قد يظن البعض أن الاقتصاد الإسلامي ليس سوى جملة من التعاليم والمفاهيم القادمة من التاريخ، لا ابتكار فيه ولا جديد، وأن قدرة هذا الاقتصاد على مواكبة الواقع المتجدد والمتغير باستمرار، بحيث يكون اقتصاداً حداثياً مؤثراً، يعتريها بعض الشك.

وربما عزز التركيز على المعايير والأخلاقيات والضوابط هذا الظن، وكأن الحداثة تتنافى مع أخلاق العمل، أو أن المعايير الإنسانية التي تنظم نشاطنا وتحدد أهدافه ومخرجاته، حكر على مرحلة زمنية غابرة.

ليس الابتكار مفهوماً مطلقاً، ولا يعني مغادرة مرحلة ما بقيمها وأخلاقياتها والانتقال إلى أخرى، بل يعني تطوير قدرتنا على العمل وعلى الالتزام بأخلاقيات هذا العمل في الوقت ذاته، ويعني أيضاً الترقية الدائمة لمعاييرنا وأدوات قياسنا لمحاكمة المستجد والقبول به أو رفضه بالاعتماد على قراءة التجارب السابقة واستخلاص دروسها، وبالاعتماد على الحاجات الملحة للبشر في بناء حاضر ومستقبل مستدام وآمن.

لذا فإن الاقتصاد الإسلامي - كمبادرة وكمنظومة متكاملة - هو ابتكار بحد ذاته لأنه يجمع بين الحداثة والأصالة، ويربط بين كل قطاعات العمل من التمويل إلى المنتجات المختلفة، ويستجيب للتحديات الراهنة، وقد يعتبر الابتكار الأهم على ساحة العمل الاقتصادي منذ عقود طويلة.

لقد استحدث الاقتصاد الإسلامي نظرية اقتصادية جديدة، وقدم للعالم خياراً جديداً لم يكن متوفراً قبل الإعلان عن مبادرة دبي عاصمة الاقتصاد الإسلامي. ويتجلى هذا الابتكار في استحداث الجديد وفي أن يأتي هذا الجديد ثرياً بتجارب ودروس التاريخ وليس منعزلاً عنها.

أخلاقيات العمل

أما تبني الاقتصاد الإسلامي لأخلاقيات العمل، فهو تعبير عن الجرأة والمسؤولية في الابتكار، وانتصارٌ على المعتقدات التقليدية التي ترسخ ثقافة الربح الآني من دون حساب لمتطلبات الغد.

والابتكار المسؤول هو الذي يطرح الحلول للمعضلات ولا يتجاوزها، ويلتزم المصالح الجماعية على حساب المصالح النخبوية، ويسعى للاستدامة عبر إحداث تغيير جوهري في قوانين الحاضر. إن الأزمات المالية العالمية هي دائماً وليدة الحاضر، واتساع التفاوت الاجتماعي في الكثير من بلدان العالم هو واقع ملموس وليس من نسج الذاكرة.

وكذلك التغير المناخي والتهديد الذي يستهدف مصادر الماء والغذاء والثروات البشرية هو واقع حداثي بامتياز. أما الحاجة إلى اقتصادات مستقرة واستثمارات آمنة مسؤولة تعكس نتائجها الاجتماعية الإيجابية، وتلغي ظواهر الفقر والجهل والبطالة، فهي حاجة آنية لا تحتمل التأجيل.

هذه الحاجات والمتطلبات مجتمعة حفزت ابتكار منظومة الاقتصاد الإسلامي، فجاءت هذه المنظومة بمهمة محددة وواضحة وهي توفير عوامل التغيير ومقومات التطور الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

الابتكار المسؤول هو تعبير عن علاقة الفرد بالمؤسسة، هذه العلاقة التي تتجاوز الصيغة الوظيفية المجردة، أو الحاجة للراتب لاستمرار تأمين متطلبات الحياة، فالعلاقة بين الفرد والمؤسسة الاقتصادية الإسلامية، تقوم على أساس الانتماء والشراكة في توفير السلع والخدمات للمجتمع.

وعلى أساس أن الفرد مؤتمن على المؤسسات والشركات والمنجزات التي تشكل بنية المجتمع وحاضنته، وبالتالي مسؤول عن ابتكار كل ما يسهم في تطويرها.

واجبات المؤسسة

وفي المقابل فإن من واجبات المؤسسة الاقتصادية الإسلامية أن توفر كل المحفزات لموظفيها والقائمين عليها لتشجيعهم على الابتكار، من المناخ الوظيفي العادل الذي يضع سلامة وحقوق العاملين والموظفين وأمنهم المالي واستقرارهم النفسي كمقدمة أولوياته، إلى بناء ثقافة وظيفية مسؤولة تستمد قوتها مما يلمسه العاملون في الاقتصاد الإسلامي من نتائج إيجابية مباشرة لنشاطهم الاقتصادي على الفرد والمجتمع وكل أشكال الحياة.

إن الابتكار في إطار المنظومة الاقتصادية الجديدة، كالاقتصاد الإسلامي، أكثر حظاً وفرصاً من الابتكار في المنظومات القديمة التي استهلكت إمكانياتها وجربت كل الحلول التي تتيحها لها ثقافتها وقوانينها التي أصبحت كأنها جزء منها، غير قابل للتطور، ويرفض التغيير.

لهذا فإن مساحات الابتكار في الاقتصاد الإسلامي واسعة وثرية بالاحتمالات، فجميع قطاعاته تتسم بالجهوزية للتطور واستقبال الجديد، من مؤسسات وأدوات وصيغ للتمويل والاستثمار، ومن مفاهيم وقيم وأخلاقيات أيضاً.

الموارد البشرية

ويستدعي الحديث عن الابتكار، الحديث عن الموارد البشرية المؤهلة، وعن الشباب والجيل المرشح لقيادة منظومة الاقتصاد الإسلامي. هذه الموارد تحتاج أكثر من غيرها إلى التقنيات الحديثة، وإلى ابتكار في شكل الإدارة والإنتاج والتصنيع وتنسيق العلاقة بين القطاعات المختلفة، فالابتكار ليس سوى نتاج للعقول المنفتحة على الحداثة والملتزمة بغيات الاقتصاد الإسلامي في الوقت ذاته.

وهنا تبرز أهمية قطاع التعليم الذي يجب أن يتضمن إلى جانب المساقات العلمية والأكاديمية البحتة، مساحة كافية لتمكين الطلبة من أخلاقيات الاقتصاد الإسلامي وأخلاقيات العمل بشكل عام بوصفها منجزات حققتها البشرية في إطار سعيها لتحسين ظروف العمل. كما على برامج التعليم والتدريب أن تسعى إلى زرع الثقة بإمكانيات الاقتصاد الإسلامي وقدرته على تخطي التحديات واستجابته الفعّالة للمستجدات التي يطرحها العصر.

من هنا نقول، إن علم الاقتصاد الإسلامي هو علم يجمع بين المعرفة الاقتصادية والقانونية والفقهية والاجتماعية، فقدرة الاقتصاد الإسلامي على الجمع بين هذه العلوم المختلفة وفروعها وربطها بأدق تفاصيل العمل اليومي، ستنتج عقولاً واسعة الإدراك وثرية المعرفة، واثقة بإمكانياتها وقادرة على الابتكار والإبداع وتقديم إضافات مهمة لمنظومة الاقتصاد الإسلامي بشكل خاص والاقتصاد بشتى صوره بشكل عام.

(*) المدير التنفيذي لمركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي