حين تطل إطلالتك الأولى من نافذة الطائرة، قبل أن تحط بك في مطار أنطاليا، يبهرك التناغم والانسجام غير المفتعل، بين المباني والمناظر الطبيعية الخلابة المحيطة بها.
فالمدينة، التي تتخللها وتحيط بها الأحراج والحقول الزراعية، تستلقي مسترخية على شاطئ المتوسط، في أحضان سلسلة جبال زاغاروس، التي تحيطها بلطف ودلال من كل الاتجاهات، ما عدا إطلالتها البحرية التي تكمل النسيج الرائع لهذه اللوحة الفنية، دون أن تخفي التنافس غير المعلن، بين نعومة الشاطئ وإغراءاته الجمالية، وبين صرامة الجبال التي تبدو كالحاضن للمدينة والحارس اليقظ لجمالها وطبيعتها الخلابة، حيث المباني تتسلق السفوح متسللة بين الأشجار، كأنها أنامل محبوبة تداعب شعر حبيبها.
وهكذا يمضي بك الطريق من المطار إلى الفندق الذي ستقيم فيه، دون أن تلحظ أي نشاز أو تنافر بين مكونات هذا المشهد البديع، الذي نسج بعناية تكامل فيها صنع الطبيعة والذوق الإنساني الرفيع، والخبرة البشرية المتراكمة عبر ما يزيد على 2200 عام، هي العمر المسجل لهذه المدينة الراسية في عمق التاريخ، والمستمتعة بكل مقومات الحداثة والمعاصرة، بوعي ودون تكلف أو مبالغة.
وعندما تنزل إلى قلب المدينة وتتجول في شوارعها وبين مبانيها التاريخية العريقة في "المدينة القديمة"، تزداد انبهارا بمدى التناغم والتداخل بين البيوت والمباني الحديثة وتلك التي تعود إلى حقب تاريخية مختلفة، وبعضها ما زال يقيم فيه أصحابه منذ أجيال موغلة في القدم، كما يلفت نظرك التناغم بين سكان المدينة الودودين، وبين زوارها الكثر من مختلف الأجناس والجنسيات.
ولعل من أهم ما أنجزته التجربة التركية الحديثة، هو هذه اللحمة الفريدة بين مختلف الأجيال والانتماءات، وهذا "الانفتاح المحافظ"، إن جاز التعبير، على الحديث والجديد، وعلى الزوار المتوافدين من كل الثقافات والاتجاهات. فالكل يعيش حياته كما يشاء بحرية كاملة.
ولكن دون أن يتعدى على حريات الآخرين أو يصادر رؤاهم وطرق حياتهم الخاصة. وهذا من خصائص المدن المتوسطية عموما، ولكنه في أنطاليا والمدن الساحلية القريبة منها (مثل ألانيا، وسيده..)، يبدو أكثر وضوحا ورسوخا، وهو نمط حياة يعيشه الجميع باقتناع وانسجام، دون أن تشعر بحدود فاصلة بين التاريخي والمعاصر، المحافظ والمنفتح.. ولا حتى بين السكان المقيمين والزوار الذين يتوافدون عليهم من كل أنحاء العالم.
ولعل هذا ما أهل أنطاليا، وبجدارة، لتكون من أهم المناطق السياحية والزراعية التركية، بل عاصمة السياحة في تركيا. وهي تعتمد في اقتصادها بالدرجة الأولى على هذين القطاعين، إذ توفر نحو 65% من الفواكه والخضروات الطازجة التي تحتاجها البلاد، ونحو 30% من عائدات السياحة الخارجية سنويا، إضافة إلى بعض الصناعات الخفيفة. ومنذ سنة 2000 أنشئت في أنطاليا منطقة صناعية حرة، متخصصة في صناعة اليخوت الفاخرة، وما يتصل بها من صناعات تكنولوجية متطورة.
وتعتبر الشلالات المائية من أبرز المعالم السياحية الطبيعية التي تجمع بين روعة الجمال ورهبة الخلق والإبداع، في أنطاليا ومحيطها، حيث تنتشر على المرتفعات الصخرية المطلة على ميناء المدينة، وكذلك على السفوح والمنحدرات الجبلية المحيطة بها. وبعض هذه الشلالات ينهمر من ارتفاعات شاهقة تبلغ عشرات الأمتار أحيانا، وبعضها ينساب كالنهر عبر الصخور المنحدرة قليلا، ولكن بسرعة دفق هائلة.
