قال باحثون أن المستهلكين يتكيفون مع البيئة الرقمية ويتوقعون توفر الاتصال بالإنترنت في كل لحظة وأنهم أكثر إصراراً على حقهم في الاتصال المستمر بالإنترنت وأكثر استعداداً لتقاسم جميع المعلومات، وأن ثقتهم بالعلامات التجارية ذائعة الصيت تحولت إلى العلامات التجارية التي يوصي بها أصدقاؤهم.
وأشار تقرير حديث لبوز آند كومباني إلى أن طوفان البيانات الناتج عن المعلومات المتعلقة بعادات التسوق، والمواقع الجغرافية، والشؤون المالية، والأنشطة الاجتماعية، وتاريخ محاولات البحث السابقة، وتداول الأوراق المالية، والسفر، وتاريخ الحالات الطبية، والحالات القضائية، وغيرها، والعمل على معالجتها وتخزينها سيكون في مركز أو أكثر من بين 7,5 ملايين مركز بيانات موزعة في جميع أنحاء العالم.
ونبه إلى أن السلوك الجماعي الرقمي للمستهلكين دفع بأصحاب الرؤية من الشركات إلى ضخ الكثير من رؤوس الأموال في شركات وتقنيات الرقمنة الحديثة، وشرعت الشركات الرائدة في جني الثمار في الأسواق العامة من خلال حصدها لتقييمات مالية تعيد إلى الذاكرة مشهد السنوات التي سبقت طفرة الإنترنت.
ويرى التقرير أنه على مدى أكثر من عقد من الزمان، أثرت المناهج الرقمية الحديثة والمبتكرة في حياة الإنسان، كما وصلت ظاهرة الرقمنة إلى نقطة فارقة في تطورها، مما يجعلنا نقف الآن على أعتاب حقبة أكثر تسارعاً من التغيير الجذري.
النقطة الفارقة
قال بهجت الدرويش، شريك في شركة بوز أند كومباني: ستعيد الموجة المقبلة تشكيل ملامح عالمنا من جديد، فقد أظهرت أبحاثنا حول سلوك جيل الإنترنت، الذي ظهر بعد العام 1990 وبلغ الآن مرحلة الشباب ويشكل جزءاً من القوى العاملة، وجود تسارع في التوجه نحو الرقمنة العالمية، حيث يساهم انتشار تقنية البرودباند.
وتوفر الإنترنت في كل مكان، والخدمات الحاسوبية عبر الإنترنت (cloud computing)، وشبكات التواصل الاجتماعي، وربط الأشياء بالإنترنت (Internet of Things)، في تغيير الطريقة التي نعمل بها ونلهو بها ونتواصل بها ونتعارف بها ونمارس أعمالنا التجارية من خلالها، فقد وصلت ظاهرة الرقمنة إلى النقطة الفارقة في تطورها.
ثلاث قوى دافعة
منذ أمدٍ بعيد، رُسمت الخطوط العريضة لعالم رقمي كامل، وهنا سؤال يطرح نفسه: لماذا وصلنا إلى هذه النقطة الفارقة في الوقت الحاضر؟ وتكمن إجابة هذا السؤال في ثلاث قوى دافعة ومتشابكة.
تطلعات المستهلكين
أصبح المستهلكون متكيفين تماماً مع البيئة الرقمية، فهم يتوقعون توفر الاتصال بالإنترنت في كل لحظة من لحظات حياتهم عبر كل جهاز تقريباً. فضلاً عن ذلك، إن إصرارهم على حقهم في الاتصال المستمر بالإنترنت يحول مسار حياتهم الشخصية، كما أن مدى استعدادهم لتقاسم جميع المعلومات يغير من الآراء التقليدية حول مفهوم الخصوصية.
حيث تتحول ثقتهم من العلامات التجارية ذائعة الصيت إلى العلامات التجارية التي يوصي بها أصدقاؤهم المقربون. ومن ناحية أخرى، فهم يناصرون العديد من القضايا بالتزامن مع الانخراط العميق في بيئاتهم الاجتماعية، لذا فإن المعرفة في عالمهم ليست مجرد قوة، بل عملة اجتماعية وتجارية وبوابة إلى الغاية المنشودة.
زخم التقنية
الهيكل الأساسي للبنية التحتية للعالم الرقمي آخذٌ في الاتساع ليغمر كل ركن من أركان المعمورة، مُقدماً خدمات النطاق العريض السلكية واللاسلكية بأسعار زهيدة لمليارات المستهلكين في أسواق البلدان النامية والمتقدمة على حدٍ سواء. فمع التزايد السريع للطلب على محركات تحليلية آنية ومتطورة لتمكين الشركات من جمع المعلومات في صورتها الأولية والاستفادة منها، تعمل الشركات في جميع أقطار العالم على الاستجابة لذلك من خلال تطبيق تقنيات حديثة على غرار أجهزة التحليل داخل الذاكرة لتلبية تلك الحاجة.
المزايا الاقتصادية
تكمن القوة الثالثة التي تقود ظاهرة الرقمنة في إدراك المسؤولين التنفيذيين في كل قطاع من قطاعات الأعمال أن إمكانية تحقيق مزايا اقتصادية هي أمر واقعي وممكن. وبالرغم من أنه من المبكر تحديد تلك المزايا، فقد تم ضخ الكثير من رؤوس الأموال في شركات وتقنيات الرقمنة الحديثة، وشرعت الشركات الرائدة في جني الثمار في الأسواق العامة من خلال حصدها لتقييمات مالية تعيد إلى الذاكرة مشهد السنوات التي سبقت طفرة الإنترنت.
الشركات الكبرى تخفق
وعلق رامز شحادة، شريك في شركة بوز أند كومباني، قائلاً: أظهرت الدورة الاقتصادية والعولمة مدى ضعف الشركات الكبرى التي أخفقت إلى الآن في تبني الرقمنة، بل إنها حفزت الرؤساء التنفيذيين بشأن ضرورة خفض التكاليف، وتعزيز كفاءة تحقيق الأرباح من القدرات الحالية. ومن ناحية أخرى، تدفع المنافسة المتزايدة في جميع أرجاء العالم الشركات العاملة في كافة قطاعات الأعمال إلى التعامل مع ضغوط الأسعار، وتطوير إجراءات عملها التقليدية، واستحداث بنى ونماذج أعمال جديدة، وإزالة الحدود بين قطاعات الأعمال، بل وخلق قطاعات أعمال جديدة كلياً.
تأثيرات جذرية
معظم الأفكار والتقنيات التي ساهمت في تشكيل ظاهرة الرقمنة لا تُعَدّ حديثة ومبتكرة، ولكن عند تطبيقها مجتمعة تُحدث درجة من التغيير يضاهي في نطاقه الثورات الصناعية الكبرى التي شهدتها العصور الماضية. وستكون لظاهرة الرقمنة آثار كثيرة وبعيدة المدى على عالم الأعمال بشكل عام، كما ستؤثر على كل قطاع من قطاعات الأعمال تأثيراً جذرياً.
رؤى الأعمال والعملاء
سيستفيد كل قطاع من قطاعات الأعمال من الرؤى المتعلقة بإمكانية الحصول على المعلومات بصورة فورية وبدقة عالية مع القدرة على التواصل مع العملاء بشكل أكثر فعالية، حيث يتم الآن بشكل روتيني الحصول على المعلومات المتعلقة بعادات التسوق، والمواقع الجغرافية، والشؤون المالية، والأنشطة الاجتماعية.
وتاريخ محاولات البحث السابقة، وتداول الأوراق المالية، والسفر، وتاريخ الحالات الطبية، والحالات القضائية، إلى جانب أمور أخرى عديدة، والعمل على معالجتها وتخزينها في مركز أو أكثر من بين 7,5 ملايين مركز بيانات موزعة في جميع أنحاء العالم. ومن بين النتائج الأخرى، فقد تنامى استخدام أساليب الأعمال الأساسية على غرار التسويق من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، واستشعار مواقع الحشود (crowd sensing)، والاستفادة من الجمهور في توفير المعلومات (crowd sourcing).
