أكد مسؤولون مصرفيون بارزون وخبراء اقتصاديون أن النجاح اللافت الذي سجلته الإمارات بأكبر عمليتين للاندماج المصرفي على المستوى الإقليمي خلال العقد الحالي بإطلاق اثنين من أكبر الكيانات المصرفية بالعالم «الإمارات دبي الوطني» ثم «بنك أبوظبي الأول» سيفتح آفاقاً واسعة لاندماجات عديدة خلال المرحلة المقبلة بالاستفادة من النموذج المتطور الذي تم تطبيقه لتكوين العملاقين المصرفيين بدولة الإمارات.
وتوقع المسؤولون والخبراء أن يشهد عام 2018 سلسلة من عمليات الاندماج والاستحواذ بالدولة وأن يكون التركيز خلال المرحلة المقبلة على اندماجات بين كيانات استثمارية متوسطة الحجم مشيرين إلى أنه من الواضح وجود توجه حكومي لتشجيع التوجه نحو الكيانات العملاقة في كافة القطاعات الاقتصادية وخصوصاً بالقطاع المصرفي مشيرين إلى أن تواصل عمليات الاندماج المؤسسي يتواكب مع استراتيجية «الإمارات ما بعد النفط» وأهداف «مئوية الإمارات 2071» بالإضافة إلى «رؤية الإمارات 2021» ضمن المبادرات التي من شأنها تنويع الاقتصاد الوطني وتحقيق توازن بين قطاعاته وبما يضمن حسن وكفاءة إدارة الموارد للأجيال القادمة بتطوير كفاءة وإنتاجية القطاعات الاقتصادية الحالية والتمهيد لإضافة قطاعات جديدة لتحقيق نقلة نوعية في الاقتصاد الوطني وتعزيز نموه المستدام.
وأشاروا إلى أن نجاح تجارب الإمارات في مجال الاستحواذ والاندماج بين الكيانات الكبيرة سيشجع الكيانات الصغيرة كذلك على خوض غمار هذه التجربة للاستفادة من إيجابياتها العديدة التي أصبحت واضحة للجميع مؤكدين أن دولة الإمارات تعد حالياً السوق الأكثر جذباً لصفقات الاندماج أو الاستحواذ بقطاعات البنوك والطاقة والتكنولوجيا وشركات تطوير البرمجيات مما يعطي مؤشراً لزيادة نشاط صفقات الاندماج والاستحواذ مستقبلاً.
توليفة متجانسة
وأكد صالح عمر عبدالله مدير معهد الإمارات للدراسات المصرفية والمالية في أبوظبي أن أهمية هذه الخطوة التي ما كانت لتتحقق لولا الرؤية الثاقبة للقيادة الرشيدة تكمن في السجل التاريخي الحافل للكيان المصرفي الجديد الذي يزخر بالنمو والتطور فمسيرة البنكين تعد تسجيلاً لجوانب مهمة في تاريخ دولة الإمارات مما يجعل حدث الاندماج علامة مهمة في تاريخ القطاع المصرفي الإماراتي الذي يحقق نجاحات مستمرة تجعله الأفضل بالمنطقة.
وقال إن الكيان المصرفي الناتج عن الاندماج سيعيد صياغة مفهوم العمل المصرفي بالمنطقة وسيعيد ترتيب وتنظيم أسس الاستثمار بالمنطقة من خلال هذه القوة المالية الكبيرة والخبرات الواسعة والشبكة العالمية التي تؤهله للعب دور رئيسي في دعم الطموح الاقتصادي لدولة الإمارات وترسيخ موقع الإمارات على الخارطة الاقتصادية العالمية.
