قال مصرفيون ومحللون اقتصاديون إن الإنجازات التي حققها القطاع المصرفي خلال السنوات الماضية تجعله محصناً مقابل الدورات والتقلبات الاقتصادية التي قد يشهدها الاقتصاد العالمي في الفترة المقبلة، مستبعدين حدوث أي مفاجآت في القطاع على خلفية الظروف الاقتصادية الراهنة في العالم.
ويتردد في أوساط المحللين الحديث عن أن مرحلة التعافي التي شهدها الاقتصاد العالمي بعد الأزمة المالية الأخيرة قد شارفت على الانتهاء، خصوصاً مع التوقعات بتباطؤ نمو اقتصاد في الولايات المتحدة والصين - المحركين الرئيسين للاقتصاد العالمي. كانخفاض أسعار النفط وانخفاض اليورو وتباطؤ نمو الصين والولايات المتحدة.
وأضاف المصرفيون أن مزايا البنوك الإماراتية والإنجازات التي حققتها على صعيد تحسن جودة الأصول وقيمة الضمانات، وغيرها أثمرت بيئة مصرفية لا تمكنها من مواجهة التباطؤ المحتمل في الأسواق العالمية فحسب، بل يجعلها قادرة كذلك على التوسع والاكتتاب في المشاريع الجديدة سواء كانت محلية أو إقليمية أو عالمية، متوقعين أن يحقق القطاع المصرفي نمواً بنسبة 7% على الأقل في 2015.
ولفت الخبراء إلى أن التقارير والتوقعات الاقتصادية التي يطلقها المحللون لا تترجم إلى واقع بالضرورة، لافتين إلى أن البيانات الدورية والفصلية رغم أهميتها إلا أنها تخضع في كثير من الأحيان للتقلبات الموسمية ما يعطي مؤشرات خاطئة.
مرحلة استقرار
من جانبه توقع فرهاد إيراني رئيس مجموعة الخدمات المصرفية للأفراد في المشرق، أن يشهد القطاع المصرفي في الإمارات مرحلة استقرار في الأرباح خلال 2015..
مشيراً إلى أن أرباح القطاع العام الماضي كانت »استثنائية«، وأضاف: »بحسب أداء القطاع خلال الشهور الثلاثة الأولى من العام، أتوقع أن يشهد القطاع حالة استقرار واعتدال، ونتوقع أن يحقق القطاع المصرفي نمواً بمعدل ضعف النسبة المتوقعة لنمو الناتج المحلي الإماراتي أي 7% على الأقل، ولا أتوقع حدوث أي مفاجآت كبيرة في القطاع على خلفية الظروف الاقتصادية الراهنة في العالم..
فمؤشر سوق دبي المالي ارتفع الأسبوع الماضي بـ600 نقطة، كما أن القطاع العقاري في دبي لا يزال قوياً والمستثمرين مستمرين في شراء العقارات، ولا يمكن لأي قطاع أن يحقق نمواً متتالياً عاماً بعد عام، فالاستقرار مطلوب، وقد يكون نمو القطاع أبطأ من العام الماضي ولكن سيكون على الرغم من ذلك عاماً جيداً، وفوق المتوسط.
مرونة كبيرة
وقال عدنان يوسف الرئيس السابق لاتحاد المصارف العربية، إن البنوك الإماراتية تتمتع بمرونة كبيرة في مواجهة التطورات القادمة، خصوصاً مع التحسن المستمر في نوعية أصول البنوك الكبرى الذي تزامن مع تنظيف البنوك لمحافظها ما سهل عليها استرجاع مبالغ كبيرة تم رصدها بموجب متطلبات البنك المركزي..
وتزامن مع ذلك أيضاً تحسن أداء القطاع العقاري لترتفع بالنتيجة قيمة الضمانات التي تحتفظ بها البنوك مقابل القروض المتعثرة، وليثمر ذلك بيئة مصرفية أقدر على خفض نسب القروض المتعثرة.
وأضاف: »مع تحسن جودة الأصول وقيمة الضمانات، وانخفاض تكاليف التمويل مع تحسن مزيج الودائع والسيولة في النظام المصرفي..
كانت أبرز التغيرات أو التحولات التي شهدها القطاع المصرفي بالإمارات خلال الفترة الماضية هو التحسن على مستويات مختلفة وسجلت نمواً جيداً في صافي أرباحها. وتحتفظ البنوك الإماراتية بسيولة جيدة تساعدها على تمويل المشاريع، وفي حالة قيام الدولة بطرح مشاريعها الكبيرة سوف تلاقي استجابة تمويلية من الداخل أكبر من الخارج«.
