يعكف المسؤولون في مركز دبي المالي العالمي، بهيئاته الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، على وضع خطط مستقبلية للسنوات العشر المقبلة، تعزز جاهزيته واستعداداته للتعامل بشكل حصيف ومدروس مع مختلف المتغيرات المالية والاقتصادية بأبعادها المحلية والإقليمية والعالمية، بما يدعم أهليته لتحقيق المزيد من النجاحات المستقبلية لتضاف إلى سجله الزاخر بالإنجازات خلال السنوات العشر الماضية.

إجابات موضوعية

ويخوض مسؤولو المركز ما يمكن توصيفه مجازاً بمعركة »عصف ذهني« شديدة الشراسة للوصول إلى إجابات موضوعية بشأن الكثير من التساؤلات التي باتت الآن مطروحة بقوة على طاولات البحث والتحليل، وتزداد حدة وطأة هذه المعركة بفعل حالة الضبابية التي تسود الأفق المُستقبلية للاقتصاد العالمي.

 وفيما تعكف سلطة مركز دبي المالي العالمي على وضع استراتيجية للسنوات العشر المقبلة حتى 2024، تقوم سلطة دبي للخدمات المالية بمراجعة قوانينها ولوائحها التنظيمية بما يضمن توفيرها تنظيما من الطراز العالمي لصناعة الخدمات المالية، وفي الوقت ذاته، تواصل محاكم مركز دبي المالي جهودها للارتقاء بأدائها لتكون من بين المحاكم التجارية الأكثر مصداقية في العالم.

وفي هذا السياق، تقود سلطة مركز دبي المالي العالمي، معركة العصف الذهني، لكي تضع المعالم الرئيسية لأجندة العمل المستقبلية والتي ستهتدي بها كل من سلطة دبي للخدمات المالية ومحاكم مركز دبي المالي، في إطار علاقات التنسيق والتكامل بين الهيئات والسلطات الرئيسية بالمركز..

ولهذا شرع مسؤولو سلطة مركز دبي المالي ببلورة استراتيجية جديدة للسنوات العشر الممتدة حتى 2024، والتي سوف تشتمل على محاور عمل ومستهدفات جديدة، تتماشى مع التطورات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، والمُتوقع أن يتم الإعلان عن هذه الاستراتيجية خلال الفترة المُقبلة.

تغيير الأهداف المرحلية

وتحدث عيسى كاظم، محافظ مركز دبي المالي العالمي ورئيس مجلس إدارة سلطة مركز دبي المالي العالمي، عن أبعاد هذا التغيير ومجالاته، بتأكيده أن التغيير ينصب أساسا على الوسائل والأهداف المرحلية، أكثر مما يتعلق بالأهداف الاستراتيجية، شارحاً هذه النقطة بقوله: »نحن بالفعل لدينا استراتيجية مناط بها تحقيق من نتطلع إليه من أهداف وطموحات وتطلعات..

والتي لا تنفصل بأي حال من الأحوال عن الأهداف التنموية التي تنشدها دولة الإمارات ودبي، فنحن نعمل على أن يكون للمركز دور فعال في تحقيق النهضة الاقتصادية لدولة الإمارات، وهو ما يعود بالنفع والخير بالنسبة لكافة شرائح المجتمع، بما في ذلك توفير فرص العمل للمواطنين والمقيمين، ولكننا في الوقت ذاته، نتبنى أهدافاً تكتيكية، وهي أهداف قابلة للتغيير بحسب المُستجدات والتطورات« .

وتابع شرحه قائلاً: »نقوم بأقلمة أهدافنا التكتيكية مع التطورات والمستجدات، ولكننا نبقي على الأهداف الكلية، قائمة بدون تغيير، ومن ثم، نحرص على التكيف مع التطورات والتغيرات الاقتصادية العالمية بما يحقق أهدافنا الكلية على المدى الطويل«.

واستطرد قائلاً: »تجاوز دور مركز دبي المالي العالمي دعم نمو مدينة دبي والمنطقة، ليشمل عدداً من المؤسسات المالية الرائدة حول العالم ويدعمها في تحقيق تطلعاتها في المنطقة. ورغم التحديات التي واجهتها الأسواق العالمية خلال العقد الماضي ..

والتي انعكست على القطاع المالي، إلا أن مركز دبي المالي العالمي، ودبي بشكل أوسع، أثبتت مرونة وقدرة على التقدم ومواجهة التحديات وتخطي العقبات العالمية. وهذا بحد ذاته، دليل راسخ على قدرة دبي، وعامل هام يدعمنا في التطلع إلى طموحات أكبر خلال السنوات العشر المقبلة وما بعدها بثقة وعزيمة، فيما نواصل ترسيخ مكانتنا في مصاف الأسواق المالية الكبيرة حول العالم.

