تشهد شركات «خدمة المستهلكين» الإقليمية على الإنترنت مرحلة من النمو السريع، في ظل توقعات دخول لاعبين جدد خلال السنوات القليلة المقبلة، من شركات الإنترنت العامة المدرجة في سوق الأسهم تبلغ قيمتها السوقية 10 مليارات دولار. وهو ما سيجعلها رائدة هذا القطاع في المنطقة كما هي شركات «علي بابا» و«ميل» و«راكوتن» العالمية.
وقد أشارت الأبحاث الخاصة بالأسواق الناشئة إلى أنّ شركات خدمة المستهلكين على الإنترنت في المنطقة دخلت مرحلة النمو السريع فعلياً، مقارنة بأسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنطقة أخرى مثل روسيا أو كوريا الجنوبية التي أطلقت شركات عامة تجاوزت قيمتها 25 مليار دولار.
فيما يبلغ عدد مستخدمي الإنترنت في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا اليوم أكثر من 150 مليون مستخدم، ووصلت نسبة انتشار الإنترنت إلى نحو 50%، وهو معدل مرتفع نسبياً.
وأوضح خلدون طبازة، المؤسس والعضو المنتدب لـشركة «آي مينا» القابضة، وصاحب الخبرة الطويلة في تأسيس صناديق الاستثمار في شركات الإنترنت وريادة الأعمال أنه رغم أنّ منطقتنا ممثلة وحاضرة في نادي شركات الإنترنت الكبرى العالمية، إلا أن هناك اختلافاً في آليّة تطور شركات خدمة المستهلكين على الإنترنت في الأسواق الناشئة بالمقارنة مع نظيراتها في الأسواق المتقدّمة.
فمع أنّ التقنية مهمّة كركيزة لمثل هذه الشركات، غير أنّنا نتحدّث هنا عن قطاع «خدمة المستهلكين على الإنترنت».
وتلك الشركات بالتالي هي «شركات لخدمة المستهلكين» أكثر مما هي شركات تقنية، أي أنّها تعتمد بشكل أساسي على حاجة وحجم طلب المستهلكين لخدماتها. أمّا عناصر الابتكار والبحث والتطوير والتقدّم التقني فتأتي في المرتبة الثانية.
لافتا إلى أن المحرّك الأساس لنمو قطاع الإنترنت في أي سوق يبدأ مع شركات الاتصالات، التي تقدّم خدمات الإنترنت بسرعات وأسعار أفضل منذ مطلع التسعينات، ما يضمن الاتصال بالإنترنت عبر الهاتف والإنترنت ذي النطاق العريض عبر الهاتف المحمول.
وأشار إلى أنه في الأسواق المتقدّمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تم اكتشاف ازدياد عدد مستخدمي الإنترنت من قبل رأس المال المغامر وبيئة العمل المبتكرة، الذي قدّم بدوره التمويل والدعم المطلوبين للمؤسسين من أجل إطلاق شركات خدمة المستهلكين على الإنترنت لتلبية احتياجاتهم. ونتج عن ذلك نمو موازٍ وسلس في عدد مستخدمي الإنترنت، وتدفق رأس المال المستثمر ونشوء الثروات من شركات الإنترنت في الولايات المتحدة.
غياب رأس المال
موضحاً أن الأسواق الناشئة افتقرت إلى وجود بيئة استثمارية لرأس المال، ما جعل مسار نموها مختلفاً. وما ميّز هذه الأسواق كان وجود شركات اتصالات قوية تقدم خدمات اتصال صوتي وخدمات البيانات، فنتج عن ذلك ازدياد عدد مستخدمي الإنترنت. ولكنّ هؤلاء المستخدمين لم يجدوا خدمات محلية باللغة العربية على الإنترنت.
وأضاف: لقد شهدت كل الأسواق الناشئة، بدءاً من أميركا اللاتينية وحتى جنوب شرق آسيا مروراً بوسط وشرق آسيا وروسيا، نقطة انعطاف وصل فيها عدد مستخدمي الإنترنت ومعدل انتشارها إلى مستوى حرج بالنسبة لحجم أسواقها.
ويستفيد من هذا الأمر المستثمرون الدوليون، حيث يتبع ذلك تدفق رأس المال إلى هذه الأسواق وتكرير نماذج أعمال سبق استخدامها ونجاحها في الأسواق المتقدمة أو الناشئة الأخرى.
وبالتالي سوف تنشأ على الأقل شركة واحدة بحجم المليار دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، وقد تكون مدرجة في أسواق الأسهم العالمية، لتلعب بذلك دور الوكيل للمستثمرين الدوليين المهتمين بالمساهمة في نمو قطاع شركات الإنترنت للمستهلكين في هذه الأسواق.
تجارب
وأكد أن المنطقة العربية تواجه تحديات معينة، وهو ما منع ظهور قصص نجاح فيها حتى الآن. ومن هذه التحديات تجزؤ الأسواق وارتفاع كلفة التوسع في دول المنطقة المختلفة والكلفة العالية والنقص الحاد في المواهب المؤهلة وزيادة مستوى الاحتكاك بين المستثمرين والمؤسسين، ما يؤدي إلى دورات طويلة ومكلفة لجمع الأموال، ناهيك عن صغر حجم الاستثمارات في هذا القطاع مقارنة بالدول الأخرى.
ويمثل هذا فرصة تاريخية لأسواق المنطقة من الصعب أن تتكرر، وهو نشوء شركة تلعب دوراً ريادياً في هذا القطاع. ونحن نشهد بالفعل ظهور العديد من المجموعات، الدولية منها والإقليمية التي تنتظر مثل هذه الفرصة.
نماذج إقليمية
وقال طبازة: هذه الشركات تضم «ناسبيرز» الجنوب إفريقية و«أو تي فينتشرز» في مصر و«إس تي سي فينتشرز». ومع ذلك، فإنّ التحدي ليس في جمع رؤوس الأموال التي ستجد طريقها إلى أسواق المنطقة، بل في النهج وإطار نشر رأس المال. وبناء على هذا، جاء تأسيس «آي مينا القابضة» كمشغل لشركات الإنترنت التي تقدم خدمات للمستهلكين.
وبسبب عدم وجود لاعبين في معظم الأقسام الإيكولوجية والتركيز على أجزاء محددة، كما هو الحال اليوم من حيث التركيز على المرحلة الأولية لتأسيس الشركات، فقد فشلت العديد من الشركات لا بسبب الاختيارات الخاطئة لنماذج الأعمال، بل بسبب عدم تمكنها من الحصول على التمويل أو عدم التوسع أو الفشل في جذب الكفاءات في الوقت المناسب.
لذلك اتخذت «آي مينا» مساراً مختلفاً واختارت أن تكون مشغلاً وتمكنت من أن تضع لنفسها «إيكولوجية مصغرة» تمكنها من تزويد شركاتها بالدعم الذي تحتاج إليه.
وباعتبار أن الإيكولوجية الحالية لاتزال غير ذات كفاءة، يجري عادةً تفويت العديد من الفرص لعدم وجود خطوات أساسية استباقية لاغتنامها.
شركات ناشئة
تتوافر العديد من الفرص لإنشاء شركة رائدة في السوق خلال فترة قصيرة من الزمن، مع النهج الصحيح والشريك المناسب. وسوف تسمح هذه الفرصة الجديدة للشركة الناشئة بالاستفادة من الفرصة التاريخية في سوق الإنترنت للمستهلكين في المنطقة.