ظاهرة طبيعية
واعتبر يوسف تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني »ظاهرة طبيعية« لكون هذا الاقتصاد شهد معدلات نمو سريعة جداً على مدى السنوات العشر الماضية بسبب طبيعة مرحلة التوسع التي كان يمر لها، لكنه الآن عاد إلى معدلات النمو الطبيعية له. أما في الولايات المتحدة فالاقتصاد في وضع جيد ..
وهناك تصريحات من مسؤولين في الاحتياطي الفيدرالي بأن البنك قد يبدأ برفع سعر الفائدة خلال النصف الثاني من العام الجاري، ما يعطي مؤشراً قوياً لعودة الاقتصاد للتحسن ونحن نظرتنا متفائلة لهذا الموضوع ولا نميل للاعتماد فقط على البيانات الدورية والفصلية رغم أهميتها لأنها تخضع في كثير من الأحيان للتقلبات الموسمية ما يعطي مؤشرات خاطئة.
وأضاف الاقتصاد الأميركي 126 ألف وظيفة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام واستقر معدل البطالة عند 5.5%. لذلك نحن نتوقع أن يحقق الاقتصاد الأميركي بعض النمو خلال العام 2015 وإن كان بمعدلات معتدلة. كما سوف يستفيد الاقتصاد والميزان التجاري الصينيين من انخفاض فاتورة النفط والواردات الغذائية وكذلك التحسن البطيء في الدول الصناعية المتقدمة.
تنوع وتكامل
وحول مدى ارتباط الاقتصاد الإماراتي بأداء الأسواق العالمية في الوقت الراهن، قال يوسف: »من المعروف أن لدولة الإمارات تواجداً دولياً كبيراً وبارزاً في الكثير من المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ولها حضور في الكثير من المؤسسات العالمية المعروفة وبالتالي هناك ارتباط وثيق مع الاقتصاد العالمي.
غير أن ما يثلج الصدر أن الاقتصاد الإماراتي بات اقتصاداً منوعاً من الناحية الاقتصادية والانتاجية. ونحن يجب أن ننظر لدولة الإمارات ككيان موحد وليس كل إمارة على حدة، حيث إنها تشكل معاً تكاملاً وتنوعاً وكل إمارة تتميز بمزايا خاصة تتكامل مع الإمارة الأخرى..
فهناك بعض الإمارات التي تتميز بالسياحة وهناك ما يتميز منها بتجارة الترانزيت وهناك منها من اهتم بمصادر الطاقة البديلة وهكذا. لذلك، فإننا ننظر لذلك الارتباط كجانب إيجابي يتيح للاقتصاد الإماراتي فرصاً للانفتاح والتنوع والانتشار«.
رؤية ابتكارية
وأضاف أن البنوك الإماراتية قادت العديد من مبادرات التحول تجاه تقديم خدمات الصيرفة الذكية للعملاء عبر تبني لأنظمة أكثر حداثة تلبي احتياجات العملاء بشكل سريع، وتقدم الخدمات عبر التطبيقات الذكية والإنترنت بما يصب في مصلحة العميل معتمدين على أحدث الأنظمة التكنولوجية العالمية.
وهذه المزايا، أي السيولة والتطور التكنولوجي تمكن البنوك الإماراتية ليس فقط من مواجهة التباطؤ المحتمل في الأسواق العالمية، بل يجعلها قادرة أيضاً على التوسع والاكتتاب في المشاريع الجديدة سواء كانت محلية أو إقليمية أو عالمية، كما لاحظنا قيام البنوك الإماراتية بالتوسع في الخارج وكان آخرها قيام بنك الإمارات دبي الوطني بالاستحواذ على الوحدة المصرية لبنك بي.ان.بي باريبا الفرنسي.
خطوات استباقية
وقال ستين جاكوبسون كبير المحللين الاقتصاديين في »ساكسو بنك«، إن الإمارات برهنت قدرتها دائماً على اتخاذ خطوات عملية واستباقية لمواجهة أي ظروف اقتصادية قد يشهدها العالم، متوقعاً أن يحقق الاقتصاد الإماراتي نمواً بنسبة 3% هذا العام.
مشيراً إلى أن قانون الشركات التجارية الاتحادي الذي صدر أخيراً، يمثل نقلة نوعية في تطوير أطر تشريعية تلائم المتغيرات، كما أن قانون الاستثمار المتوقع صدوره قريباً سيعطي زخماً اكبر للاستثمار الأجنبي في الدولة.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ »البيان الاقتصادي«، أن المجتمعات الأكثر ثراء في العالم اليوم هي الأفضل تعليماً، وليس أكثرهم امتلاكاً للموارد الطبيعية، مشيراً إلى أن الإمارات قطعت أشواطاً في تأسيس اقتصاد قائم على المعرفة.
