أكّد مصرفيون ومحللون اقتصاديون أن تأثير انخفاض اليورو على البنوك الإماراتية هو «محدود للغاية» في أحسن الحالات ويتركز عبر مزيج من الاقتراض المباشر والتحوط عبر عقود المبادلات الآجلة فقط، مشيرين إلى أن الربط الثابت لسعر صرف الدرهم مقابل الدولار الاميركي ضمن السياسة النقدية في الدولة ساهم في تحقيق الاستقرار النقدي والمالي في الدولة ومواجهة العديد من الأزمات العالمية بكفاءة واقتدار.

وتوقّع الخبراء أن تتحرك رؤوس الأموال الاستثمارية الخليجية نحو المنطقة الاوروبية خلال الفترة المقبلة بشكل اكبر لاغتنام الفرص الاستثمارية قصيرة الأجل والناتجة عن فروقات أسعار فئات الأصول من تقييمات توزيعها الاستراتيجي على خلفية مكاسب انخفاض اليورو الذي يعطي فرصا جديدة للاستثمار في العديد من القطاعات الاوروبية ومنها قطاع الاسكان، علاوة على التوقعات بتحسن أرباح الشركات الأوروبية بشكل أكبر في وقت لاحق العام وتحول المزيد من المستثمرين من أسواق الولايات المتحدة في اتجاه الأسهم الأوروبية.

وأشاروا أن العديد من شركات إدارة الأصول والبنوك تحوطت لانخفاض اليورو في النصف الأول، وبالتالي فإن الآثار الإيجابية قد تأتي أيضا من خلال وقت لاحق في النصف الثاني.

ويعتبر انكشاف المصرف المركزي على منطقة اليورو معدوماً حيث إن احتياطات المصرف لا يتم استثمارها إلا في دول وشركات ذات تصنيف AAA، كما أن الإمارات تستثمر في الأصول الدولارية بشكل رئيسي لارتباط عملتها بالدولار الأمريكي.

وهبط اليورو عملة 19 دولة أوروبية يناير الماضي إلى أدنى مستوى له منذ 11 عاما بعد أن أعلن البنك المركزي الأوروبي (ECB) عن خطط لإطلاق برنامج شراء السندات المعروف باسم التيسير الكمي، التي من شأنها أن تضخ النقد في اقتصاد منطقة اليورو وتساعد على مكافحة الانكماش، وذلك حتى سبتمبر 2016.

نعمة وليس نقمة

من جانبه قال ڤيك مالك، رئيس الاستثمارات العالمية والحلول المالية لقسم إدارة الثروات والاستثمار لدى باركليز في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إن انخفاض اليورو قد يكون نعمة وليس نقمة خاصة مع اعتزام »البنك المركزي الأوروبي« المضي قدماً في إعادة تحفيز الاقتصاد من خلال برنامجه للتيسير الكمي، لافتاً إلى أن الأسهم الأوروبية مكمن الفرص للمستثمر الإماراتي.

وأضاف: « نعتقد أن الأسهم الأوروبية توفر فرصاً مجزية لمستثمري الشرق الأوسط، ففي ظل السياسات النقدية التي تطبّقها البنوك المركزية، هناك فرص عديدة لكافة المستثمرين الذين يفكرون جدياً في ضم الأسهم أو رفع نسبتها في محافظهم الاستثمارية».

وأفاد مالك: «تستفيد الشركات الأوروبية من ظروف أسعار الفائدة المنخفضة التي تتيح إعادة تمويل التزاماتها. وقد لعب ضعف اليورو دوراً إيجابياً في تعزيز جاذبية الصادرات الأوروبية، وسط توقعات باستفادة المستهلكين أيضاً من تراجع أسعار النفط، أي أن العوامل الاقتصادية الكليّة ستشكل عناصر إيجابيّة داعمة، ونتوقع أن تواصل الأسهم الأوروبية أداءها الحالي للفترة المتبقية من العام الحالي. فقد حققت هذه الأسهم مكاسب بنسبة 15% هذا العام، ويتوقع خبراؤنا الاستراتيجيون أن تتفوق الأسهم الأوروبية على نظيراتها الأمريكية».

وأضاف: «سينعكس النشاط التمويلي للشركات الصغيرة والمتوسطة إيجاباً على مؤشرات التصنيع وثقة المستهلكين وغيرها. وسيوفر ضعف اليورو ظروفاً إيجابية للأسهم الأوروبية نتيجة فروق أسعار الفائدة، مما سيشكل حافزاً للشركات المصدرة مثل »بي إم دبليو« و»دايملر« وغيرها.

وعلى صعيد المستهلك، من المتوقع أن يرتفع انفاق العائلات خاصة وأن معظم الفواتير الاستهلاكية قد انخفضت نتيجة تراجع أسعار النفط»، كما كان لضعف اليورو دور في تعزيز تنافسية منتجات الشركات الأوروبية، وتحديداً بسبب أسعار الفائدة وفروق سعر الصرف الأجنبي.

