وارن أدوارد بافيت، البالغ 77 عاماً من العمر، هو مستثمر ورجل أعمال أميركي عرف عنه بأنه أكبر المتبرعين للأعمال الخيرية في تاريخ الأعمال الأميركية. فقد استطاع هذا المستثمر أن يجمع ثروة طائلة من استثمارات ذكية تحت إدارة شركة قابضة تحمل اسم "بيركشاير هاثاواي" التي يعد أكبر مساهم فيها ويحتل منصب مديرها التنفيذي. وبثروته الحالية التي تقدر بنحو 58 مليار دولار، أصبح يتنقل ما بين المراتب الخمسة الأولى لأغنى أغنياء العالم.
تبرعات
تصدر اسم بافيت عناوين الأنباء في يونيو 2006 عندما تعهد بالتبرع بالجزء الأكبر من ثروته من خلال تخصيص 83% منها إلى مؤسسة "بيل وميليندا جيتس فاونديشن" الخيرية. وقد بلغت قيمة هذا التبرع نحو 30 مليار دولار. وقيل إن تبرع بافيت مثل الأكبر من نوعه في تاريخ الولايات المتحدة. ووقت الإعلان عن التبرع قدرت قيمته بنحو يكفي لمضاعفة حجم مؤسسة "بيل وميليندا جيتس فاونديشن".
وعلى الرغم من ثروته الهائلة، فإن بافيت معروف بحياته الهادئة الخالية من مظاهر البذخ والإسراف التي ميزت حياة غيره من الأثرياء. فعندما أنفق 9.7 ملايين دولار من أموال شركة "بيركشاير" في عام 1989 على شراء طائرة خاصة أقدم على تسمية هذه الطائرة باسم "الطائر الذي لا يمكن الدفاع عنه"، وذلك بسبب انتقاداته السابقة إلى مثل هذه المشتريات الباذخة من قبل مديري الشركات والأثرياء.
وما زال وارن بافيت يعيش في المنزل نفسه الواقع في مركز حي داندي في مدينة أوهاما بولاية نبراسكا والذي اشتراه في عام 1958 مقابل 31500 دولار، رغم أنه كان يملك منزلاً أعلى سعراً في ساحل لاغونا بيتش بولاية كاليفورنيا والذي باعه في عام 2004. ويقدر السعر الحالي للمنزل الذي يسكنه في أوماها بنحو لا يزيد على 700 ألف دولار.
ويعد الراتب السنوي الذي تقاضاه بافيت في عام 2006 والذي لم يزد على 100 ألف دولار راتباً ضئيلاً قياساً إلى رواتب ومكافآت المديرين التنفيذيين في شركات أخرى مماثلة لشركة "يوركشاير". ففي عام 2003 على سبيل المثال بلغ متوسط راتب المدير التنفيذي في الشركات التي تشكل مؤشر "ستاندارد أند بوورز 500" لقياس أداء الأسهم نحو 9 ملايين دولار. غير أن بافيت ورغم حياته المتواضعة قد أدرجته مجلة "تايم" في عام 2007 في قائمة أكثر 100 رجل تأثيراً في العالم.
ذكاء ومهارة ومغامرة
ولد وارين بافيت في 30 أغسطس 1930 في مدينة أوماها بولاية نبراسكا لهوارد بافيت، الذي كان يعمل سمساراً للأسهم قبل أن يكون عضواً في مجلس النواب الأميركي، ولزوجته ليلى بافين.
وقد أظهر وارين منذ طفولته موهبة كبيرة في فهم الأعمال والرياضيات. إذ كان قادراً وبسهولة على حل المعادلات الرياضية المعقدة برأسه ومن دون الاستعانة بالقلم والورق. كما عرف عنه ولعه في قراءة الكتب، حيث أظهر جوعاً لا يشبع نحو المعرفة وخصوصاً في مجال الأعمال وأسواق المال.