عملية متكافئة
من جانبه توقع المستشار الاقتصادي محمد سعيد محمد الظاهري أن تشهد الفترة المتبقية من العام الحالي والعام المقبل عمليات اندماج واستحواذ جديدة في قطاعات متنوعة بالدولة مشيراً إلى أن اندماج بنك الخليج الأول وبنك أبوظبي الوطني يحقق منافع كبيرة لمساهمي وعملاء البنكين وخصوصاً أنهما من أنجح مصارف أبوظبي حيث احتل بنك الخليج الأول مكانة رائدة على صعيدي الخدمات المصرفية للأفراد ويوفر أقوى عروض بطاقات الائتمان كما يدير برنامج قروض الإسكان للمواطنين نيابة عن حكومة أبوظبي في حين تمتع بنك أبوظبي الوطني بمكانة رائدة محلياً وإقليمياً في مجال الخدمات المصرفية للمؤسسات والشركات والخدمات الاستشارية لأسواق المال.
وأكد أن أهم ما يميز اندماج بنك الخليج الأول وبنك أبوظبي الوطني أنه عملية متكافئة ومتكاملة ساهمت في خلق قيمة مضافة جديدة للقطاع المصرفي عموماً وللكيان الجديد وكذلك للعملاء وللقطاع المصرفي حيث يتمتع البنك الجديد بكافة الإمكانات التي تؤهله للعب دور رئيسي في دعم الاقتصاد الإماراتي وتمويل خطط التنمية بما سيساهم في نجاح خطط الدولة في تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل.
فرصة فريدة
وقال أمجد نصر الخبير بالصيرفة الإسلامية إن عمليات الاندماج في القطاع المصرفي لها فوائد على جميع الأطراف حيث تستفيد البنوك التي تقرر الاندماج من نقل وتبادل الخبرات والأنظمة المتطورة والانتشار الجغرافي وتطور المنتجات وتطبيق أفضل الممارسات بما يسهم في رفع التصنيفات الائتمانية للبنوك مع زيادة التوسع الخارجي مشيراً إلى أن الاندماج خيار استراتيجي نحو التكتل والتحالف لخلق كيانات جديدة وعملاقة ذات تقدم تقني ورأسمالي وتكنولوجي يمكنه استغلال حدة المنافسة العالمية لصالحه ويكون له القدرة على تحقيق الأهداف.
استمرار عمليات الاندماج
وأكد المستشار والمحلل الاقتصادي الدكتور حماد عبدالله بن حماد أن استمرار عمليات الاندماج المصرفي العملاقة في دولة الإمارات يعد أمراً متوقعاً ومن المتوقع زيادة وتيرته في الفترة المقبلة في ظل زيادة عدد البنوك العاملة في الدولة وفي ظل المنافسة في سوق وصل لمرحلة التشبع المصرفي حيث سيؤدي وجود كيانات مصرفية كبيرة إلى زيادة تركيز البنوك على خدمة العملاء من خلال تقديم خدمات ومنتجات مصرفية متميزة.
وأضاف أن البنك الجديد يعد أكبر مؤسسة مصرفية إقليمياً وأحد أهم الكيانات المصرفية عالمياً وسيتمكن من تعزيز موقعه الاستراتيجي بشكل قوي في مختلف قطاعات العملاء والمنتجات ليكون الكيان في موضع أفضل بكثير يمكنه من اغتنام الفرص السانحة.
تعزيز الربحية
من جانبها قالت ديما جردانة الرئيس الجديد لقسم البحوث الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا إن اندماج بنكي أبوظبي الوطني والخليج الأول يأتي في التوقيت المناسب الذي تبحث البنوك الكبيرة فيه عن تعزيز هوامشها الربحية، مؤكدة أن أداء بنك أبوظبي الأول سيكون له انعكاسات إيجابية على القطاع المصرفي الإماراتي هذا العام الذي توقعت أن يحقق نمواً بنسبة 5-6%. وأضافت: «نعتقد أن الاندماج سيعزّز إدارة النفقات في البنك، ويزيد من إنتاجيته ويفسح المجال لابتكار منتجات جديدة تكون لها قدرة تنافسية في السوق، ولا نستبعد حدوث اندماجات مماثلة أو عمليات استحواذ على أنشطة مصرفية خلال العام الحالي».