القدرة الإنتاجية
ستزداد القدرة الإنتاجية للعمالة نتيجة لارتفاع مستوى الإدارة الموجهة للقوى العاملة، وكذلك التوسع المكثف في أتمتة إجراءات العمل، فقد تطورت مستويات التصنيع بالفعل في العديد من قطاعات الأعمال. علاوة على ذلك، ستتحسن القدرة الإنتاجية للأصول المادية بشكل جذري باستخدام البنية التحتية الذكية، وربط المنتجات المادية بالعالم الرقمي بالاستعانة بالأجهزة اللاسلكية المدمجة، وتعزيز قرارات الاستثمار من خلال إجراء تحليلات أعمق لتزايد كميات البيانات المتبادلة.
تنازلات لا مفر منها
إن رقمنة أي شركة لها ثمن باهظ، وكلما زاد حجم أعمال الشركة، زادت احتمالية تسبب عملية الرقمنة في إحداث اضطرابات. تتمحور الأسئلة الأساسية التي ينبغي الإجابة عليها من جانب جميع الرؤساء التنفيذيين وإداراتهم التنفيذية حول أربعة موضوعات تتمثل في ما يلي: كيف ستؤثر الرقمنة على نموذج عملنا الحالي ومكانة الشركة في إطار إجراءات العمل الخاصة بالقطاع الذي نعمل فيه؟
ما هي أفضل السبل لتحديد المجالات التي يمكن تحقيق مكاسب فيها وكيفية دخولها، سواء داخل القطاع أو خارجه؟ ما هي مجالات العمل التي يمكن للشركات الناشئة استغلالها بما يتسبب في الإخلال بنموذج عملنا الحالي؟ وما هي أفضل السبل للتغلب على ذلك؟ وما هي القدرات التي نحتاج لبنائها لكي نصير قادة في قطاع عملنا؟
مسألة وقت
ستختلف سرعة عملية الرقمنة من سوق إلى آخر بطبيعة الحال، كما سيختلف منهج تطبيقها من قطاع إلى آخر داخل كل سوق من الأسواق، ولذا، يتعين على المسؤولين التنفيذيين تقييم مدى استجابتهم وفقاً لقطاعات أعمالهم والأسواق العاملين بها ومكانتهم التنافسية الحالية في تلك الأسواق.
وأضاف رامز شحادة قائلاً: قمنا بوضع منهجية لتحديد القطاعات التي ستتأثر أولاً. وبوجه عام، نتوقع أن نشهد تسارع خُطى الرقمنة في القطاعات التي لا تفرض الكثير من القيود أمام الاستثمار فيها، وتلك القطاعات التي تعد المعلومات فيها المنتج المحوري أو عامل النجاح الرئيسي في أنشطة انتقال البيانات من القمة إلى القاعدة (downstream)، وتلك القطاعات التي تشكل أنشطة انتقال البيانات من القاعدة إلى القمة (Upstream) أكثر الأنشطة التي تستنزف معلومات أو رؤوس أموال، مما يعمل على توفير فرص منقطعة النظير لتبني الرقمنة للحد من استنزاف رؤوس الأموال وزيادة العائد على رأس المال.
لن ينأى قطاع من قطاعات الأعمال عن آثار الرقمنة، وسيتمثل عامل النجاح الأساسي في فهم الكيفية التي تؤثر بها الرقمنة في كل قطاع، وشدة ذلك التأثير، وبهذا فقط يمكن للشركات تحديد القدرات التي يتعين بناؤها وترتيب أولويات استثمارات الرقمنة التي ينبغي تنفيذها وتوقيت ذلك بشكل دقيق. وفي حال غياب مثل هذا النوع من التقييمات، من المحتمل أن تضطر الشركات إلى ضخ مزيد من الاستثمارات التي تفوق قدرتها، وتجعلها تسير في الاتجاه الخاطئ.
