابية بشكل عام.

ما تمر به المنطقة دفع إلى تخفيض درجات التصنيف الائتماني للدول التي تواجه عدم استقرار ولكن ألن يدفع ذلك البنوك لتجنيب مزيد من رأس المال بدافع الحذر لتغطية قروض المدينين في تلك الدول؟

نعم أنت محقة في هذا القول وكل بنك بطبيعة الحال سوف يكون له وجهة نظر وسيتخذ موقفا محددا بشأن دعمه للأسواق التي تعاني بلدانها من عدم استقرار في الوقت الراهن ونحن في (بي إن واي ملن) موجودون منذ زمن بعيد في المنطقة وكنا قد شهدنا عدم استقرار في المنطقة ففي السبعينيات والثمانينات وقف البنك مع لبنان عندما كان يعيش اضطرابات سياسية واقتصادية ولا أجد أي سبب يمنعنا من الوقوف لجانب المنطقة خلال الأزمة التي تعيشها.

مستقبل التمويل التجاري

التمويل التجاري يدعم نحو ‬90٪ من تجارة السلع البالغ إجمالها ‬12 تريليون دولار إلى أي مدى أثرت الأزمة المالية العالمية على التمويل التجاري؟ وهل يمكن أن تحدثنا عن تمويل خدمات التجارة عبر الاستعانة ب (بي إن واي ملن) كمصدر خارجي للتمويل؟

لقد حضرت خلال اليومين الماضيين مؤتمر ناقش التمويل التجاري حضره ما يقرب من ‬800 مختص في التمويل التجاري من الجانبين من قطاع المصارف والقطاع التجاري وكذلك خبراء عالميين في مجال التمويل التجاري وخرج المؤتمر بمشاعر إيجابية وهذا لا يعني بأنه لم تثر قضية ما يحدث في المنطقة من عدم استقرار سياسي في بعض الدول. نعم أنت محقة حيث أن التمويل التجاري يعد المحرك الذي يقف خلف النمو الاقتصادي العالمي. فعلي سبيل المثال رأينا في ‬2009 كيف أن بعض الاقتصاديات مثل السويد مثلا شهدت صادراتها هبوطا بنسبة ‬20٪ في الربع الأول من ‬2009 بسبب توقف الاقتصاد العالمي واليوم عاد نشاط التصدير في تلك الأسواق إلى مستوياته الإيجابية. المثير للاهتمام بشأن التمويل التجاري يكمن في كون هذا النوع من التمويل قادر على التكيف مع ما يمكن تسميته بنقاط الضغوط الاقتصادية العديدة فيما يتعلق بإدارة المخاطر سواء المالية أو مخاطر المعاملات المرتبطة بالتدفقات التجارية عبر الحدود وهذا يمكن أن يكون نهجا جيدا فيما يتعلق بكيفية مساندة الأعمال والاحتفاظ بهذا النوع من الهيكلة. لقد خرج جميع من شاركوا في هذا المؤتمر بشعور إيجابي تجاه المشهد الاقتصادي العالمي وأيضا تحديد الإجراءات التي يجب على الشركات والمؤسسات المالية اتخاذها في توقيت الضغوط السياسية والاقتصادية.

عند الحديث عن التجارة والتمويل التجاري أين تأتي قضية حرب العملات وخاصة أن المصدرين كانوا الأكثر تأثرا بحرب من هذا النوع؟

منذ وقت طويل والحديث قائم عن ضرورة خلق عملة تجارية عالمية وأنا شخصيا لا أعتقد أنه سيتم تبني هذا التوجه عالميا في الوقت القريب ولكن الملفت للنظر هو تزايد حجم التجارة العالمية أحيانا بعملة التصدير وبعملة الاستيراد أحيانا أخرى كما نرى مزيدا من عقود السلع الأولية تتجه إلى الصين ويتم شراؤها بعملة الرنميبي الصينية وقد أمضيت الأسابيع الأاولى من يناير الماضي في الصين وبالتأكيد على المستويين السياسي والتجاري هناك تحركا تجاه تعزيز أكبر لعملة الرنميبي الصينية كعملة دولية للتجارة. ما نراه بالنظر إلى تجربة تبني الاتحاد الأوروبي لعملة اليورو خلال ‬12 عاما الماضية فعلى الأرجح سنرى بروز عملة يورو متعددة وعند النظر إلى ‬30 عاما مضى سنرى أن الدولار الأميركي كان المسيطر على عملة التجارة الدولية ومنذ ذلك الوقت حدث نمو اقتصادي كبير برزت معه عملات أخرى منافسة كعملة اليورو الأوروبية والتي تم تبنيها كعملة مفضلة للتجارة ما بين ‬7 دول أوروبية في مناطق معنية. العهد الحالي هو عهد تعددات العملة وتستمر تلك التعددية لسنوات قادمة.