مجابهة التحديات
وقال الخبير المالي وضاح طه رئيس الاستثمارات في مجموعة الزرعوني، إن الاندماج هو أفضل وسيلة لمجابهة التحديات المستقبلية التي قد تواجه القطاع المصرفي وخصوصاً مع المتغيرات الكثيرة والمستمرة التي يعيشها الاقتصاد العالمي في هذه الآونة. وأضاف: «القطاع المصرفي هو قلب الاقتصاد الكلي، واندماج المصارف يعطي القطاع قوة ومتانة لمواجهة المتغيرات الاقتصادية وقدرة أكبر على تلبية الضوابط العالمية مثل اتفاقية بازل التي تطبق في 2019، ويجعل القطاع أكثر كفاءة ويقلل من تكاليف التشغيل. كما أن اندماج بنكي أبوظبي الوطني والخليج الأول ينسجم مع المحور المالي لخطة أبوظبي 2030، ويأتي في صلب هذه الرؤية، من حيث قدرته على دعم باقي القطاعات».
وحول جدوى الاندماج بالنسبة للبنوك الأصغر حجماً في القطاع أضاف طه: البنوك الصغيرة قد تعاني من ارتفاع تكاليف الاستجابة لمتطلبات التوافق مع الضوابط الدولية، وقد لا تستطيع برؤوس أموالها الصغيرة نسبياً المنافسة بشكل كبيرة أو الدخول في عمليات تمويل المشاريع الكبرى، ولذا فإن موضوع الاندماج ملائم أكثر للكيانات الكبيرة.
كفاءة وفعالية
وقال أكبر ناكفي المدير التنفيذي ورئيس قسم إدارة الأصول في شركة الماسة كابيتال إن أي نوع من أنشطة الدمج والاستحواذ في القطاع المصرفي في دولة الإمارات هو تطور مرحب به وضروري من أجل تقديم خدمات مصرفية أكثر كفاءة وفعالية من حيث التكلفة.
ستاندرد أند بورز
وقال سوها أورجان، مدير تصنيفات المؤسسات المالية في وكالة ستاندرد أند بورز للتصنيف الائتماني إن الاندماج في القطاع المصرفي أمر منطقي في هذه الآونة في الإمارات بسبب الطبيعة المجزأة للقطاع في ظل وجود عدد كبير من البنوك وعدد صغير نسبياً من السكان. وفي حين أن بيئة التشغيل الصعبة ستكون عاملاً داعماً للاندماج، ويمكن أن يشجع المساهمين على النظر في الفرص المتاحة بشكل أوثق، إلا أننا لا نتوقع حدوث عدد كبير من عمليات الاندماج على المدى القريب. ونرى أن اندماج بنكي أبوظبي الوطني والخليج الأول كاستثناء وليس القاعدة الجديدة.
سي آي كابيتال
أعلنت مؤسسة سي آي كابيتال المالية العالمية أمس تثبيت تصنيف بنك الخليج الأول، وفي نفس الوقت سحبت تصنيفاته، على أساس إتمام عملية الاندماج بين البنك وبنك أبوظبي الوطني في الأول من الشهر الجاري.
وكان تصنيف بنك الخليج الأول، سابقاً، من جانب سي أي كابيتال على الفئة ايه +، في ظل قوة رأس مال البنك، وارتفاع مستوى جودة أصوله، وارتفاع معدلات تحقيق الأرباح، فضلاً عن قيمة علامته التجارية بين عملائه.
يذكر أنه تم الاندماج بين بنك أبوظبي الوطني وبنك الخليج الأول اعتباراً من أول أبريل الجاري، ليتكون بنك أبوظبي الأول الجديد، ونتج عن عملية الاندماج أكبر بنك في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وأحد أكبر البنوك في العالم، بإجمالي أصول يبلغ نحو 655 مليار درهم أو 178 مليار دولار أميركي.







