لن تستطيع اليونان الذهاب بعيداً عن مستنقعها المالي الحالي الغائصة فيه دون التحكم بالكيفية التي تتجاوز فيها هذه الأزمة الاقتصادية. وقد وفرت البلاد مثالاً واقعياً على النظام الاقتصادي المعتل.
ويتسم القطاع العام فيها بسوء السمعة نتيجة ممارسات الشركات اليونانية تجاه الزبائن بهدف كسب الأصوات والمحسوبية لكي تحظى بالأفضلية لديهم، لكن البعض يرى أن فرنسا وإيطاليا ليستا بحال أفضل. وتشير بعض الأدلة على سبيل المثال إلى أن حجم معاشات موظفي الحكومة اليونانية مقارنة بالإنتاجية، يضاهي ضعف حجمها في إسبانيا.
وتحابي الحكومة اليونانية مجتمع النخب في مجال الأعمال من خلال تقديم حالات إعفاء من الضرائب. كما أن موظفي الحكومة أنفسهم يحصلون على علاوات مقابل انضباطهم بالدوام.
عراقيل
ولا يعرف كثيرون أن القطاع الخاص في اليونان زاخر بالشركات التي لا تتنافس مع بعضها بعضا، وهي في الوقت نفسه تعوق أو تعرقل دخول شركات جديدة تحمل أفكاراً جديدة. ويمكن التدليل على ندرة المنافسة بين الشركات. كما يبدو اقتصاد اليونان كأكثر اقتصادات أوروبا في محاباة المصالح الخاصة للشركات.
ويبدو الاقتصاد اليوناني خالياً من الديناميكية ويحتاج إلى الابتكار المحلي. لهذا السبب تعاني اليونان من بطالة مرتفعة وتفتقر لبعض القدرات اللازمة للحصول على نمو معزز للإنتاج. ومع الضعف الشديد للمنافسة، لا يسارع المقاولون لتشغيل الناس وانتشالهم من مستنقعات البطالة المتنامية. وليس غريباً أن حركة عملية التوظيف في اليونان كانت بطيئة نسبياً بدءاً من أواخر عام 2013 وحتى مطلع 2015، بعد بريطانيا وإيرلندا وإسبانيا.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يمكن عمله إزاء ذلك؟ يعتقد بعض خبراء الاقتصاد أن عمل اليونان في الاتجاهين الادخاري وكذا الأخلاقي يمكن أن يساهم في مد حبل النجاة إليها وينقذها من أزمتها الاقتصادية. غير أن الفضائل الكلاسيكية لا يمكنها عمل شيء للتعويض عن ندرة الابتكار التي نكب بها اقتصاد اليونان.
مغالطة
من جانبهم يرى اقتصاديون آخرون أن الأدوات الكينزية بمفردها- أي خفض قيمة العملة وغيرها من المحفزات التي يمكن المطالبة بها- يمكن أن تقود إلى الانتعاش، غير أن الاعتقاد الكينزي بأن الطلب يشكل دائما جذر البطالة وتباطؤ النمو يعتبر مغالطة كبيرة. (الركود الهيكلي الطويل لليونان، والذي توقف لفترة وجيزة نتيجة للصناديق الائتمانية في بروكسل هو دليل مناقض لذلك).
ومن المعتقد أنه حتى لو أن أي اقتصاد تعرض للانكماش بسبب ممارسة الشركات، فإن الأدوات الكينزية يمكن أن تعيده إلى شكله الأصلي مجدداً. وكما يظهر التاريخ، بما فيه تاريخ اليونان، فإن اللجوء إلى الحوافز المالية لا يعتبر فعالا في أفضل الأحوال، ويمكن أن يضيف المزيد من الصعوبات. وبالتالي لا يمكن لأي مبلغ من القروض الهادف لهيكلة الاقتصاد، حتى مع الإعفاء من الدين، أن يساعد اليونان على أن تحقق ازدهاراً حقيقياً. وما تحتاجه الحكومة اليونانية ليس إغاثة قصيرة الأمد، ولكن علاجاً طويل الأمد.
مساعدة
ويمكن أن يساعد دائنو منطقة اليورو اليونان من خلال حضها على التخلص من ممارستها المعتمدة على المصالح الخاصة للشركات في القطاعين العام والخاص. والسؤال المطروح هو ما إذا كانت الدول الدائنة بحد ذاتها وليس الشركات يمكن أن تكون مستعدة للتخلص من المصالح الخاصة في اليونان على الرغم من أنها قد تكون مقبولة لدى هذه الدول.
