استبعد خبراء ماليون واقتصاديون تأثر القطاع المصرفي الإماراتي سلباً بالقرار المحتمل من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي برفع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، خلال الأيام المقبلة، مؤكدين أنه من المبكر جداً الحديث عن تخطي معدلات الفائدة لحاجز الارتفاع المؤثر سلباً، مشيرين إلى أن أسعار الفائدة على الدولار ما زالت عند مستويات منخفضة.
وتوقعوا حدوث تأثيرات إيجابية على بعض قطاعات الاقتصاد الوطني، ومنها القطاع المصرفي خصوصاً أنه من شأن تلك الزيادة المنتظرة أن تكبح ارتفاع معدلات التضخم التي شهدت ارتفاعات متصلة لسنوات عدة نتيجة الانخفاض المطرد لأسعار الفائدة، خاصة أن البنوك الإماراتية تتمتع بإدارة عالية للمخاطر، ولديها سيولة جيدة.
وأكدوا أن المخاوف من حدوث تأثيرات سلبية برفع أسعار الفائدة لا محل لها، وتتسم بكثير من المبالغة نظراً للتدني الكبير في أسعار الفائدة منذ سنوات عدة.
الحد من الإقراض
وقال صالح عمر عبد الله مدير معهد الإمارات للدراسات المصرفية والمالية، إن قرار الاحتياطي الفيدرالي في ديسمبر برفع معدل الفائدة لأول مرة منذ عام 2006 شكل تحولاً مهماً بالاقتصاد العالمي، حيث حد من سياسة تسهيل الاقتراض، التي كانت متبعة لدعم النمو الاقتصادي بالعديد من دول العالم بعد الأزمة المالية في عام 2008،
وأعرب عن اعتقاده بأن مستويات الفائدة ما زالت منخفضة بشكل عام، حيث جاء الرفع الأخير لمعدلات الفائدة الرئيسة، بعد أن ظلت قريبة من الصفر على مدى أكثر من 7 سنوات، وكانت بحدود 0.25% ورفعت في ديسمبر الماضي إلى 0.5% مشيراً إلى أنه رغم أن قرار رفع الفائدة قد يؤثر بشكل محدود على أسواق الأسهم نتيجة سحب جزء من السيولة من أسواق المال في ظل عائد أفضل على النقد يمكن الحصول عليه في أي وقت، ونسبة مخاطرة تكاد تكون معدومة إلا أنه يجب عدم المبالغة في تقييم آثار زيادة معدلات الفائدة، لأن هذه الزيادة تتم على أسعار فائدة منخفضة للغاية منذ سنوات.
وأوضح أن ارتفاع أسعار الفائدة يؤكد التوسع القوي في الاستهلاك المحلي وانتعاش سوق العمل إلا أن البعض يرى أن زيادة أسعار الفائدة يؤدي إلى زيادة تكلفة الاقتراض للاستثمار، ويجعل الادخار أكثر جاذبية بالمقارنة مع الاستهلاك، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى إضعاف الطلب المحلي ويؤدي إلى زيادة قيمة الدولار وبالتالي الدرهم المرتبط به، ما قد يضر بالصادرات معرباً عن اعتقاده بأن هذه الآراء قد تكون منطقية إذا تكررت زيادة معدلات الفائدة لعدة مرات متتالية أما الزيادة لمرة أو مرتين من المستويات الحالية فلا تدعو للقلق.
أسس قوية
وأكد ثقته الكبيرة بالأسس القوية للاقتصاد الإماراتي والخليجي عموماً، موضحاً أن قرار أسعار الفائدة على عملات معظم دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية عقب رفع الفائدة على الدولار يتم حتى لا يتجه المستثمرون لبيع أصولهم في المنطقة، وتوظيف عائداتها في الاستثمارات المقومة بالدولار ذات العوائد المرتفعة، كما أن عدم رفع أسعار الفائدة يضع مزيداً من الضغوط على العملات الخليجية.
وقال إن دول مجلس التعاون بشكل عام تتمتع بوضع مالي واحتياطات نقدية كبيرة أفضل من غيرها من الدول، كما أن الدين العام لا يمثل نسباً كبيرة من الناتج المحلي موضحاً أن مبادرات البنوك المركزية الخليجية برفع الفائدة تعطي تفاؤلاً وثقة للمتداولين وخاصة الأجانب.
إدارة المخاطر
أما المستشار الاقتصادي محمد سعيد محمد الظاهري فقال، إن البنوك الإماراتية تتمتع بإدارة عالية للمخاطر ولديها سيولة جيدة تمكنها من مواجهة أية تطورات، مشيراً إلى أن الدولار الأميركي في ظل الأوضاع الراهنة أصبح أكثر جاذبية، وأثر ارتفاع سعر صرف الدولار في ثبات سعر فائدة «الليبور» بالنسبة للدولار، بعدما كان في انخفاض مستمر.
وأعرب عن اعتقاده بأن عودة الاتجاه التصاعدي لأسعار الفائدة على الودائع من شأنه أن يقلل معدلات التضخم بشكل عام بصفة غير مباشرة، حيث تلجأ البنوك المركزية في معظم دول العالم إلى رفع سعر الفائدة لمكافحة ارتفاع معدلات التضخم.
وأكد أنه رغم رفع سعر الفائدة إلا أنها ما زالت تدور حول مستويات معقولة ولن تؤثر على عملية الإقراض الاستثماري لأنها ما زالت في حدود متدنية، مؤكدة أنها لن تؤثر سلباً على البنوك لأن الجزء الأكبر من الزيادة في تكلفة الحصول على الأموال التي تتحملها البنوك يتم تعويضه إلى حد كبير بالزيادة في سعر الإقراض، وإن كان هذا التعادل يستغرق بعض الوقت تتحمل فيه البنوك الفرق الناتج عن زيادة سعر الفائدة.
القروض الشخصية
وأضاف الظاهري أنه من الواضح أنه لا يوجد أي آثار سلبية لارتفاع أسعار الفائدة على معدلات الإقراض للأشخاص حيث تظهر إحصاءات مصرف الإمارات المركزي أن القروض الشخصية بشقيها التجاري والاستهلاكي شهدت على مدى العامين الماضيين والفترة المنقضية من العام الحالي ارتفاعات كبيرة وبمعدلات قياسية رغم الارتفاع النسبي في أسعار الفائدة محلياً، التي شملت ارتفاع الفائدة على قروض السيارات وقروض الإسكان والقروض العقارية بنسب متفاوتة من قطاع لقطاع، وكذلك بمعدلات متفاوتة من بنك لآخر من البنوك العاملة في الدولة.
وذكر أنه في معظم البلدان يؤدي رفع معدلات الفائدة إلى تباطؤ النمو الاقتصادي عبر تراجع الاستهلاك والاستثمار، لكن الأمر يختلف بالنسبة لمعظم دول مجلس التعاون فمثلاً عندما رفع «مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي» سعر الفائدة آخر مرة خلال 2004 كان سعر برميل النفط الواحد يعادل 35 دولاراً، أي قريباً جداً من مستوياته الحالية، ورغم ذلك لم يكن صناع السياسات المالية والمحللون في المنطقة لديهم قلق لرفع سعر الفائدة بل كانت مخاوفهم من أن يقضي انخفاض النشاط الاقتصادي عالمياً على تصاعد أسعار النفط.
وأوضح أنه خلال الفترة المشار إليها زاد الإقراض بشكل كبير في المنطقة رغم ارتفاع أسعار الفائدة، ما يؤكد أن معدلات الفائدة تلعب دوراً هامشياً بالمنطقة، حيث تعد ثقة المستثمرين والإنفاق الحكومي من الدوافع الرئيسة لتنشيط منح الائتمان بالمنطقة، كما تشكل الودائع الحكومية في البنوك والمشروعات الاستثمارية الدوافع الرئيسة لإقراض الشركات.
تحولات الاستثمار
وفي ما يتعلق باحتمالات حدوث تأثيرات كبيرة على القطاعات الاستثمارية المصرفية وغير المصرفية نتيجة الرفع المتوقع لسعر الفائدة وتحويل الاستثمارات في قطاعات أخرى إلى الودائع المصرفية الدولارية أعرب أمجد نصر الخبير بالصيرفة الإسلامية عن اعتقاده بأن هذا أمر غير متوقع على المديين القصير والمتوسط، نظراً لأن سعر الفائدة على الودائع المصرفية ما زال متدنياً بالمقارنة بأنه تجاوز في فترة من الفترات منذ سنوات عدة 6% قبل أن يعود ويتدهور بشكل متتال ووصل إلى أدنى مستوياته منذ نحو 40 سنة، ما جعل العديد من المستثمرين خصوصاً من الأفراد يتحولون من الودائع المصرفية إلى الاستثمار في قطاعات أخرى مثل القطاعات العقارية أو قطاعات الأسهم أو غيرها.
