من أهم ما يميّز دورة الأعمال الاقتصادية، تعرضها لموجات متعاقبة تظهر على شكل ازدهار وكساد في أداء أسواق المال والأسهم؛ فالموجة الصاعدة يقابلها أخرى هابطة في كافة النماذج التحليلية العالمية الشهيرة.
ويعني ذلك أن دورة الأعمال يمكن تعريفها على أنها تلك التغيرات والتقلبات الدورية المستمرة التي تعترض وتيرة النمو الاقتصادي ومستوى الأعمال خلال مدة زمنية معينة.
يلاحظ أيضاً أنه لا يمكن لأي دولة مهما بلغ اقتصادها من قوة ومنعة، أن تكون في منأى عن هذه الظاهرة، وينطبق الأمر ذاته على عالم الشركات، إذ تعجز أي شركة عن تحصين ذاتها أو أسهمها من هذه التقلبات السعرية بين حين وآخر.
هذه النظرية التي أثبتت صحتها وتأثيرها المؤكد والواضح على أسواق المال، تقودنا إلى أكبر درس في صناعة الأسهم والاستثمار، وهو أنه «ليس كل ما يلمع ذهباً»؛ ونقصد بذلك أن ارتفاع السهم ليس الدليل الأوحد على جودته وقوة أدائه وربحيته. وفي المقابل.. لا يمكننا الاستنتاج أن انخفاض قيمة سهم ما، يمكن اتخاذه دليلاً على ضعف الأداء، ومؤشراً يجبر المستثمرين على الخروج منه، لأنه قد يعتبر «ذهباً»، إذا ما تمت مقارنته مع أسهم شركات أخرى، خاصة عند الوقوف على أسسه المتينة.
المعنويات الضعيفة
وفي أوقات الكساد أو الركود، تتوقف الأسهم ذات القوائم المالية القوية والتوسعات الضخمة عن التفاعل الإيجابي مع الأخبار الجيدة المتعلقة بها، نظراً للمعنويات الضعيفة في أوساط المستثمرين. وفي بعض الأحيان، قد يحدث انفصام في العلاقة بين الأداء الفعلي للشركة وبين أداء سهمها، إلى درجة أن الأخبار الجيدة والإيجابية لا تضمن لها الاستجابة المتوقعة.
الحال ذاته ينطبق على الاستحواذات والتوسعات التي تقوم بها الشركات ذات المراكز المالية القوية، حيث ينطبق عليها حصرًا النظرية السائدة أو الحكمة المتعارف عليها، وهي: أن الشركات الأكثر انخفاضًا في أوقات هبوط الأسواق المالية، غالبًا ما تكون الأكثر ارتفاعاً عندما تعود الأسواق إلى حالة الاتزان، وتبدأ بالدخول في مرحلة الازدهار والانتعاش الاقتصادي، شريطة ألا يكون هذا الانخفاض ناجمًا عن عيوب أو ضعف في أداء الشركة، كأن يتعرض سهمها للهبوط نتيجة بيعها بعض أصولها للوفاء بالتزاماتها بسبب ضعف عوائد أنشطتها الاعتيادية.
أخطاء استثمارية
هذه الأخطاء الاستثمارية تقودنا إلى مبدأ استثماري آخر، وهو ضرورة الأخذ في الحسبان التنوع في نشاط الشركة، واتخاذه كأحد المعايير التي يستعان بها من أجل الحكم على قوة الأداء، وتحقيق الإيرادات والتوزيع المنتظم للأرباح.
وعلى سبيل المثال، قد يعاني سهم الشركة من الهبوط نتيجة اعتمادها على فكرة وحيدة من دون أي مراعاة لمبدأ تنوع الاستثمارات، وحصر جميع أنشطتها في قطاع واحد. وهنا يكون في حكم المؤكد إحجام المستثمرين عن ضخ أموال طائلة في فكرة واحدة في مجال استثماري واحد. وفي ظل هذا السيناريو، يمكن أن يتعرض السهم للانهيار، مع احتمال مواجهته خطر إعادة التقييم والخفض.
أسس جوهرية
إن النماذج السابقة تعطينا صورة واضحة على الممارسات التي ينبغي أن تكون منسجمة مع الأسس الجوهرية والأصول التي ينبغي مراعاتها عند الاستثمار في عالم المال والأعمال، حيث يزخر سوق دبي بالكثير من الأمثلة التي تحرص على اتباع تلك الأصول والنظريات الحديثة.
