تعكف سلطة دبي للخدمات المالية على مراجعة إطارها التنظيمي لكي يكون متسقا ومتناغما مع معايير ومتطلبات اتفاقية بازل 3، وتخطط الانتهاء من عملية المراجعة خلال العام المقبل، باعتبار أن بعض بنود الاتفاقية مازالت في حيز التعديل، هذا في الوقت الذي يكثف فيه معهد «حوكمة « التابع لمركز دبي المالي العالمي جهوده الرامية إلى ترسيخ الوعي بمتطلبات بازل 3 في أوساط المصرفيين لاسيما في منطقة الخليج من خلال تنظيم دورات وورش عمل تتناول القضايا الخاصة بالممارسات الأفضل في مجال إدارة المخاطر والحوكمة الرشيدة.

جاء الإعلان عن ذلك في سياق تصريحات خاصة أدلى بها كل من الدكتور ناصر السعيدي رئيس قسم الشؤون الاقتصادية في سلطة مركز دبي المالي العالمي؛ وبريان ستيروولت، العضو المنتدب لسلطة دبي للخدمات المالية؛ وذلك على هامش ورشة عمل نظمها أمس مركز دبي المالي العالمي، بوابة المال والأعمال التي تربط بين الأسواق المنطقة الناشئة والعالم، وتناولت الورشة محوري الإصلاح التنظيمي والقطاع المصرفي. وجمعت نخبة من رواد القطاع المالي ورجال الأعمال بهدف تبادل الخبرات ومناقشة أحدث النزعات في مجالات إدارة المخاطر ورأس المال التنظيمي وممارسات الإفصاح والحوكمة. وسلط الحدث الضوء على تأثيرات اتفاق بازل 3، وهو المعيار التنظيمي الدولي الجديد للمؤسسات المالية العالمية، مع التركيز على سبل تنفيذه وتداعياته على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. واستعرضت ورشة العمل سلسلة من المواضيع، بما فيها «الأنظمة والمعايير والأزمات المالية: نموذج جديد؟»، و»تداعيات بازل 3 على القطاع المصرفي دول مجلس التعاون الخليجي»، و»فلسفة وهندسة جديدتين لإدارة المخاطر»، و»آثار الإصلاحات التنظيمية على الاقتصاد الكلي»، بالإضافة إلى «حوكمة الشركات» و»تأثيرات بازل 3 المتوقعة على الصناعة المصرفية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا».

 

مراجعة القواعد التنظيمية

من جانبه، صرح بريان ستيروولت، العضو المنتدب لسلطة دبي للخدمات المالية لـ«البيان الاقتصادي» بأن السلطة تعكف في المرحلة الحالية على مراجعة كافة قواعدها التنظيمية لكي تكون متسقة ومتناغمة مع مبادئ بازل 3، وأنها تعتزم الانتهاء من إدماج هذه المعايير ضمن إطارها التنظيمي خلال العام المقبل، لافتا إلى أنه مازال هناك بعض التعديلات الواجب إدخالها ضمن اتفاقية بازل 3 .

وأوضح بريان أن سلطة دبي للخدمات المالية تعتزم إصدار توصيات بشأن اتفاقية بازل 3 في مطلع عام 2010 بما في ذلك تغيير القواعد المتعلقة برؤوس الأموال، مشيرا إلى أنها تقوم بإجراء اتصالات في هذا الشأن مع الجهات التنظيمية الأخرى الموجودة في العالم، لاسيما المصارف المركزية .

ولفت بريان إلى أن مركز دبي المالي العالمي ينشد أن يكون مركزا للمصارف التجارية، وعليه تتعاون سلطة دبي للخدمات المالية مع الجهات التنظيمية الأخرى في العالم، حيث يتم صنع القرارات المتعلقة باتفاقية بازل 3 في عواصم عالمية، من بينها لندن وزيورخ وهونج كونج، مشيرا إلى أن هناك أساليب وطرقا متعددة في تطبيق بازل 3، وأن دول مجلس التعاون الخليجي تختار طرقا وسرعات مختلفة في تطبيقها لمعايير ومتطلبات بازل 3، بيد أن هذه الأساليب ترتكز على مبادئ متماثلة.

وردا على سؤال بشأن إمكانات التوافق بين التمويل الإسلامي ومعايير بازل 3، أجاب براين بإعرابه عن اعتقاده بأن لن تكون هناك معايير جديدة تخص التمويل الإسلامي، مشيرا إلى أن القضية المحورية للتمويل الإسلامي تتمحور حول كيفية التأقلم والتكيف مع هياكل معايير بازل 3 ، ومن ثم، يكون من المتعين على التمويل الإسلامي أن ينظر في كيفية العمل ضمن القواعد المتفق عليها في إطار اتفاقية بازل 3 .