أبعاد التغيير

وخلص عيسى كاظم في معرض شرحه لأبعاد ومجالات التغيير في استراتيجية السنوات العشر المقبلة لمركز دبي المالي العالمي إلى القول: »تؤكد المؤشرات تصاعد أهمية القطاع المالي في الدفع باقتصاد الإمارات، باتجاه تحقيق المزيد من التقدم والتطور والنمو، كما تؤكد هذه المؤشرات تحقيقنا نجاحات ضخمة وكبيرة على مدار السنوات العشر التالية على تأسيسه..

ولكن السؤال المثار دائما، هو: هل هذه النجاحات تلبي الطموحات والتطلعات المنشودة؟، الإجابة بالتأكيد، هي أننا نسعى لتحقيق المزيد والمزيد من النجاحات، بما يضع مركز دبي المالي في مركز افضل، بشكل دائم، وهو الآن غدا يتمتع بالفعل بمكانة مرموقة بين مراكز المال العالمية..

ولكننا نسعى إلى مواكبة رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بالدفع بالمركز نحو آفاق للنمو والازدهار أكثر اتساعاً«.

ربط دول الجنوب

ورغم عدم كشف محافظ مركز دبي المالي عن محاور العمل المستقبلية التي سوف تتضمنها استراتيجية السنوات المقبلة، إلا أنه تحدث عن مفهوم »الممر الرابط بين دول الجنوب« ، وهو يُعد مفهوماً جديداً كلياً للمتابعين لأنشطة المركز، حـــيث كان التركيز الاستراتيجي للمركز منصباً على تعــــزيز مكانته كبوابة للمال والأعمال بين الشرق والغرب.

وتحدث كاظم لـ»البيان الاقتصادي« عن التغيير الحاصل في مصفوفة الأولويات والأهداف المرحلية بقوله: »قد تتغير الأهداف كل خمس سنوات، ففي بداية مرحلة التأسيس، كان التركيز مُنصباً على استقطاب المصارف والمؤسسات المالية الأوروبية والأميركية، وكنا نستهدف استقطاب هذه المؤسسات من دول بعينها، ولقد نجحت هذه الاستراتيجية إلى حد كبير، وهو ما يتجلى في احتضان المركز كبريات المؤسسات المالية الأوروبية والأميركية«.

وتابع شرحه قائلاً: »لقد تغيرت ديناميكيات الاقتصاد العالمي خلال الفترة الأخيرة، نتيجة لتحقيق بعض المناطق معدلات نمو تفوق تلك المُتحققة في مناطق أخرى من العالم، فعلى سبيل المثال، تفوق معدلات النمو في دول القارة الافريقية ومنطقة الشرق الأوسط، تلك التي تسجلها الاقتصادات الأوروبية، فضلاً عن بروز وتألق اقتصادات منطقة شرق آسيا..

وفي مقدمتها الاقتصاد الصيني الذي قد يصبح خلال فترة قصيرة، اكبر اقتصاد على مستوى العالم، وبالتالي، تستدعي هذه التطورات تبني أهداف تكتيكية تتعلق باستقطاب الشركات والمؤسسات المالية من المناطق الأسرع نموا كمنطقة شرق آسيا، وربط هذه الاقتصادات بالفرص الاستثمارية في القارة الإفـــريقية ومنطقة الشرق الأوسط وهو ما يكسب توجهاتنا الاستراتيجية قدراً عالياً من المرونة في التفاعل مع الأوضاع المُتغيرة للنظام المالي النظام المالي والاقتصادي العالمي«.

وخلص كاظم قائلاً: يُركز المركز في استراتيجية أعماله الجديدة على تعزيز مكانته كممر رابط بين دول الجنوب، من خلال إعطاء المزيد من التركيز على مناطق الشرق الأوسط والقارة الافريقية وآسيا، لاسيما وأن هذه المناطق تحقق معدلات نمو سريعة، مع الأخذ في الحسبان مواصلة التركيز على أسواق دول القارة الأوروبية وأميركا الشمالية التي تسهم بقدر كبير من نمو الذي يشهده المركز«.

بوابة الصين لإفريقيا

وعلى أرضية تعزيز مكانة مركز دبي المالي كممر يربط بين أسواق دول الجنوب، تتصاعد أولوية اضطلاعه بدور حيوي في الربط بين الصين وأسواق القارة الافريقية، حيث بات المركز يراهن أكثر من أي وقت مضى على المحور الاستراتيجي الآسيوي كأحد المصادر الرئيسية لتحقيق النمو المستدام..