عوائد المخاطرة

وأوضح مالك: «نشهد نمواً في الطلب على الأسهم، حيث يفكر المستثمرون جدياً في شراء الأسهم ويطلبون منّا مناقشة سبل الاستثمار في هذه الفئة من الأصول. ومن جهة أخرى، نعتمد نهجاً تكتيكياً في الاستثمار وذلك لاغتنام الفرص الاستثمارية قصيرة الأجل والناتجة عن فروقات أسعار فئات الأصول من تقييمات توزيعها الاستراتيجي.

ومع إننا نفضل في الوقت الحالي أسهم الأسواق المتقدمة، إلا أننا نبقي نسبة ملحوظة من المحفظة الاستثمارية على شكل أموال نقدية وذلك لتوظيفها في أسهم الأسواق المتقدمة والناشئة التي تخبئ فرصاً مهمة حيث ننتظر الوقت المناسب لتحويل هذا الجزء من النقد إلى أسهم».

إجراءات التحوط

وأوضح راهول شاه المحلل والباحث في دويتشه بنك من دبي أن البنوك تقوم بأمرين للتحوط من الانكشاف في أوروبا هما التمويل من السوق الإماراتي بقدر الإمكان، والدخول في عقود العملات الآجلة من أجل الحد من التعرض لانكشاف العملة الأجنبية. وأضاف: »تقوم البنوك عادة بمراقبة أصولها في العملات من كثب، وفي حدود ضيقة جدا وتستخدم استراتيجيات التحوط لضمان الامتثال مع الحدود الموضوعة.«

وقال نور الدين الحموري كبير استراتيجي الاسواق في شركة أي دي اس سيكيوريتيز إن المخاطر دائما متواجدة سواء بارتفاع قيم العملات او انخفاضها لافتاً إلى أن تأثر البنوك في الامارات من انخفاض سعر صرف اليورو محصورة لجهة البنوك التي تحمل قيما كبيرة من احتياطيها في اليورو وهو أمر مستبعد في الوقت الحالي، لأن البنوك الاماراتية مكشوفة على الدولار الامريكي بشكل اكبر من اليورو.

وأضاف: »لكن مشكلات منطقة اليورو بشكل عام تؤثر سلباً على البنوك الاماراتية حيث من الممكن ان نشهد ارتفاع الديون المتعثرة للشركات الاوروبية وهذا شيء يعتبر طبيعيا في ظل حالة التباطؤ المتواجدة حول العالم وليس فقط في منطقة اليورو.«

القروض والاستثمارات

وأفاد الحموري أن القروض والاستثمارات في البنوك هي اكثر النشاطات تأثراً، حيث إن عمليات التيسير الكمي من قبل البنك المركزي الاوروبي المستمرة قد تؤدي الى انخفاض مستوى اقتراض البنوك الاماراتية من المنطقة الاوروبية.

وأضاف: »من مكاسب انخفاض اليورو أننا في المقابل قد نشهد تحركات لرؤوس الاموال نحو المنطقة الاوروبية خلال الفترة المقبلة بشكل اكبر، لأن انخفاض سعر صرف اليورو يعطي فرصا جديدة للاستثمار في العديد من القطاعات الاوروبية ومنها قطاع الاسكان وحتى في الاسواق المالية الاوروبية التي لازالت في ارتفاع مستمر مع اعلان التيسير الكمي. حيث ان البنك المركزي قام بشراء اكثر من 9 مليارات يورو من السندات في اول ثلاثة ايام من برنامج التيسير الكمي.

تحوط البنوك

وقال الحموري إن البنوك تقوم بحماية نفسها من تحركات العملات بإحدى طريقتين: إما من خلال الاستفادة من سعر الصرف الآجل للعملات في الأسواق المالية أو ما يعرف بـ Forward Exchange Rate. وأضاف: »يقوم أحد البنوك بالإعلان عن نسبة فائدة على ودائع الدولار الامريكي بواقع 1.5% وبنك آخر في دولة اخرى يقوم بالإعلان عن فائدة بواقع 2.5% على ودائع بعملة اخرى.

هنا يقوم المستثمرون في البنوك بشراء الودائع ذات العائد الاعلى – والأعلى مخاطرة بالطبع - ولكن لحماية انفسهم يقومون بشراء العقود المستقبلية في سوق العملات من خلال شراء الدولار لأجل عام كامل ليقوموا بتغطية الفارق ما بين عائد ودائع الدولار وعائد العملة الاخرى التي يشترونها.

وأما الطريقة الثانية للتحوط فتعرف بالحماية من خلال الاسواق العالمية أو Money Market Hedge، وذلك يكون من خلال توقعات البنك لتحركات العملات المستقبلية. ففي حال رأى البنك أن هناك احتمالية لتحرك عملة ما باتجاه معين خلال فترة من الزمن، فيقوم بالاقتراض بنفس العملة بالقيمة الحالية..