توصيات بازل والتمويل

بازل ‬3 توصي بزيادة الشق الأول من رأس المال المقابل للأصول الممتازة التي تحتفظ بها البنوك من ‬2٪ من قيمة القروض حاليا إلى ‬7٪ إلى أي درجة ستؤثر على التمويل التجاري للبنوك؟

كما تعلمين أن توصيات بازل ‬3 لا تزال في طور الدراسة من قبل حكومات الدول ولم يتم تبنيها حتى ‬2018 وبالتالي هناك وقت كاف لتحليلها وكيفية إنجازها بعد ما رأينا ما أحدثته الأزمة المالية العالمية من تداعيات لم يتقدم أحد خلال العامين الماضيين ليقول أنه لم يعد هناك حاجة لإعادة التفكير أو مراجعة لإطار التشريعات العالمية للمؤسسات المالية. الأزمة المالية أحدثت نزعة متزايدة تجاه إصدار تشريعات يكون بالإمكان السيطرة عليها والبعض قد يقول بأن النزعة تتجه نحو الإفراط وهذه ردة فعل طبيعية بعد الصدمة التي أحدثتها الأزمة المالية العالمية. ما تفعله المؤسسات المالية أو ما يجب عليها فعله وكذلك ما يجب على الشركات التجارية فعله هو النظر بعمق لتوصيات بازل وتحليها بدقة وتحديد انعكاسات بازل إذا ما تم تطبيقها وأي القطاعات والجوانب سيكون التأثير عليها أكبر من غيرها وهناك العديد من المناقشات بشأن كفاية رأس المال وتوفير التنظيم للتمويل التجاري ويظهر اليوم من خلال التوصيات المرتقبة لبازل ‬3 وجود إمكانية لمعاملة التمويل التجاري والذي أستخدم منذ مئات السنين ويوصف بكونه أكثر أمنا وأقل مخاطرة بشكل قاس وما يحتاج قطاع التمويل التجاري عمله وهذا ما ناقشناه خلال المؤتمر الذي انعقد في دبي منذ أيام قلائل هو ضرورة تحليل تلك التوصيات والقول بوضوح لحكومات الدول والمشرعين عن مدى الأذى الذي قد يلحق بتلك المؤسسات المالية أو التجارية نتيجة تلك التشريعات المرتقبة لبازل وسؤالهم بشكل مباشر إن كانت نية تلك التوصيات إزاء التمويل التجاري. الجميع يؤيد مفهوم ضرورة وضع إطار تشريعي مالي أفضل وعندما نتعامل مع نظام معقد كالإطار التنظيمي المالي العالمي فلا محالة سيكون هناك احتمالات لأكثر من تأثير سلبي جراء تطبيق تلك التشريعات وبالتالي من واجب المجتمع المالي والتجاري لتحليل توصيات بازل ‬3 الجديدة وإذا ما وجدوا أنها قد تؤذي التجارة العالمية فعليهم إثارة هذه القضية مع حكومات الدول والمشرعين في المؤسسات الدولية فلا أعتقد أن أي قائد في العالم أو مشرع يريد إيذاء التجارة العالمية.

ما صحة التقارير التي تتحدث عن عودة البنوك العالمية مجددا إلى المخاطر العالية في الإقراض والتمويل في ظل انتعاش الاقتصاد العالمي؟

نحن وقفنا دوما إلى جانب عملائنا حتى في توقيت الأزمات وإذا ما تردد حديث عن وجود بعض المؤسسات المالية الكبرى وبما يقال بكونها عادت تدريجيا لمستويات مخاطرة عالية كما كانت تفعل قبل الأزمة فلا أستطيع التعليق على هذا الكلام.

هل عادت ثقة الناس في العالم بالبنوك مجددا والتي كانت قد اهتزت خلال الأزمة؟

ما أراه بالتأكيد بأن المستثمرين بكل الأشكال والأحجام أصبحوا أكثر ذكاء بشكل خياراتهم الاستثمارية وأصبحوا أكثر إلماما بأسباب استثمارهم في استثمار معين دون غيره وهذا أمر جيد وكلما كان هناك إضاءة وتعريف أكبر بالاقتصاد العالمي كلما كان ذلك أمر جيد وبالتالي يتيح للناس أن يكون لهم أشكال من الخيارات بشأن أين يستثمرون أموالهم. اليوم أصبح هناك ثراء أكبر لخيار المستثمرين وأين يضعون أموالهم.