سمي مارتن لورانس كوبر بالأب الروحي للهاتف النقال، بعد أن أجرى أول اختبارات على الاتصال اللاسلكي في العام 1973 وتحديداً في الثالث من إبريل في نيويورك. إلا أن حياته شهدت تقلبات ومشكلات كثيرة قادته إلى العمل في البحرية ليتمكن من جمع مصاريف الجامعة، فمن هو كوبر وكيف قاده القدر لتحقيق ثورة الستة مليارات مشترك في الهاتف النقال اليوم.

ولد مارتن لورانس كوبر في 26 ديسمبر 1928 بشيكاغو ولاية إلينوي. ومنح شهادة بكالوريوس في الهندسة الكهربائية من معهد إلينوي للتكنولوجيا عام 1950، وحصل على درجة الماجستير من المعهد ذاته عام 1957. كما حصل على براءة اختراع عن اختراع نظام التلفون اللاسلكي.

يعود كوبر في أصوله إلى أوكرانيا. إلا أنه أمضى جل شبابه في حقبة الكساد الاقتصادي الذي اجتاح شيكاغو.

ويتحدث كوبر عن تلك الذكريات قائلاً إنه لم يبت جائعاً، إلا أن عيشه كان كفافاً، حيث كان أبواه يكتسبان لقمة العيش من بيع البضائع في البيوت بالتقسيط، حتى إنه اضطر للالتحاق بمعسكرات تدريب الضباط الاحتياط لسد نفقات دراسته في معهد إلينوي للتكنولوجيا، وانتهى به المطاف للعمل على مدمرة بحرية، تنسف خطوط السكة الحديدية بطول ساحل كوريا الشمالية إبان الحرب الكورية.

بعدها تحول كوبر إلى العمل بالغواصات، وقضى عاماً ونصف العام مستقراً في هاواي، وهناك تعلم فن الغوص، الذي كان أحد هواياته الرياضية الكثيرة.

وعلى الرغم من أنه أغرم كثيراً بالبحرية فإن فكرة الاستقرار ظلت تراوده حتى التحق بوظيفة في المبرقة الكاتبة، أحد فروع شركة الكهرباء الغربية.

شركة موتورولا

وبدأ عمله في شركة موتورولا في العام 1954، فقدم لها إسهامات عديدة كإسهامه في زيادة شعبية الساعات الرقمية، من خلال معالجة إحدى نقاط الخلل في البلورات التي صنعتها "موتورولا" خصيصاً لأجهزة الراديو التابعة لها، وحث الشركة وشجعها على الإنتاج الضخم لأولى البلورات المستخدمة في الساعات.

فكرة الهاتف النقال

نشأت فكرة ابتكار الهاتف النقال لدى كوبر في أوائل السبعينات، في الوقت الذي كانت فيه الهواتف الخلوية أجهزة غير عملية، مدمجة في لوحات عدادات السيارات. ويقوم توصيلها في صندوق المعدات بمنزله جهاز إرسال واستقبال لاسلكي، ومصدر إمداد بالطاقة بصندوق السيارة.

لم يكن ثمة قنوات اتصال سوى القليل من القنوات اللاسلكية لإجراء المكالمات، وغالباً ما كان المستخدمون يضطرون للانتظار لفترة طويلة في انتظار إتاحة قناة اتصال.

ولم يكد كوبر يضطلع بمسؤولية قسم هواتف السيارات في شركة موتورولا حتى قرر على الفور ألا تقتصر وظيفة هذه المنتجات على الاستخدام داخل السيارات فقط، بل يتعين أن تكون صغيرة وخفيفة ليتسنى حملها طوال الوقت.

ويصف تلك اللحظات التي عصفت في ذهنه الشاب: "تملكتني فكرة تحويل المنتجات إلى أشياء محمولة".

منذ ميلاد الفكرة في مهدها وحتى ظهور النموذج الأولي إلى النور استغرق الأمر 90 يوماً، وذلك في العام 1972 عندما أعلن كوبر عن مسابقة تصميم تحت رعايته بين مهندسي موتورولا، وفي حفل العشاء الذي أقامه في ديسمبر من السنة نفسها انبرى كل مهندس ليقدم نموذجه الأولي، وكان رأي كوبر في ذلك: "انتهينا إلى انتقاء أقل الهواتف بريقاً"، وبالفعل كان أكثرها بساطة.

كان العرض المبهر حين قرر كوبر إجراء مكالمة هاتفية مستخدماً الجهاز في الثالث من إبريل في العام 1973 بعد عقد شركة موتورولا لمؤتمر صحافي لتقديم هاتفها للعالم، وذلك في فندق هيلتون الواقع في شارع الأميركتين بنيويورك، وعلى الرغم من اختبار الجهاز فعلياً، واستخدامه في إجراء مكالمات ناجحة فإن قرار كوبر بالنزول إلى الشارع بصحبة أحد الصحافيين لإجراء مكالمة توضيحية كان بمنزلة ضربة ساحقة في فن التسويق.

التسويق والإنكار

والمفاجأة أن جويل أنجيل المهندس المنافس الذي اتصل به كوبر بشركة (AT and Ts Bell Laboratories) في ذلك اليوم لم يعترف بتلك المكالمة، أضف إلى ذلك أن كوبر لم يتذكر حتى اسم الصحافي الذي كان برفقته حينما أجرى الاتصال، مع أنها كانت أول مكالمة من هاتف محمول باليد.

ومع كل هذا فقد ظلت ذكريات اليوم الأول لظهور الاتصالات المحمولة، وتأثيرها المشتت للانتباه تراوده دائماً، وكان يعبر عنها بابتسامة قائلاً: "كنت أتحدث وأتقدم نحو الشارع حتى كادت تصدمني سيارة".

وأخيراً تمخضت المحاولات عن هاتف يحمل الاسم (DynaTAC) يحوي 35 دقيقة من زمن التحدث، ويزن كيلو غراماً واحداً، وبعد أربع محاولات لاحقة، توصل فريق كوبر إلى تخفيض وزن (DynaTAC) إلى النصف.

في النهاية بدأ بيعه في العام 1983، بسعر يبلغ أربعة آلاف دولار، يقول كوبر: "لقد كانت التكلفة باهظة والرحلة طويلة"، لكنني لم أضع نصب عيني سوى رؤية تكنولوجية على المدى البعيد".

الدهشة والإصرار

 

تحدث مارتن كوبر عن تجربته المثيرة في استخدام أول جوال في العالم وكيف كان الناس في شوارع نيويورك ينظرون إليه في دهشة وهو يمسك بالجوال ويتكلم، وقال في مقابلة أجراها معه موقع cnet-news.com بمناسبة مرور أكثر من ثلاثين عاماً على أول ظهور للجوال، ومارتن كوبر الذي قد شغل منصب مدير الهندسة الكهربائية في شركة موتورولا والذي يعمل حالياً مديراً لشركة أريكوم للاتصالات يشعر بعدم الرضا عن الوضع الحالي الذي وصلت إليه تقنية الاتصالات، حيث أعرب عن استغرابه في انهماك شركات الاتصالات في إضافة خدمات مختلفة للجوال مثل الرسائل والصور والألعاب بينما لم يتحقق الهدف الحقيقي من هذه الجوالات وهو أن يستطيع المرء الاتصال بأي شخص في أي مكان وفي أي وقت دون عوائق .