خلال انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، وصف الرئيس الصيني شي جينبينغ بلاده بأنها بطلة التجارة الحرة والعولمة، وفي أثناء انعقاد مؤتمر دولي في مايو ببكين، وضع رؤية الصين الكبرى لتعزيز التكامل الدولي من خلال ربط آسيا وأوروبا وغيرهما في شبكة من الطرق وسكك الحديد والممرات البحرية.

وقد سخر المشككون من فكرة أن الصين التي قاومت التخلي عن العديد من الحواجز التي تقيد تدفق السلع والرساميل بحرية عبر حدودها، تحولت فجأة مع العولمة، لكن مثل هذا الانتقاد لا يرى الصورة الأوسع.

تقوم الصين بصنع شكل جديد من النزعة المتعددة الأطراف، واحدة تحدد قواعد اللعبة. هذه الاستراتيجية سوف تعزز نفوذها الاقتصادي والسياسي في طريقة أكثر فعالية بكثير من النهج الأحادي المبنية على القوة الاقتصادية الغاشمة، تكتيك أوجد نتائج مختلطة بالنسبة للصين حتى الآن.

ومع انسحاب الولايات المتحدة في الظاهر من هذه التعددية، توظف الصين بدرجة كبيرة نهجاً كان قيد الصنع لسنوات عدة، ويؤتى ثماره الآن. ويعتمد هذا الشكل من التعددية على مبادئ من المعامات المختلفة تماماً عن نوع النظام الدولي الذي كانت تدفع به الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصاديات الغربية، واحد مبين على الثقة والتعاون المتبادل، ومع تجنب قيم مثل الديمقراطية وحقوق وغيرها.

استراتيجية بكين بشقين رئيسيين. الأول تغيير قواعد اللعبة من الداخل، من خلال توسيع النفوذ الصيني في المؤسسات الدولية القائمة. وقد انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001 والتزمت بفتح أسواقها في مقابل نفاذ أفضل لصادراتها إلى أسواق العالم.

وقد استفادت الصين وعززت صادراتها، لكن انفتاحها، لم يتحقق. ولا يزال المصدرون والمستثمرون الأجانب يواجهون العديد من الحواجز في الصين، حيث يجب على الشركات في معظم الأحيان الشراكة مع شركاء محليين من أجل بيع سلعها. ولا يزال الاستثمار الأجنبي مقيداً في قطاعات معينة، بما في ذلك الخدمات المالية مثل التأمين. وفي غضون ذلك، أصبحت الصين أكبر ثاني اقتصاد في العالم، مما سمح لها بالتأثير داخل منظمة التجارة العالمية.

ومع صعود نفوذها الاقتصادي، كانت الصين قادرة أيضاً على رفع حصتها من الأصوات في المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث لا تزال للولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات الغربية المتقدمة الهيمنة. وكانت الصين خفية في نهجها بإيجاد تحالفات مع بلدان الأسواق الناشئة الأخرى، مثل الهند وروسيا، للدفع بأولوياتها.

الشق الثاني لاستراتيجية الصين يتمثل بإقامة مؤسساتها الدولية الخاصة بها، مع وضع طلاء متعدد الأطراف على المشاريع، إذ إن بكين تتحكم بالخيوط، كذلك هي من تصنع قواعد اللعبة.

وتسمح مبادراتها، مثل «حزام واحد وطريق واحد»، والمصرف الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، بإخفاء نفوذها وراء واجهة من مجموعة دول، جميعها بأدوار مهمة ظاهرياً في إدارة تلك المؤسسات، بدلاً من أن تكون في موقع تابع لأوامر الصين.

قد سمحت الطبيعة المتعددة الأطراف المعلنة لمبادرتها بجذب بلدان أخرى. وسوف يصبح من الصعوبة على الدول التي لا تقاسم الصين قيمها البقاء على الحياد. وتقول العديد من الدول التي انضمت إلى الصين إنها مجبرة على القيام بذلك للتأثير في تلك المؤسسات الجديدة من الداخل. هذا كان التبرير عند بريطانيا وألمانيا وفرنسا مما ترك الولايات المتحدة في حالة من الغضب.

وكانت الصين فعالة أيضاً في جذب منافسين جيوسياسيين محتملين إلى فلكها الاقتصادي، مثل الهند وروسيا، كما اثنين من اقتصاديات السوق الناشئة الرئيسية، البرازيل وجنوب أفريقيا.

ورداً على المخاوف من أن تؤدي المؤسسات التي تقيمها إلى معايير متدنية في الحكم والشفافية والكفاءة، أعلنت بكين أنها سوف تتمسك بالمعايير الموضوعة من قبل المؤسسات التي يقودها الغرب بل ستعمل على تحسينها.

بالنظر إلى بنية إدارة صندوق النقد والبنك الدولي، فإن حصة الولايات المتحدة من الأصوات بحوالي 16% يجعلها تتمتع مبدئياً بحق النقض، مما يمنحها نفوذاً كبيراً على القرارات، مثل أي من المشاريع والدول والمؤسسات سيجري تمويلها، كما الشروط المرتبطة بالتمويل.  وقد أدى تراجع القوة الاقتصادية للغرب لتآكل شرعية مثل تلك المؤسسات.

وعلى النقيض من ذلك، تحظى بكين في البنك الآسيوي للبنية التحتية، بـ 28% من الأصوات ولا تتمتع بحق الفيتو. وعلى عكس صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فإن الموافقة على القرارات السياسية في المصرف تتطلب فقط دعم الأغلبية. من الصعب تصور ذلك المصرف يتخذ أي قرار ضد رغبات الصين. لكن على الورق، فإن هذه البنية تتفوق على أخرى حيث الدولة المهيمنة لديها حق النقض المطلق.

من أجل إقراضها عبر المصرف الآسيوي للبنية التحتية، أشارت الصين إلى أنها ستختار المشاريع التي تلبي المعايير الأعلى فقط فيما يتعلق بحوكمة الشركات، والتأثير البيئي والنزاهة التجارية، وعلى عكس التمويل من الولايات المتحدة أو المؤسسات المالية ومؤسسات المساعدة التي يهيمن عليها الغرب، فإن المشاريع التي تقودها الصين نادراً ما تأتي مع شروط مرفقة. بنهجها، تتجنب الصين القضايا السياسية الحساسة التي يمكن أن تزعج المقرض، ولا تطرح قضايا الفساد وحرية التعبير وحقوق الإنسان.

في ديسمبر 2015، حضر الرئيس الصين جينبينغ اجتماع القادة الأفريقيين حاملاً معه 60 مليار دولار تقريباً من القروض وشطب القروض وأشكال أخرى من التمويل. ثم نطق بكلمات أراحت القادة الأفارقة فقال «الصين تدعم تسوية القضايا الأفريقية من قبل الأفريقيين بالطريقة الأفريقية».