بدأ وارين العمل في مؤسسة السمسرة التابعة لوالده وهو بعمر لا يتجاوز الحادية عشرة. ففي عام بدايته نفسه بهذا العمل قام بأول عملية شراء للأسهم عندما اشترى أسهم شركة "سيتيز سيرفيسيز" مقابل 38.25 دولاراً للسهم الواحد. وقد قام بعد ذلك ببيع ما اشتراه من أسهم عندما ارتفع السعر إلى 40 دولاراً وذلك قبل أن تواصل أسعار أسهم هذه الشركة الارتفاع لتبلغ 200 دولار بعد أعوام قليلة. ذلك علمه أهمية الاستثمار في الشركات الجيدة لفترة طويلة.
ألعاب تسلية
وبعمر لا يتجاوز الرابعة عشرة، بدأ وارين مع زميل له في المدرسة الثانوية نصب مكائن تسلية في محلات الحلاقة لينفق الإيرادات التي حققها من هذا النشاط والتي بلغت 1200 دولار على شراء مزرعة مساحتها 40 إيكر قام بتأجيرها إلى مزارعين مستأجرين.
في عام 1951 حصل وارين على شهادة الماجستير في الاقتصاد من كلية كولومبيا للأعمال، حيث درس، تحت إشراف بنجامين غراهام، إلى جانب عدد من المستثمرين المهمين بضمنهم والتر سكولس وإيرفينغ كان.
التأثير الآخر على فلسفة وارين بافيت الخاصة بالاستثمار جاء من مستثمر وكاتب شهير هو فيليب فيشر. فبعد أن تسلم درجة A من بنجامين غراهام وهي أعلى درجة يمنحها الأخير إلى أي طالب يدرس مادة تحليل أسواق الأسهم، أراد بافيت أن يعمل مع غراهم إلا أن طلبه جوبه بالرفض. ذلك دفع بوارين إلى العمل في مؤسسة والده كرجل مبيعات قبل أن يعرض عليه غراهام وظيفة في عام 1954. عاد بافيت إلى أوماها بعد عامين عندما تقاعد غراهام.
عالم الأعمال
في عام 1956 قام بافيت بتأسيس شركة "بافيت أسوشييتس" المحدودة التي مثلت أول شراكة استثمارية له. تم تمويل هذه الشركة بنحو 100 دولار دفعها بافيت وشريكه وبنحو 105 آلاف دولار دفعها شركاء محدودون يتألفون من أسرة وأصدقاء بافيت.
استطاع بافيت أن يؤسس شراكات إضافية تم جمعها فيما بعد تحت مظلة "بافيت بارتنرشيب" المحدودة. وقد قام بإدارة هذه الشراكة من غرفة نومه، ملتزماً بشكل وثيق بنهج غراهام في مجال شراكة الاستثمار وثقافة التعويض. وقد حققت تلك الاستثمارات ما يزيد على 30% من الإيرادات المجمعة خلال الفترة بين 1956 و1969 في سوق كان معدل العائد الاعتيادي يتراوح بين 7% و11%.
في عام 1962 بدأت "بافيت باراتنرشيب" بشراء أسهم شركة "بيركشاير هاثاواي"، وهي عبارة عن شركة صناعية كبيرة تعمل في قطاع المنسوجات الذي كان يشهد تدهوراً ملموساً يتمثل في أن حجم مبيعات هذا القطاع كان يقل عن حجم رأس المال العامل فيه.
فلسفة استثمارية
إن فلسفة بافيت الخاصة بالاستثمار في الأعمال ما هي إلا تحوير لنهج الاستثمار في القيمة والذي طوره أستاذه بنجامين غراهام. فقد أقدم غراهام على شراء شركات لأنها كانت رخيصة بالمقارنة مع قيمتها الجوهرية. إذ كان يعتقد بأنه طالما كانت السوق تضفي على الشركة التي يشتريها قيمة أقل من القيمة الجوهرية للشركة، فإنه يقوم بقرار استثماري مجد عندما يقدم على شرائها. وبرر ذلك بالاعتقاد بأن السوق سوف تدرك فيما بعد بأنها قد منحت الشركة قيمة أقل من قيمتها الحقيقية مما يدفعها لأن تصحح هذه القيمة بصرف النظر عن طبيعة الأعمال التي تمارسها الشركة.
