تعود جذور شركة "كريستوفل" العريقة إلى عام 1820 حين تلقى كريستوفل تشارلز (1805-1863). وكان عمره 15 عاما آنذاك تدريبه الأول على صياغة المجوهرات على يد زوج أخته هوغ كالميت. وفي عام 1830، توّلى تشارلز كريستوفل الإشراف على الشركة ليحصل على ختم ممارسة تصنيع الذهب والمجوهرات في باريس في عام 1832.
وسرعان ما بدأ كريستوفل في تنمية أعماله من خلال التصدير إلى أميركا الجنوبية، ليجد نفسه في خلال عشر سنوات متربعاً على عرش صناعة المجوهرات في فرنسا. ثم انتقل تشارلز كريستوفل نحو صياغة الفضة لتوسيع نشاطه واكتسب العديد من براءات الاختراع في طلي الذهب والفضة ليصبح اسم كريستوفل مرادفا لأسلوب فّن المعيشة الفرنسي، ومرجعا لطبقات الأمراء والبرجوازية.
استراتيجية ذكية
استطاع تشارلز كريستوفل من خلال رؤية استراتيجية ذكية من الحصول على الحقوق الحصرية لاستغلال براءات اختراع تقنية الطلاء الكهربائي للفضة التي أحدثت ثورة في عالم صناعة الفضيات التقليدية. ومع استخدام هذه التقنية أسس تشارلز مصنعاً جديداً ومتطورا لصناعة أدوات السفرة والمطبخ الفاخرة من الفضة والأحجار الكريمة لاسيما البورسلين والكريستال .
وخلال السنوات الأولى لافتتاح المصنع نالت منتجات كريستوفل الجديدة شهرة واسعة وانتشرت بشكل كبير على موائد الملوك والأمراء والبرجوازيين في حقبة الامبراطوريات العظيمة (صحون وملاعق وكؤوس وشمعدانات) وكانت الجودة هي المفتاح الرئيسي بالنسبة لكريستوفل لدخول بيوت الأثرياء، مما دفع تشارلز لتوظيف مجموعة من أهم المصممين والمبدعين في تلك الحقبة من أصحاب الخبرة الطويلة في مجال المجوهرات أمثال اميل ريبر وأونست مادروكس.
سكب الفضّة
في عام 1850 أطلقت «كريستوفل» خط الاكسسوارات الفضية وأدوات التزيين، اضافة الى التماثيل بعد أن أخذت براءة اختراع ابتكرها المهندس والفنان الفرنسي جاكوبي تتلخص بصناعة قوالب تسمح بتنفيذ أي فكرة. حيث يسكب فيها الفضة فتعطي نسخة طبق الأصل عن الأشخاص أو الأشياء المراد تجسيدها. لتكمل بذلك «كريستوفل» تواجدها في جميع أنحاء المنزل أو القصر. ومن حينها انطلقت فكرة التماثيل والنصب التذكارية المصنوعة من الفضة.
وكذلك حصل تشارلز كريستوفل على لقب صانع الفضة للملوك والسلاطين منهم نابليون الثالث والملك لويس فيليب والسلطان العثماني عبدالعزيز وإمبراطور المكسيك وقيصر روسيا. حيث كان يطلب من تشارلز بعض التصميمات الخاصة.
وقبل وفاته في عام 1863 كان تشارلز كريستوفل قد وجه أعمال العائلة من متجر مجوهرات صغير إلى قيادة صناعة الفضيات الفاخرة في العالم خلال وقت قياسي انتشرت فيه متاجر كريستوفل الخاصة في أوروبا وأميركا وصولاً إلى روسيا ودول الشرق المتوسط بعد أن كسب ثقة أغنياء العالم. وكان مصنع كريستوفل في ألمانيا الأكثر إنتاجاً والأكثر مساهمة في تاريخ نشر العلامة التجارية لقربه من الإمبراطوريات القديمة مثل النمسا وهنغاريا وروسيا القيصرية والسلطنة العثمانية.
تقاليد عريقة
ومن كثرة إعجابه بالمعروضات طلب السلطان عبد العزيز مجموعة خاصة من القطع التي نقش عليها رمز السلطنة، إضافة إلى تماثيل وقطع فنية لا تزال لغاية اليوم جزءاً من الحضارة وتاريخ تركيا، وهي موجودة اليوم في المتاحف التركية كقطع أثرية لا تقدر بثمن. وكان السلطان العثماني قد طلب بفتح متاجر لكريستوفل في كل من اسطنبول وبيروت وكان له ما طلب في بداية القرن العشرين.
ولا تزال كريستوفل حتى اليوم تقليداً في تركيا وخصوصاً الإقبال الشديد على أدوات تناول الشاي المصنوعة من الفضة ماركة "كريستوفل" التي يتباهى بها من يقتنيها. ولا تزال حتى اليوم متاجر كريستوفل في اسطنبول وأنقره تشهد إقبالاً كبيراً وتحقق مبيعات مميزة.
شهرة عالمية
في عام 1851، أمر الامبراطور نابليون الثالث خليفة الملك لويس فيليب بتزويد خدمات طاولات جميع الموظفين في الإمبراطورية من كريستوفل. فأصبح هذا الصانع الفرنسي الماهر يُعرف بـ "صائغ فضة الملك" و"مّمون للإمبراطور" وهو ما أدى إلى طلب منتجات كريستوفل من الملوك والأباطرة الأجانب.
وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أصبح كريستوفل كذلك يزوّد الفضّيات للفنادق الفخمة الفرنسية والأجنبية وشركات النقل البحري والسكك الحديدية. وفي وقتنا الحاضر تقوم شركة كريستوفل بتزويد قصر الرئاسة الفرنسية "الاليزيه" في باريس. ومثل جميع الماركات العالمية الفاخرة التاريخية الكبرى، تمكنت العلامة من الحفاظ على شهرتها في جميع أنحاء العالم من خلال الوصول إلى أسواق جديدة.