المدرج الروماني
تبعد مدينة "سيده" نحو 80 كيلومترا من أنطاليا وتتبعها إداريا، وهي تقع على تلة يحيط بها البحر من ثلاث جهات، وتحتضن أحد أكبر وأقدم المسارح الرومانية، حيث كان يتسع لأكثر من 15 ألف متفرج، وما زال حتى اليوم في حالة شبه مكتملة، ويحظى برعاية واهتمام كبير من السلطات التركية.
ويدل هذا المسرح الضخم محكم الإتقان، والآثار المتبقية حوله من مدينة "أغورا"، على طور متقدم من المدنية والتطور العمراني والتنظيم المدني الراقي، رغم أنه يعود إلى ما قبل 21 قرنا (القرن الأول قبل الميلاد)!
فالمدينة التي كان المدرج يقع في ناحيتها المطلة على البحر من الشمال الشرقي، عكس المسارح الأخرى التي تقام عادة وسط المدينة، كانت موزعة حسب اختصاصات سكانها، بنظام دقيق محكم، رغم ما فيه من طبقية واضحة، وبشكل يعجز عنه الكثير من المدن الحديثة في عصرنا الحاضر.
وتعتبر المدينة بشكل عام، بمثابة متحف مفتوح، حيث لا يكاد يخلو موطئ قدم فيها من أثر قائم بذاته، أو بقايا أصبحت جزءا من مبنى سكني أو قاعدة لمحل تجاري حديث، كما هو حال معظم المدن المجاورة، دون تنكر أو امتهان لقيمته الفنية ورمزيته التاريخية.
شاطئ كليوباترا
إذا كانت أنطاليا هي الفردوس الأرضي الذي بحث عنه آنالوس الثاني ملك برغوم في القرن الثاني قبل الميلاد، واختاره عاصمة لمملكته، حسب الرواية التاريخية المعتمدة والمتداولة بين السكان، فإن ألانيا التي تبعد عنها نحو 160 كيلومترا، هي فردوس آخر من فراديس الشاطئ المتوسطي في تركيا.
وقد عرفت ألانيا بعدة أسماء عبر التاريخ، منذ تأسيسها في القرن الرابع قبل الميلاد، إلى أن أصبحت تحت حكم السلاجقة في بدايات القرن الثاني عشر الميلادي، حيث حولها السلطان علاء الدين كيكوباد عاصمة صيفية لسلطنته، واشتق لها اسمها الحالي من اسمه "العلائية"، الذي تغير مع الزمن إلى "ألانيا".
وتعتبر ألانيا من أهم المقاصد السياحية في تركيا وأجملها. وتتميز بإطلالتها البديعة على البحر، وبقلعتها التاريخية التي أقام عليها السلطان علاء الدين مقره الصيفي، على ارتفاع 300 متر عن سطح البحر. كما تتميز بوجود "شاطئ الأحلام" أو "شاطئ كليوباترا" الواقع إلى يمين القلعة، بمنظره الخلاب ورمزيته التاريخية، وما يحفل به من معان ودلالات رومانسية، تلخصها نسبته إلى الإمبراطورة كليوباترا التي اشتهرت بجمالها الباهر وشخصيتها الأسطورية.
ومهما قيل عن هذه المدن، العريقة بتاريخها والمعاصرة بكل تفاصيلها، وبخدماتها المتميزة وأهلها الطيبين الودودين، فإن الكلام يظل مجرد عناوين مشوقة، لا تعبر عن روعة المشاهدة، ولا تكفيها زيارة عابرة، ولا حتى إقامة قصيرة، بل تستحق وقتا طويلا وزيارات متكررة.. وبالتأكيد لن يشعر الزائر بالملل ولن يكون نصيبه الندم.