ومن ثم يحول تلك العملة الى العملة المحلية ويضع المبالغ في وديعة ذات عائد معين، وعندما تأتي فترة الاستحقاق يكون البنك قد حمى نفسه من تخبط الاسعار لأنه بالنهاية سيحصل على عوائد من الودائع الاخرى والتي قد تغطي نسبة من أي خسائر قد تحصل من تحرك صرف العملات.

استقرار متوقع

وتوقع الحموري أن يصل اليورو الى مستويات قريبة جداً من مستويات التعادل مع الدولار الامريكي خلال العام الجاري. وأضاف: «البنك المركزي الاوروبي يقوم بتيسير كمي جديد وضخم سيمتد على مدار عامين، وبالمقابل الفدرالي الامريكي يقول انه سيرفع اسعار الفائدة، وفي ما لو حصل ذلك بالفعل، فمن الممكن ان ينخفض اليورو الى ما دون مستويات 0.90 سنت، واذا تراجع الفدرالي الامريكي عن رفع الفائدة وهذا ما نتوقعه، فمن الممكن ان نشهد استقرار اليورو فوق مستويات التعادل.

الارتباط بالدولار

واستبعد نادي البرغوثي رئيس إجارة الأصول في بنك الإمارات للاستثمار أن يؤثر الانخفاض الأخير في سعر اليورو بشكل جوهريٌ على معظم مصارف الإمارات لأن غالبية أصول ومطلوبات هذه المصارف هي إما مقومة بالعملة المحلية أو عملات دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى المربوطة بالدولار الأمريكي.

وأضاف: »ومع ذلك، سوف تلمس بعض المصارف تأثير ضعف اليورو لا سيما تلك التي تمارس عمليات في الخارج أو تمتلك شركات تابعة في منطقة اليورو عندما تقوم بإعداد بياناتها المالية الموحدة.«

وأفاد البرغوثي أن ضعف اليورو قد يكون له تأثير محدود على المحافظ الاستثمارية لبعض المصارف الإماراتية، لأنها عادة ما تتحوط من انكشافها على العملات الأجنبية، إن وجدت، للحد من تأثير تقلبات أسعار الصرف.

وأضاف: »تستخدم المصارف منهجيات تحوط مختلفة للحد من تأثير تقلبات أسعار الصرف. وهناك وسيلتان بسيطتان وفعالتان من حيث التكلفة للتحوط ضد تحركات أسعار العملات عادة ما تستخدمهما، تتمثلان في شراء عقود آجلة تتيح للمصارف ضمان سعر الصرف في المستقبل عند حد أدنى، أو شراء خيارات تتيح لها صرف العملات في المستقبل عند سعر محدد مسبقاً. وكلتا الطريقتين تمكنان المصارف من التخلص من حالة اليقين المرتبطة بأسعار صرف العملات الأجنبية، بتكلفة معقولة.

«ساكسو بنك»: العملة الأوروبية إلى مستوى طبيعي قبل نهاية العام

 توقع نيك بيكروفت رئيس أسواق المال في «ساكسو بنك» أن يلمس اليورو مستوى جديد كلياً قد يكون أقل من 1.00 مقابل الدولار.

وأضاف: «خفضت العديد من الدول بما فيها ذلك اليونان وايطاليا وفرنسا والبرتغال واسبانيا قيمة عملاتها على أساس منتظم للغاية لتحافظ على تنافسيتها العالمية وكان ذلك قبل »اختراع« اليورو بوقت طويل.

واليوم أدركت دول اليورو بقيادة ألمانيا أنه لا يمكن لليورو الاستمرار دون سياسة نقدية اكثر مرونة، والآن يتم استخدام الوصفة الكلاسيكية لمواجهة ضعف العملة، أي تطبيق سياسة مالية أكثر تشدداً، وسياسة نقدية أكثر مرونة، مع مراقبة حثيثة للسياسة المالية الأمريكية. وأضاف: » أعتقد أن يصل اليورو إلى مستوى «طبيعي» جديد عند 0.90 مقابل الدولار حتى نهاية 2015..

ولكن لا يمكن استبعاد عودة اليورو إلى أدنى مستوياته التاريخية عند 0.83 في حال شهدنا خروج اليونان من اليورو. لذلك قد تواجه البنوك الاماراتية نوعا من سحب السيولة نحو المنطقة الاوروبية من جديد، خصوصاً في ظل برنامج التيسير الكمي الاوروبي هذا بالإضافة الى ان استمرار انخفاض اسعار النفط لازال يشكل خطراً على معدلات النمو حول العالم وحتى في المنطقة العربية التي تعتمد بشكل اكبر على اسعار النفط.

وأما في دبي فالأمر قد يكون مختلفاً لان ميزانية الإمارة تعتمد على انفاق المستهلكين وليس على ايرادات النفط، لذلك في ما لو استمر الطلب العالمي في الانخفاض، فمن الممكن ان يؤدي ذلك ايضاً الى انخفاض الاستهلاك في الامارات ايضاً.«