وذكر أنه في ظل ارتباط الدرهم بالدولار ونظراً لبيع النفط بالدولار فإنه عند رفع سعر الفائدة على الدولار يرتفع سعر الفائدة على الدرهم بشكل تلقائي، فهناك ارتباط قوي بين التحرك في أسعار الفائدة على الودائع وأداء أسواق الأسهم والعقارات وغيرها من القطاعات الاقتصادية فإذا كان العائد في البنوك أقل من العقارات وغيره تكون هذه القطاعات الأخرى غير المصرفية أكثر جاذبية استثمارية، إلا أن رفع سعر الفائدة بشكل كبير لا يفيد البنوك بدرجة كبيرة، لأن تكلفة الفوائد على الأموال تكون في هذه الحالة عالية على البنوك.
وقال أمجد نصر إنه على سبيل المثال تلجأ الجهات المختصة في الولايات المتحدة الأميركية إلى رفع سعر الفائدة على الودائع بالدولار حتى تقلل من معدلات الاقتراض من البنوك، لأنه عند انخفاض أسعار الفائدة فإن الشركات تقترض بمعدلات كبيرة وتزيد مشروعاتها واستثماراتها، وبالتالي تحدث زيادة في الطلب على الطاقة وغير ذلك من مستلزمات الإنتاج وتدريجياً تزداد معدلات التضخم.
وأضاف أنه من الواضح أنه لا يوجد أي آثار سلبية لارتفاع أسعار الفائدة الذي حدث في ديسمبر الماضي على معدلات الإقراض للأشخاص، حيث تظهر إحصاءات مصرف الإمارات المركزي أن القروض الشخصية بشقيها التجاري والاستهلاكي شهدت على مدى العامين الماضيين، والفترة المنقضية من العام الحالي ارتفاعات كبيرة وبمعدلات قياسية رغم الارتفاع النسبي في أسعار الفائدة محلياً، التي شملت ارتفاع الفائدة على قروض السيارات وقروض الإسكان والقروض العقارية بنسب متفاوتة من قطاع لقطاع، وكذلك بمعدلات متفاوتة من بنك لآخر من البنوك العاملة في الدولة.
تأثير طفيف
من جانبه توقع المحلل الاقتصادي حماد عبد الله بن حماد أن تكون نسبة الزيادة المتوقعة في سعر الفائدة الأميركية محدودة، ما يجعل تأثيرها طفيفاً على النشاط الإقراضي بالقطاع المصرفي المحلي عند اقتداء المصرف المركزي برفع مماثل لأسعار الفائدة على شهادات الإيداع، مشيراً إلى أنه من المنتظر أن تؤدي هذه الزيادة إلى تقوية قوة الدولار، ما سيفيد الاقتصاد الإماراتي بارتفاع قيمة الأصول الخارجية للشركات والهيئات والمقومة بالدولار مع ارتفاع الدرهم المرتبط بالدولار.
وأشار إلى أنه من النتائج المتوقعة لهذه الخطوة هدوء نسبي بنشاط أسواق الأسهم المحلية مع تعرض الذهب لموجة جديدة من التراجع، موضحاً أن دول مجلس التعاون عموماً لا تعتمد على الديون المقومة بالدولار.
وقال إنه من الملاحظ تحسن السيولة بالقطاع المصرفي، خلال الشهور الماضية رغم مرور ما يقرب من عام على رفع أسعار الفائدة على الدولار، وأيضاً على شهادات الإيداع التي يصدرها المصرف المركزي محلياً.
توقعات
توقع محمد سعيد محمد الظاهري أن تشهد الفترة المقبلة مزيداً من الارتفاع في مستويات أسعار الفائدة على الدولار، وبالتالي على الدرهم مشيراً إلى أن السلطات الأميركية المختصة تهدف للوصول بأسعار الفائدة قصيرة الأجل إلى نقطة تعادل، وهي المستوى الذي لا تعوق الفائدة عنده النمو ولا تثير التضخم للحفاظ على النمو الاقتصادي ورغم أنه من غير الواضح أين تقع تحديداً هذه النقطة، لكن محللين في القطاع المالي تكهنوا بأن تكون أعلى بكثير من المستوى الحالي حتى بعد الرفع.





