هو النجاح والتفوق، يكتب حكاياته حيث تضع بصمتها، وينثر روائعه بأشكال انسيابية تحاكي ايلة ويعطي انطباعات جمالية راقية تتناغم مع روح العصر، إبداع لا يعرف الحدود ومخيلة واسعة لا تمل من الابتكار، وكأنها استلهمت حضارة ما بين النهرين وروائع بغداد الشامخة، لتضيف اليها رقي لندن وشوارعها المرصوفة بالتاريخ، لتنسج حلمها بخيوط الحضارات العريقة وتصنع مجدها الشخصي الذي لم يسبقها اليه أحد.

إنها المهندسة العراقية زها حديد، التي كتبت اسمها بحروف من ذهب على صفحات الفن المعماري مزاحمةً أعظم المهندسين ومتفوقةً عليهم. فمن مدن النخيل والجنائن المعلقة انطلقت لتدرس الرياضيات في بيروت مدينة الحرف والحياة، وتنطلق منها ثابتة الخطى الى مدينة الضباب لندن لتدرس الهندسة المعمارية في العام 1972، وبعد التخرج خطت خطواتها الاولى في مكتب كولهاس، استاذها السابق الذي وصفها بأنها كوكب يدور في مداره الخاص، حيث لم تمكث فيه طويلاً لتؤكد خصوصيتها فعلاً بأعمال نالت إعجاب العالم بأسره.

فمن فوزها بمسابقة "دي بيك" في هونغ كونغ العام 1982 إلى دار المسارح والفنون في أبوظبي في العام 2007 روائع تكتب بماء الذهب، فلقد وقَّعت بأناملها السحرية على العديد من المشاريع التي لم يضاهها فيها مهندس آخر من العالم لم يكن اولها المبنى المركزي في مجمع شركة بي ام دبليو في لايبزيغ في ألمانيا ولم يكن آخرها دار الأوبرا في كوانزو.

دار المسارح والفنون في أبوظبي

يعكس تصميم زها حديد لدار المسارح والفنون مرونة الحركة، وهو مستوحى من عناصر وأشكال عالم الطبيعة. وقد تم تصميم المبنى بحيث ينطلق من وسط المنطقة الثقافية في السعديات، فاتحاً ذراعيه للزوار لينقلهم صعوداً نحو صالات فنون الأداء في الأعلى مع إطلالة خلابة على الخليج العربي. وتوصف المعمارية زها حديد المباني التي تضم صالات الأداء الفني بأنها "محمية كاللؤلؤ وظاهرة في آن معاً، لتكون أشبه بثمار نبتة تطل على البحر".

"حصوتان مستديرتان"

تقول الأسطورة إن نهر زوجيانج أو "نهر اللؤلؤ" يضم صخرتين من المرجان تحولتا على مدى آلاف السنين إلى حجرين في نعومة اللؤلؤ بفضل أحجار الصوان المنسوبة إلى سلالة ساوث يوي وتأثير مياه النهر، ولقد ورد ذكر هاتين الصخرتين في الأشعار الصينية القديمة التي انتشرت بين الناس ويشبه "حصوتان مستديرتان" المبنى الذي صممته حديد تماماً تلك الصخرتين وكأنهما نقلتا من الأسطورة لتلقيا على الشاطئ، واحدة سوداء كبيرة والأخرى رمادية أقل حجماً من الأولى.

وجاء هذا المبنى ليكون معلماً من معالم مدينة يمتد تاريخها إلى أكثر من ألف عام، وكأن معاول الريح قد نحتت تلك الصخور وحفها النهر بنعومة وانسياب مائه يوماً بعد يوم ليبرز «حصوتان مستديرتان» بوضوح وروعة مدينة كوانزو، ويلقى قبولاً ورضاً واسعين لدى الجمهور حيث صوت نحو 2800 من مواطني كوانزو على الفور في صالح التصميم، في حين أبدى أكثر من عشرين ألفاً قبولهم تصميم من خلال شبكة الانترنت.

ويمكن القول إن زها أكسبت علوم الهندسة المعمارية توجهات جديدة، فتصاميمها الثورية الفريدة، تغير رؤية المرء عن المستقبل بمجرد النظر إليها. وخلال معرض شانيل للفن المتحرك في هونج كونج قالت زها: "أعتقد أن التصاميم المعمارية تملك القدرة على تجديد البيئات التي تعيش فيها الجماهير، وأن تلهم مخيلاتهم في إبداع تجارب جديدة تشعرهم وكأنهم في مملكة جديدة، ينظرون بتعجب وفضول إلى كل ما يحيط بهم".

وبفضل أفكارها المعمارية الحدسية المشحونة بالشغف، نالت زها في عام 2004 جائزة بريتزكر التي توازي نوبل في العمارة، لتكون بذلك أول امرأة تحصل على تلك الجائزة في العالم. وعلَّقت لجنة التحكيم آنذاك بالقول: "غيّرت زها إحساس الناس بالفضاء من حولهم".

 تاريخ حافل بالإنجازات

 كانت المصممة العراقية الأصل بريطانية الجنسية زها حديد، قامت بتصميم معالم عالمية بارزة عدة، مثل، جسر الشيخ زايد في العاصمة أبوظبي، والاستاد الأولمبي بلندن، ومتحف الفنون الإسلامية في الدوحة، والمسجد الكبير في ستراسبورغ وغيرها من روائع التصاميم العالمية.

حيث تتميّز تصميماتها بالإبداع الخلاق، عبر المزج بين الفضاءات الداخلية والخارجية للعمارة الإسلامية، وانسيابية الخطوط العربية والأشكال التراثية التقليدية، وثورة التشكيلات الهندسية المستقبلية، كما حازت حديد جائزة بريتزكر العالمية، ووسام التقدير من الملكة البريطانية وعدة جوائز عالمية أخرى.