ضمن رؤية تؤكد على حيازته مقومات ومؤهلات تجعله قادراً أكثر من غيره على استقطاب الشركات والمؤسسات الآسيوية الساعية إلى تنفيذ خططها وبرامجها الاستثمارية في العديد من المناطق المحيــطة كالقارة الإفريقية ومنطقة الشرق الأوســـط وشمال إفريقيا.

النمو المستقبلي

وتناول كاظم هذه النقطة بقوله: »يقدم مركز دبي المالي خدماته المالية لكافة الأسواق حول العالم دون استهداف أسواق أو أقاليم بعينها، ويحرص على تطوير نهجه بما يواكب الديناميكية المتغيرة للاقتصاد العالمي، وبالتالي، نحن لا نميز بين الأموال بحسب المناطق الآتية منها، فعلى سبيل المثال، لم نكن في وقت تأسيس المركز، نتصور بأنه سوف يكون هناك اهتمام من جانب المؤسسات المالية الصينية..

ونحن نرى أن النمو المستقبلي للمركز سيتحقق في إحدى جوانبه بأدائه دور حلقة الربط بين اقتصادات دول الجنوب من خلال التفاعل مع تدفقات الأموال والتجارة فيما بين دول الجنوب مع بعضها البعض، وبحكم عالمية مركز دبي المالي، فنحن لا نستهدف منطـــقة بعينها أو أسواقا محددة، ولكن تبني هذه النظرة ليس معناه تجاهل الأسواق الأميركية والأوروبية«.

" الخدمات المالية"  تراجع قوانينها وأنظمتها

تدور رحى معركة »العصف الذهني« في سلطة دبي للخدمات المالية، حيث كشف إيان جونستون الرئيس التنفيذي لسلطة دبي للخدمات المالية عن أن السلطة تتأهب لإجراء مراجعة لأنظمتها وقوانينها قبل شروع كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في تقييم القطاع المالي في الدولة، والمتوقع البدء فيه بنهاية العام 2016..

مشيراً إلى أن السلطة سوف تعطي تركيزاً كبيراً على إبراز التزامها الشديد بالمعايير الدولية الواردة في عمليات التقييم، مشدداً على أهمية التعاون الوثيق مع الهيئات التنظيمية في الدولة، مع الاستعداد لتوفير أية مدخلات مطلوبة للاستعداد لعمليات التقييم المذكورة.

وقال جونستون إن السلطة ستقوم بنشر تقييمها الذاتي قبل تقييم القطاع المالي لصندوق النقد الدولي، وذلك في إطار التزامها باتباع نهج الشفافية على نحو يعزز الوعي والمعرفة بإجراءات السلطة بالإجراءات التي تقوم باتخاذها.

وأكد جونستون أن السلطة تحرص على الاستمرار في توفير تنظيم على طراز عالمي في مركز دبي المالي العالمي، شاملا التنفيذ الفعال من خلال عمليات تحسين أنظمة التحذير المبكر من المخاطر الناشئة، وغيرها من الابتكارات، على نحو يعزز قدرة السلطة على الاستجابة السريعة للمخاطر، من خلال تدعيم الكفاءة التشغيلية الداخلية، وتقديم إجراءات وحلول مبتكرة.

تنفيذ المعايير الدولية

وأوضح أن السلطة تركز على تنفيذ المعايير الدولية بشكل يتناسب ويتلاءم مع مركز دبي المالي العالمي، وانها ستواصل نهجها التشاوري مع المجتمع الذي ُتنظمه، حول التغييرات المقترحة، وذلك عند قيامها بإجراء تغييرات في نظامها، مشيراً إلى أن السلطة ستأخذ بالحسبان الملاحظات المقدمة في وضع الصيغة النهائية للمقترحات. كما ستواصل عقد جلسات التوعية لتعزيز فهم نظامها التنظيمي وتحسين الممارسات.

وأكد أن السلطة ستواصل حرصها على أن يعكس نظامها التنظيمي بشكل مناسب الجوانب ذات العلاقة بالتشريعات لدولة الإمارات، كتلك المتعلقة بإجراءات مكافحة الإرهاب ومكافحة غسل الأموال، كما ستواصل مراقبة الالتزام بين الكيانات المنظَمة من جانبها بهذه الإجراءات. وستستمر كذلك باستهداف مخاطر السلوك في جهودها الرقابية على وجه الخصوص، مع مواصلة التركيز على تصنيف وملاءمة العملاء.