وأضاف: »الإمارات برزت بعد الأزمة المالية العالمية الأخيرة أقوى، واستطاعت فك ارتباط اقتصادها عن تأثير الإجراءات التي قد تقوم أو لا تقوم بها الاقتصادات الكبرى لتحفيز الاقتصاد العالمي..
وأعتقد أنه من الضروري في هذه الآونة اتخاذ خطوات عملية استباقية تتمثل في دمج المزيد من الشباب الإماراتي في القطاع الخاص، وإطلاق حوافز لتشجيع ريادة الأعمال، وتعزيز التعاون بين الجامعات والمؤسسات التعليمية من جهة والقطاع الخاص من جهة أخرى، وتعزيز ظروف نجاح الشركات الصغيرة والمتوسطة«.
تحديات محتملة
وأضاف: »إن المنطقة والعالم مقبلان على عدد من التحديات الاقتصادية، فارتفاع الدولار وانخفاض اليورو أثر بشكل نسبي على قطاع السياحة في الدولة، حيث فقدت عملة السائح الروسي الروبل 50% من قيمتها، علاوة على انخفاض أسعار الفائدة التي تمهد لفقاعات جديدة. في المقابل نرى ارتفاع نسب التوظيف في القطاعات غير النفطية في الدولة«.
قدرات مصرفية فائقة تعزز فرص التوسع محلياً وعالمياً
أكد خبراء الاقتصاد والبنوك ان القاعدة التشريعية في الامارات تؤسس لنظام مصرفي قوي يحمي حقوق المودعين والبنوك على حد سواء حيث يمتلك القطاع قدرة كبيرة على لاتطور والنمو والتوسع محلياً وخارجياً.
وقال كريستوف لاليندريه نائب الرئيس التنفيذي لبنك لومبارد أودييه السويسري في الشرق الاوسط، إن التشريعات واللوائح المصرفية المحلية في الإمارات توفر قدراً كبيراً من المرونة، وتسمح للبنوك بتوسيع أنشطتها، وتوفر الحماية للعملاء في ذات الوقت.
وأضاف: »لدينا ثقة كبيرة بالقطاع المصرفي في الإمارات، فجميع الخدمات المصرفية المتاحة اليوم تعكس قاعدة العملاء المتنوعة في البلاد. ومن جانبنا، فإن حلول إدارة الثروات التي تقدمها لومبارد أودييه للعملاء من الأفراد والمؤسسات تلائم الوضع الاقتصادي الحالي للبلاد..
لأنها تتضمن مجموعة واسعة من الحلول والأفكار الاستثمارية التي تمكّن المستثمرين من تنويع استثماراتهم تبعاً لمستويات المخاطر المحتملة. وعلى الرغم من أننا نتوقع استمرار النمو الاقتصادي البطيء في العالم على مدى السنوات المقبلة، فإننا نعتقد يقيناً بوجود بلدان وفئات أصول وعملات معينة توفر فرصاً حقيقية لأداء استثماري قوي«.
التنوع الاقتصادي والسكاني ركيزة للنمو
قال كريستوف لاليندريه إن تحليل التوقعات المستقبلية لدول الخليج عموماً، والإمارات خصوصاً، في ظل انخفاض أسعار النفط يُظهر لنا أموراً مثيرة للاهتمام، حيث تملك الإمارات عنصرين إيجابيين رئيسيين سيساعدانها خلال السنوات المقبلة، هما نمو السكان..
وتقليل الاعتماد على النفط والموارد الطبيعية. فخلافاً لباقي دول العالم المتقدمة، من المتوقع أن يتواصل نمو شريحة السكان ممن هم في سن العمل (بين 15 و64 سنة) في الدولة حتى العام 2040. ونجد الوضع ذاته أيضاً في ست دول خليجية أخرى، لكن الإمارات ستتمتع بأعلى نسبة للسكان ممن هم في سن العمل بين مجموعة الدول الخليجية في العام 2040.
وعلى الرغم من اعتماد الاقتصادات الخليجية بشكل كبير على النفط، إلا أنها تتفاوت فيما بينها في مقدار ذلك. وقد نجحت الإمارات في تنويع اقتصادها منذ العام 1980، حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أنّ مساهمات النفط والغاز والموارد الطبيعية شكلت نسبة 24٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي في الإمارات في 2012، بالمقارنة بنسبة 55٪ في الكويت، و 48٪ في السعودية.

