في مسرحية «في انتظار غودو» للكاتب الإيرلندي صامويل بيكيت، يشير استراغون إلى صديقه: «دعنا نذهب». فيجيبه صديقه فلاديمير: «لا نستطيع»، فيسأله استراغون: «لماذا؟» فيجيب: «في انتظار غودو» أو «الانتخابات الألمانية».
وتمثل الانتخابات الألمانية «غودو» عام 2017، أو الفرج الذي ينتظره الجميع، ولن يأتي أبداً. وليس هناك من نقاش سياسي في أوروبا هذا العام لم ينته بنوع من إشارة مثيرة للأوهام إلى انتخابات 24 سبتمبر. فما إن تنتهي الانتخابات، حتى يصبح كل شيء أسهل بكثير.
الحقيقة هو أن الوضع الآن يعد أفضل ما يمكن أن يكون عليه. فأكبر حزبين في ألمانيا هما في الحكومة، كلاهما مؤيد لأوروبا، ويمتلكان معاً نسبة 80% من المقاعد في البوندستاغ، ويحظيان بغالبية المقاعد بما يكفي لتغيير الدستور. لكن بغض النظر عن استطلاعات الرأي، فإن نصيبهما المشترك من الأصوات على وشك أن يتراجع بشكل دراماتيكي.
ومن النتائج المحتملة أن يعود الائتلاف الحالي الكبير بين الديمقراطيين المسيحيين والاشتراكيين الديمقراطيين إلى السلطة، بغالبية مُخفضة.
وبدلاً من ذلك، قد تشكل المجموعة البرلمانية المؤلفة من الاتحاد الديمقراطي المسيحي بقيادة انغيلا ميركل، والاتحاد الاجتماعي المسيحي بقيادة هورست سيهوفر، ائتلافاً مع الديمقراطيين الليبراليين الأحرار، أو مع الحزبين، الحزب الديمقراطي الحر وحزب الخضر.
ويريد الحزب الديمقراطي الحر تقليص قدرة آلية الاستقرار الأوروبي على الإقراض، وهي مظلة الإنقاذ في منطقة اليورو، على أن يجري التخلص منها تدريجياً على المدى الطويل، كما يريد خروج اليونان من منطقة اليورو. فأي منهما هو أسهل؟
وفي الحقيقة، لن يتغير الشيء الكثير في الانتخابات الألمانية. فاليونان لم تحصل على تخفيف عبء ديونها لأن النظام السياسي الألماني ككل يرفض التحويلات من أي نوع، كما أن التفسير القانوني الألماني لقوانين الاتحاد الأوروبي تفيد بأن تخفيف عبء الديون غير قانوني. ولا توجد نتيجة للانتخابات يمكن تصورها تستطيع التخفيف من جسامة الموقف الحالي، إنما نتيجة أو نتيجتان يمكنها تصليبه.
وينطبق الأمر نفسه على إصلاحات منطقة اليورو. عندما انتُخب إيمانويل ماكرون رئيساً لفرنسا في مايو، وعد بمواصلة أجندته الخاصة بمنطقة اليورو، بعد الانتخابات الألمانية. ويمكن رؤية لماذا يريد التركيز على السياسة المحلية أولاً، مثل إصلاحات العمل أخيراً، لكن التصويت الألماني هو مجدداً غير ذي صلة تماماً.
لم تكن المشكلة يوماً عدم اهتمام ألمانيا بالإصلاحات، إنما بنوع الإصلاحات التي تريدها: أهداف مالية أكثر صرامة، تطبيق أكثر تشدداً، إعفاءات أقل حجماً، وعقوبات على عدم الامتثال، وتدخل خارجي في سياسات الدول التي لا تتبع الأهداف. تريد برلين تعزيز قواعد الاتحاد الأوروبي الخاصة بمنع تنفيذ خطط الإنقاذ عبر آلية لإعادة هيكلة الديون السيادية.
وهذا من شأنه أن يترك عبء التكيف على حاملي السندات السيادية، فيما الكثيرون منهم من المصارف المحلية وشركات التأمين في الدول الأعضاء في منطقة اليورو.
وأعربت ميركل عن دعمها لمنصب وزير مالية الأوروبي، وتعني بذلك رئيساً متفرغاً بالكامل لمجموعة اليورو من وزراء مالية المنطقة، بدلاً من الوزير بدوام جزئي الموجود حالياً. ليست صفقة كبيرة كما تبدو عليه.
أما ماكرون فلم يذكر بعد ما يريده بالفعل. وقد تراجع مستشاروه عن دعمهم المسبق لأداة مشتركة لديون منطقة اليورو، وهذه هي القضية الحاسمة، ليس لأن منطقة اليورو يجب أن تتحمل المزيد من الديون، بل لأن اتحاداً نقدياً قوياً سوف يتطلب على المدى الطويل أصولاً آمنة مشتركة من أجل أن تعمل.
وتشكل سندات الحكومة الألمانية بديلاً غير كاف. فهي ليست أداة مشتركة كما أنها غير متوفرة بشكل دائم. بعد عمليات شراء السندات من جانب المصرف المركزي الأوروبي، لم يتبق منها الكثير. وسيتقلص مخزونها أكثر مع استمرار ألمانيا في فوائضها المالية المستمرة.
إذا ألغيت أداة الديون المشتركة من النقاش، فما يتبقى هو ممارسة في العلاقات العامة تخفي غياب اتحاد اقتصادي حقيقي. وليس هناك ما يدعو للاستغراب إذا حولت فرنسا وألمانيا بعضاً من الإنفاق المحلي لديهما إلى صندوق استثمار مشترك، وأطلقا عليه ميزانية منطقة اليورو.
مجموعة اليورو ورئيسيها المحدث سيكونان المشرفين. وستتحول «آلية الاستقرار الأوروبية» غير المنتخبة إلى صندوق نقدي يفرض شروطاً على أي مساعدات مالية. ولن ترد هذه الآلية على البرلمان الأوروبي لأنها مؤسسة بين الحكومات خارج نطاق معاهدات الاتحاد الأوروبي.
ويريد وزير المالية الألماني وولفغانغ شوبليه حتى من «آلية الاستقرار الأوروبية» أن تصرف على جهود الإغاثة، لكن حذار من وزير مالية ألماني يحمل بيديه الهدايا، إذ ستصبح «آلية الاستقرار الأوروبية» سلطة مالية بحكم الأمر الواقع لكل دولة تحصل على الأموال.
ربما بإمكان ماكرون تدوير بعض الزوايا في هذا الشأن. أما الهدف الأساسي لأجندته الخاصة بمنطقة اليورو فليس إصلاح الاتحاد النقدي الذي يعمل دون المستوى الأمثل، بل تعزيز الشراكة الفرنسية الألمانية. وسيكون وجود الاتفاق أكثر أهمية من مضمونه. سوف يحصل ماكرون على صفقته، لكن مع أجندة ألمانية، أو كما يقول استراغون في مسرحية «بيكيت»: «لا شيء يحدث، ليس هناك من يأتي أو يذهب».
كاتب ألماني في صحيفة «فايننشال تايمز»
