تخيل أن ابنا لك في سن الثالثة عشرة، يجلس أمام الكمبيوتر لأيام طويلة يبحث عن عجلة أو مزلاج "سكوتر" معين ليشتريه بسعر منخفض، لأنه يدرك بأنك لا تمتلك المال الكافي لذلك، فيقرر الاعتماد على نفسه وتغطية تكاليف هذه العجلة عبر التعاقد مع شركة مجهولة كوكيل لها، لتكتشف بعد 3 سنوات أن هذا المراهق المشاغب تحول إلى مليونير! بالتأكيد ستعتقد ان هذه قصة من الخيال تروى لتحفز مخيلة الاطفال قبل النوم.

إلا ان هذا بالضبط ما حدث مع الشاب البريطاني دومينيك ماكفي البالغ من العمر الآن 28 سنة وتقدر ثروته في مايو 2012 أكثر من 15 مليون دولار، وفقا لقائمة الصنداي تايم لأكبر أغنياء المملكة. بعد ان استطاع ان يجمع أول مليون في سن الثالثة عشرة.

وعندما بلغ عمره 18 سنة اختارته الملكة أصغر رائد اعمال في المملكة المتحدة، وامتلك منذ ذلك الوقت محفظة استثمارية متنوعة بدأت ببيع عجلات السكوتر، وامتدت إلى الازياء والموسيقى والاعلام ومستحضرات التجميل. وهو يشغل منصب مستشار لعدد كبير من الشركات والمؤسسات البريطانية والايرلندية. وقد استحوذ قبل سنوات على مجلة "من" ما جعله اصغر ناشر بريطاني في حينها.

"فيزا" السبب

جلس دومينيك ماكفي في العام 1998 ليتصفح مواقع الإنترنت بحثاً عن شركة بطاقات الائتمان الشهيرة فيزا، فكتب حروف موقعها خطأ viza بدلاً من visa واذ بهذا الخطأ يدر عليه فيما بعد عوائد مالية قدرها 5 ملايين دولار. إذ ان موقع الشركة الأمريكية المتخصصة في تصنيع عجلات السكوتر Scooters التي يمكن طيها وحملها بسهولة، ومثل أي فتى في عمره فلقد أراد واحدة منها بدرجة كبيرة، لكنه لم يكن هو أو والديه ليتحمل نفقات شراء واحدة منها.

ومن هذه النقطة بدأ دومينيك رحلته العملية إذ أرسل رسالة إلكترونية إلى الشركة يخبرها أنه يستطيع بيع الكثير من هذه الدراجات في موطنه إنجلترا، فقط لو أرسلوا له واحدة مجانا.

إلا ان الشركة الأمريكية رفضت عرضه وردت عليه أنه لو اشترى خمس دراجات منها، فستعطيه الشركة السادسة مجاناً. لم يضع دومينيك الوقت، إذ عمد إلى توفير المال حتى جمع ما يكفي لشراء الخمس، عبر عقد حفلات الرقص وشراء الأسهم والسندات وبيع مشغلات الأقراص الصوتية المصغرة لأصدقائه .

حصل دومينيك على دراجاته الخمس، والسادسة الأخرى المجانية، لكنه عرف أن عليه بيع الخمس بسرعة، وهو ما فعله في أسبوع واحد، لأصدقائه وعائلته، وفي الأسبوع التالي باع عشرا منها وهكذا.

كان الفتى ذكيا وطموحا ومقنعا، فباع الكثير عبر الهاتف، وساعدته خبرته في التعامل مع الإنترنت في البيع، وعادت عليه صداقاته مع أقرانه من خبراء تقنية المعلومات بعروض تقديمية احترافية لبيع بضاعته، كما أنشأ موقعاً له على إنترنت سرعان ما أصبح متوسط زواره يومياً 30 ألف زائر، وباع قرابة 7 ملايين دراجة عبر موقعه، وأربعا أخرى عبر القنوات الأخرى!

ضرب من الحظ

لم ير دومينيك الفرصة المتاحة حتى أبصر المنتج على عتبات بابه، وكان حتمًا عليه استغلالها. قد يرى البعض ما حدث ضربًا من الحظ، لكن لضربة الحظ مدى زمني قصير، لذا كان على دومينيك التحرك الدائم لبيع ما لديه من مخزون.

وهكذا اصبح دومينيك بائعا محترفا ، فهو عرف أن المنتجات المنافسة لعجلاته كانت أقل مستوى وأعلى تكلفة، وعبر عن ذلك بفصيح صحيح الكلمات، كما أن الصحافة أعجبت بالمنتج الذي يبيعه، كذلك جمهور المشترين، وهو ما ساعد البيع على أن يتحسن أكثر فأكثر.

ورأى أن بإمكان كل شخص في العاصمة لندن أن يذهب إلى عمله على متن دراجة مثل هذه، وكذلك كل قائد سيارة إذ أن الاختناقات المرورية اللندنية كانت العادة وخلافها من النوادر. كل ما فعله بعدها هو نشر رؤيته.

قطار الأنفاق

واعتاد دومينيك الذهاب إلى محطة قطار الأنفاق ليفربول، لتطارده الشرطة بسبب توزيعه لمنشورات دعائية بين جمهور الركاب، التي كان يلقيها بينما يمضي مُسرعًا على متن دراجته السكووتر. في أول الأمر، باع دومينيك الكثير من دراجاته للموظفين التنفيذيين على أنها أدوات لهو وتسلية، لكن فيما بعد بدأ الناس في استعمالها للوصول لأماكن عملهم.

ويعطينا دومينيك درسًا في تقبل رفض العملاء لشراء بضاعتنا، فهو لم يكن ليتركهم دون أن يسألهم عن طريقة إداراتهم لأعمالهم، وهم أحبوا أن يشاركوه خبراتهم، مثلما يفعل الأخ الأكبر مع إخوته. على أن دومينيك كان الرابح الأكبر، فلم يكن هناك أي إيجار يدفعه أو قروض يسددها أو مصاريف يدفعها، وكان جل ما يدفعه فواتير إنترنت وهاتفه النقال. الطريف أن مكتب دومينيك كان سرير نومه!

فرقة موسيقية

اضطر دومينيك للبحث عن معين آخر بعدما تشبعت لندن بدراجاته، فعند بلوغه 17 سنة كون فرقة موسيقية فشلت بجدارة، بعدما كلفته الكثير. يخبرنا دومينيك أن أكبر أخطائه أن نجاحه جعله يظن نفسه قادرًا على فعل أي شيء، فهو حدد 30 هدفًا ليحققها.

وذلك كان عبئاً عليه أكثر منه دافعاً ومحفزاً، وهو يعلق على ذلك بالقول بوجوب فرز الأهداف وتركيزها في مجموعة صغيرة، ووجوب قضاء الوقت الكافي في التفكير في الخطوة التالية. تعلم دومينيك هذا الدرس وهذه الحكمة بعدما خسر الكثير من ماله، وبعدما اندفع اندفاع المنتشي بالفوز، فلم يحسب خطواته التالية جيداً.