ونذكر منها دبي للاستثمار التي تعد من أقوى الشركات التي حافظت على حجم أصولها وتنوعها، عن طريق دخولها إلى عدد كبير من القطاعات داخل الدولة وخارجها، كالصحة والتعليم والصناعة والتطوير العقاري والتمويل، بل أعلنت عن استحواذات جديدة متنوعة، ومنها الاستحواذ على شركة «ايميكول»، كما حرصت المجموعة من خلال إدارتها العليا على إرساء وترسيخ مبدأ التنوع الاستثماري، بإطلاقها «بنك الأركان»، ومجاراة الاقتصادات وأسواق المال العالمية، بإدراج الشركة في سوق «ناسداك دبي للعقود المستقبلية»، كأداة لتأمين السهم والحفاظ على قيمته في حالات هبوط السوق.
خيار مثالي
إن المكانة التي تستحوذ عليها دبي للاستثمار بجدارة، جعلت من سهمها خياراً مثالياً لأعداد متزايدة من المستثمرين على اختلاف أهدافهم، بفضل السيولة العالية للسهم، كما أن كل هذه المقومات تجعل من انحراف أداء السهم بالسلب عن الأداء القوي للشركة، لا يمكن تفسيره سوى من خلال العامل الزمني الذي يستغرقه السهم، ليستجيب لتطورات أداء الشركة، والحصول على التسعير العادل لهذه المشاريع والتوسعات الجيدة.
ويعد بنك دبي الإسلامي نموذجاً آخر على مصداقية وفاعلية أي شركة ووجوب مطابقتها لمعايير السوق في أسس إنشائها ومعاملاتها، حتى تلاقي نجاحًا وقبولاً لدى المستثمرين.
قوة ملحوظة
ويتمتع سهم البنك بقوة ملحوظة في السوق، ولم يتأثر كثيراً بموجات الهبوط، بل خالف كل التوقعات، وحقق أداءً قوياً جداً، وإقبالاً على الشراء والاستثمار فيه، رغم عملية الاكتتاب، وقيام البنك بزيادة رأس المال منتصف هذا العام، علمًا أن ذلك يؤثر عادة بالسلب على السهم، غير أن مطابقته للأحكام والمعايير حال دون قيام حامليه بالتفريط فيه، أضف إلى ذلك أن قرار زيادة رأس المال كان نتيجة متطلبات توسعية تعد جزءاً من أجندته الاستراتيجية، من أجل خلق قدرة استباقية لدعم خطط نموه.
تنوع استثماري
وعند الحديث عن مبدأ التنوع الاستثماري لتوزيع المخاطر، تبرز مجموعة «جي إف اتش» المالية التي أظهرت حرصًا على مبدأ تنوع مصادر الدخل، فهي تعمل في المشاريع والشركات والصناديق الاستثمارية، خصوصاً في مجالات العقار والبنية التحتية والخدمات المالية. ونتيجة هذا التنوع، قامت الشركة بتوزيعات قوية للعامين 2016 و2017، ومن المتوقع مواصلة سلسلة التوزيعات في العام 2018.
وفي الجانب المتعلق بمراعاة الحداثة والتوسع الإقليمي في المنطقة، ومجاراة التطور في قطاع النقل، توجد «أرامكس» الشركة المساهمة العامة المسجلة في إمارة دبي، لتقدم لنا نموذجاً على ذلك. وتنشط الشركة في حيازة وامتلاك حقوق مسيطرة في شركات في الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم، كما قامت بإطلاق منصة «أرامكس فليت» لخدمات التوصيل التشاركي في السعودية، وتعتزم أيضاً تفعيل المنصة في عشر أسواق أخرى على الأقل خلال الاثني عشر شهراً القادمة.
روح دبي
يمكن توسيع نطاق وأثر هذه الممارسات الاستثمارية السليمة والمتطورة على سوق دبي المالي، حيث تعكس دبي للاستثمار ودبي الإسلامي والكثير من الأمثلة الأخرى روح دبي كوجهة استثمارية قوية يقصدها الكثيرون من المستثمرين ورجال الأعمال، وأن ما تشهده أسهمها ما هو إلا موجة عابرة، وأنها ستستعيد حتماً قوتها وزخمها القوي قريباً، مستفيدة من قوة اقتصاد دبي، كأقوى منطقة اقتصادية في المنطقة، وكعاصمة للاقتصاد الإسلامي.