مهرجان الجاز السنوي الأول يجمع نخبة من عشاق الموسيقى
تحتضن مدينة أنطاليا سنويا، العديد من المهرجانات والمناسبات الثقافية والفنية والرياضية الدولية، مثل مهرجان أوراسيا السينمائي الدولي، مهرجان أسبيندوس الدولي للأوبرا والباليه، مهرجان أنطاليا الدولي للموسيقى الشعبية والرقص، مهرجان البحر المتوسط الدولي للموسيقى، ومهرجان البرتقالة الذهبية للأفلام الذي يعد أكبر مهرجان وطني للأفلام في تركيا، إضافة إلى العديد من البطولات الرياضية، بما فيها سباقات السيارات.. وغيرها من الأحداث والمناسبات المتنوعة.
وقد احتفلت أنطاليا هذا العام بانطلاق مهرجانها السنوي للجاز في دوته الأولى، بمشاركة نخبة من مشاهير الفنانين والموسيقيين العالميين المبدعين في هذا الفن الإيقاعي المميز.
وقد أقيم المهرجان على مدى أربعة أيام (20-24/7/2011)، في الهواء الطلق، في مسرح «آسبيندوس»، أحد أعرق المسارح التاريخية الرومانية، والذي يتسع لنحو عشرة آلاف متفرج. وقد غص المسرح بالجمهور من محبي وعشاق موسيقى الجاز، من الداخل التركي ومن مختلف أنحاء العالم.
افتتحت ليالي المهرجان المغنية الإسبانية الشهيرة مونيكا مولينا، بمشاركة شاينا موزيس ومحمد إكيز، وهو سويدي من أصل تركي ويلقب «سيد الرتم»، وقد قدم في نهاية العرض قطعة من الموسيقى الكلاسيكية التركية هدية للجمهور.
كما شارك في إحياء ليالي المهرجان، كل من المغنية الاسكندنافية ليزا أكدال أو «صوت الشمال الساحر»، والمطربة سيزاريا إيفورا بمصاحبة «أوركسترا كونترباس» الباريسية، إضافة إلى المغني والعازف الأمريكي الشهير «ماكي غراي» مع نجوم فرقة الغجر النيويوركية.. بينما كانت السهرة الختامية مع عازف الغيتار «آل دي ميولا» والمطرب فاهير آتكوغلو، بمشاركة ال نيغرو هرنانديز الحائز على جائزة «غرامي».. وغيرهم من نجوم الجاز العالميين.
وقد حظي المهرجان بتغطية إعلامية واسعة، من خلال جمع من الصحفيين والإعلاميين من مختلف الدول والقارات، الذين وجهت إليهم الدعوات من وزارة الثقافة والسياحة التركية، لحضور فعاليات هذا المهرجان الدولي الأول من نوعه في أنطاليا، والذي كان محل عناية واهتمام رسمي وجماهيري، واستقطب الكثير من السياح الذين جاؤوا خصيصا لمشاهدته.
ويبدو أن الجمهور التركي ذواق للموسيقى عموما، وللموسيقى الإيقاعية بشكل خاص، كما ظهر من تفاعله مع المطربين والفرق المشاركة، ومن الحضور الكثيف من مختلف الفئات والأعمار.
ولعل هذا ما يفسر تعدد المهرجانات على مدار العام، في هذه المدينة الساحلية الساحرة، التي تعتبر رسميا، وبجدارة، عاصمة السياحة في تركيا.
كما أن اختيار مسرح «آسبيندوس» مكانا للعروض الموسيقية، كان له بلا شك، دور مؤثر في استقطاب الجمهور، لما يمثله هذا المكان من عراقة تاريخية، مع توفر أحدث التجهيزات المسرحية اللازمة، من إضاءة وديكورات ومؤثرات صوتية، بتقنيات عالية ومتطورة.
ولهذه العوامل كلها، استطاع مهرجان أنطاليا السنوي الأول للجاز، أن يحقق نجاحا ملموسا، من حيث مستوى الفنانين والفرق المشاركة، ومن حيث الحضور الجماهيري الواسع، وكذلك من حيث الحضور والتغطية الإعلامية.. رغم أن التجربة ما زالت في سنتها الأولى، وقد تحتاج إلى بعض الوقت، حتى يكتمل نضجها، وتحقق المكانة اللائقة بها على خريطة المهرجانات الفنية العالمية.