وأعرب بريان عن اعتقاده بأن تطبيق اتفاقية بازل 3 لن ينطوي على انعكاسات سلبية بالنسبة للمؤسسات المالية المتواجدة في المنطقة الحرة المالية التابعة لمركز دبي المالي العالمي، مشيرا إلي أن التحديات المرتبطة باتفاقية بازل 3 لا تنحصر في المسائل الوثيقة الصلة بالجهات التنظيمية في دول مجلس التعاون الخليجي أو القضايا المتعلقة بمستويات رأسمال، وإنما كذلك تتعلق بإجراءات وتدابير السيولة بما في ذلك اختبارات الجهد، ولفت إلى أن المصارف الخليجية تمتلك القليل من الأدوات المالية في التعامل مع السيولة، وذلك في النطاق المحصور بين التدفقات النقدية والقروض.

 

تقوية الوعي

ومن جانب آخر، أكد الدكتور ناصر العالمي أن معهد حوكمة التابع لمركز دبي المالي العالمي يعتزم مواصلة جهوده في مجال تعميق الوعي بشأن أفضل الممارسات في مجال إدارة المخاطر والحوكمة، فضلا عن رفع كفاءات المديرين المصرفيين، وذلك من خلال تنظيم البرامج التدريبية والدورات وإصدار أوراق السياسات.

وحدد الدكتور ناصر السعيدي ستة مجالات تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إلى تطويرها من أجل التعامل مع نقاط الضعف الاقتصادية في كل من أسواقها وهي:

وضع تدابير احترازية كليّة للتصدي للمخاطر النظامية، والتقلبات الاقتصادية الدورية الناجمة عن تذبذب أسعار النفط، إضافة إلى التقلبات الناجمة عن تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل

تعزيز الأدوات التنظيمية والرقابية

تطوير أسواق الدين وأسواق العملات المحلية

جمع ونشر إحصاءات اقتصادية ومالية تخدم كنظام إنذار مبكر

تحرير وتخفيف القيود على حركة الخدمات المصرفية والمالية في دول مجلس التعاون الخليجي من خلال إنشاء هوية موحدة للتعاملات المصرفية في دول مجلس التعاون الخليجي

تأسيس منظومة الإشراف والرقابة على الجهاز المصرفي في دول مجلس التعاون الخليجي .

وأوضح الدكتور ناصر السعيدي أن معايير بازل بنسختيها الأولى والثانية قد فشلت في تأمين أسس متينة للأنظمة المالية لتجنب الأزمات. وقد ظهر ذلك بصورة واضحة خلال فترة الأزمة المالية العالمية الأخيرة، حيث لم توقف اتفاقية بازل الثانية البنوك عن زيادة مديونيتها فيما فشلت نماذج إدارة المخاطر الداخلية في تقدير ما تحتاجه البنوك من أموال احتياطية. لذا يطمح تنظيم بازل 3 الجديد إلى تعزيز صلابة النظام المصرفي من خلال معالجة العديد من العيوب التي كشفت الأزمة المالية النقاب عنها، ويسعى كذلك إلى تحسين نوعية رأس المال ومستوى القروض وتجديد التركيز على أهمية إدارة السيولة، الأمر الذي سيحفز قدرات البنوك على إدارة مخاطرها. وتكمن التحديات الرئيسية التي تواجه البنوك الخليجية في تلبية متطلبات السيولة في ظل غياب أسواق المال والديون، وغياب أسواق الأوراق المالية الحكومية على وجه التحديد.

وتابع قائلاً: على الرغم من أن دول مجلس التعاون الخليجي كانت أقل تأثراً بالأزمة، غير أن الاضطرابات الاقتصادية والمالية كشفت نقاط ضعف ناجمة عن النمو السريع للائتمان وتدفقات رأس المال قصيرة الأجل. فقد شهد قطاعا العقارات والبناء ضربة قاسية، وبات اعتماد دول مجلس التعاون الخليجي غير الصحي على رؤوس الأموال الأجنبية أمراً جلياً. كما سلط تنظيم بازل 3 الضوء على الحاجة الملحة لتطوير أسواق رأس المال الإقليمية في ظل شح موارد التمويل لمشاريع البنية التحتية المستقبلية نظراً لقلة البدائل عن التمويل المصرفي.

هذا وقامت لجنة بازل للرقابة المصرفية مؤخراً بتحديث توجيهاتها للوائح التنظيمية المصرفية استجابة للأزمة المالية العالمية. ويطرح اتفاق بازل 3 معايير جديدة لرأس المال والمديونية والسيولة لتعزيز صلابة الأنظمة المالية والرقابة وإدارة المخاطر في القطاع المصرفي، حيث ستجبر القوانين الجديدة البنوك على الاحتفاظ باحتياطيات أكبر وجودة أعلى لرؤوس أموالها مما هو مفروض عليها اليوم في ظل القواعد الحالية.