وأكد جونستون أن السلطة تعمل على تقديم مساهمات قيمة فيما يتعلق بالمعايير المُنظمة لصناعة الخدمات المالية على الصعيد العالمي، حيث لا تسهم هذه المشاركة المكثفة في إثبات وترسيخ مصداقية مركز دبي المالي العالمي فحسب، بل تسهم أيضا في العمل في أخذ هذه المعايير في الحسبان ومتطلبات منطقة اختصاصها.

 ارتقاء بمستويات أداء المحاكم

 تخوض محاكم مركز دبي المالي العالمي، هي الأخرى، معركة »العصف الذهني« لتحقيق المزيد من التفوق والتميز في الأداء خلال السنوات المقبلة، وهو ما يأتي على ذكره عمر جمعة المهيري القاضي بمحاكم مركز دبي المالي العالمي بقوله:

»نحن تعلمنا من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن نبذل قصارى جهدنا للوصول إلى المراتب العليا والأفضل، ونحن نتفانى في عملنا لتنفيذ توجيهات سموه بأن نكون رقم 1 في كافة مناحي ومجالات الحياة في دولة الإمارات عموماً ودبي على وجه الخصوص«.

واضاف قائلاً: بوصفها الملاذ الآمن لحماية وصون تعاملاتهم وانشطتهم المالية والتجارية على مختلف الصعد المحلية والإقليمية والدولية، صار لدى المحاكم الحافز القوي لمواصلة مسيرة التطوير والتحديث، كما تعاظم لديها الشعور بالمسؤولية والالتزام تجاه العمل الحثيث والدؤوب الذي من شأنه أن يسهم في تعزيز مكانة دبي كمركز عالمي مرموق للأعمال والتجارة والمال.

واستطرد شارحاً: وعلى هذه الأرضية، قامت محاكم مركز دبي المالي، خلال العام 2011، بإجراء تعديل تشريعي، يجيز توسيع اختصاصها القضائي، بما يؤدي إلى زيادة التنوع الجغرافي للقضايا المعروضة عليها، وبإلقاء نظرة على القضايا المٌسجلة في الوقت الحالي، بمحاكم مركز دبي المالي العالمي..

وذلك بعد إجراء هذا التعديل التشريعي، يتبين على الفور أن المحاكم تسير على المسار الصحيح، والمُتمثل في العمل على المُساهمة في تطوير وتحديث البنية القانونية والتشريعية للدولة، بشكل عام، ودبي، على وجه الخصوص، فضلاً عن قيام محاكم المركز بتوقيع اتفاقيات متعددة، منذ العام 2011، مع العديد من مراكز الأعمال الرئيسية حول العالم..

وذلك فيما يتصل بالتعاون في مجال تنفيذ الأحكام، من بينها، محاكم لندن وأستراليا، ونحن في الوقت الحالي، بصدد توقيع اتفاقيات مماثلة مع محاكم سنغافورة، فهذا من شأنه أن يعزز الدور المنوط بمحاكم مركز دبي المالي، القيام به..

فيما يتعلق بتنفيذ الأحكام، سواء داخل الدولة، أو خارجها. وخلص قائلاً: »نحن مستعدون دائماً لأداء الأدوار والمسؤوليات المطلوبة، ونعمل دوماً على مواكبة رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بأن نكون رقم 1 في كافة مناحي ومجالات الحياة«.

التطوير المستمر طريق النجاح

قال محافظ مركز دبي المالي العالمي ورئيس مجلس إدارة سلطة مركز دبي المالي العالمي،إن طموحات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتومنائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ،رعاه الله، بلا حدود، مضيفاً: »نبذل قصارى جهدنا ونتفانى في عملنا لمواكبة طموحات سموه، فسموه ينشد دائماً الأفضل، كما أن سموه يرى أن هناك دائماً حيزاً للتطوير والتحسين والتقدم بالخطى نحو الأمام«.

وأوضح أن مركز دبي المالي العالمي حقق إنجازات ضخمة على أرض الواقع ولكن هناك الكثير الذي يجب العمل على تحقيقه وإنجازه لتحقيق رؤية سموه بأن يكون مركز دبي المالي في مصاف المراكز العالمية المُتقدمة. واضاف: بالتأكيد ننفذ التوجيهات السامية لرؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فهي رؤية ثاقبة وحكيمة..

وتمثل الأساس لنجاح ليس فقط مركز دبي المالي العالمي، وإنما كافة المراكز المالية، فنجاح المركز المالي يرتهن بتوافر معايير النزاهة والعدالة وكفاءة القوانين المُنظمة، وغير ذلك من المجالات التي ساهمت في تعزيز وضعية المركز بين مراكز المال العالمية.