توقعت وكالة «ستاندرد آند بورز لخدمات التصنيف الائتماني» أن يواجه القطاع المصرفي في الدولة خلال العامين الجاري والمقبل، صعوبات لا ترتقي إلى مستوى التحديات، على نحو يؤثر على معدلات ربحيتها وعوائدها، وموازناتها المالية مؤكدة أن البنوك الإماراتية قادرة على تجاوز المصاعب. كما توقعت أن يتراجع نمو أرباح بنوك الامارات ما بين 5 - 6% في 2015 بفعل الضغوط التي تشكلها تحديات الاقتصاد الكلي.
وأوضحت - في تقرير صادر عنها حول أداء القطاع المصرفي في الإمارات - أن هذه المصاعب سيكون لها تأثيرات طفيفة على مجمل ادائها، بحيث لا تحقق نفس قوة الأداء التي حققتها خلال العام 2014، لكنها لن تكون في وضع الأزمة التي عانت منها في 2009. مشيرة إلى أن مخاطر خفض تصنيفاتها الائتمانية للمصارف الإماراتية محدودة، وارجعت أسباب ذلك إلى أن هذه المصارف عملت على تعزيز التمويل، وجودة الأصول، والرسملة لديها بشكل كبير خلال السنوات القليلة.
نمو اقتصادي قوي
وقيم تقرير الوكالة أداء المصارف خلال العام الماضي بأنه تميز بالجودة بالنسبة للمصارف الخاضعة لتصنيفها، حيث قدرت نمو الأرباح على مدى العام بأكمله بأنه بلغ 22%، مدعوماً بنمو اقتصادي بلغ 4.5%، وأشار التقرير إلى أن انخفاض الخسائر الائتمانية ساهم بقوة في النمو في العامين 2013 و2012، مع مواصلة البنوك استرداد مبالغ كبيرة على قروضها المتعثرة. وتحسن جودة الأصول نتيجةً لارتفاع الدورة الائتمانية للشركات، وانتعاش أسواق العقارات والأسهم المحلية، وارتفاع قيمة الضمانات المحتفظ بها لدى البنوك.
ومحافظة نمو الودائع في النظام المصرفي على قوته نتيجةً لارتفاع ودائع الحكومة الإماراتية وودائع القطاع العام بموازاة التدفقات الصحية لإيرادات النفط، مع قيام البنوك برفع مخصصاتها من الأصول السائلة.
وفي مقابل هذا الأداء الجيد للمصارف خلال العام 2014، توقع تقرير الوكالة أن تواجه المصارف الإماراتية تحولاً في الظروف التشغيلية التي من المرجح أن تؤدي إلى تراجع في الأداء. بعد عدة سنوات من التحسن في جودة الأصول، والانخفاض في خسائر القروض، وارتفاع الأرباح بدعم من المكاسب التي تم جنيها بفضل ارتفاع أسعار النفط.
أسعار النفط
واعتبر التقرير أن تراجع أسعار النفط يشكل أحد العوامل الرئيسية الضاغطة على أداء المصارف الإماراتية، حيث انخفضت أسعار النفط العالمية في الأشهر الستة الماضية، مشيراً إلى أنه من المرجح أن تظل أسعار النفط ضعيفة نسبياً خلال العامين 2015 و2016. كما أنه من المرجح أن يتباطأ النمو الاقتصادي في الإمارات خلال العامين المذكورين نظراً لدور هذه السلعة في اقتصاد منتجي النفط الرئيسيين وتوقع التقرير استمرار تقلب أسواق الأسهم الإماراتية، وإجراء تصحيح إلى حد ما في سوق العقارات السكنية بعد عامين من التوقعات بارتفاع حاد في الأسعار – ولكنه أشار أنه ليس هناك ثمة ما يشير إلى أزمة جديدة كالتي حدثت في دبي في العام 2009.
وأعرب واضعو التقرير عن اعتقادهم بأن دولة الإمارات لديها المرونة لاستيعاب انخفاض الأسعار خلال العامين المقبلين، نظراً لقوة وضعها المالي. لذلك، استبعدوا حدوث تغيير كبير في أهداف الاستثمار والإنفاق لدى كل من حكومتي دبي وأبوظبي في هذه المرحلة على مدى عام أو عامين مقبلين، وذلك وعلى الرغم من انخفاض هذه الأسعار إلى ما دون السعر العادل للنفط بكثير بالنسبة لدولة الإمارات.
الأسواق العقارية
وقدر معدو التقرير بأن التصحيح المحتمل للأسعار في الأسواق العقارية في دولة الإمارات سيكون له تأثير أقل بكثير على البنوك مما كان عليه في العام 2009. وتوقعوا تراجعاً في أسعار العقارات السكنية هذا العام، لاسيما في السوق الثانوية، نظراً للتوقعات الخاصة بحدوث تباطؤ اقتصادي، مما سيؤدي إلى تراجع الطلب. وأرجع التقرير أسباب محدودية تأثير الحركة التصحيحية على المصارف إلى أن انخفاض الأسعار لن يكون بمستويات كبيرة، إلى جانب اعتماد المطورين ميزانيات عمومية أقوى بكثير بالمقارنة مع أوضاعهم المالية في العام 2009.
وتوقع التقرير أن تشهد أسواق الأسهم تواصلاً في ارتفاع التقلبات على الرغم من أن تعرض البنوك للأسهم المباشرة هو بالحد الأدنى وأن لمعظمها توجيهات تتطلب التعرض للإقراض ذي الصلة بسوق الأسهم، وأرجع واضعو التقرير اعتقادهم بأن بعض الديون المستحقة ستأتي على الأرجح من هذا القطاع.
النمو الائتماني
وفي هذا السياق، توقع التقرير انخفاض النمو الائتماني في العام 2015 إلى ما بين نحو 7%-8%، مقارنةً بإجمالي نمو الأصول البالغ 15% في العام 2014 لدى البنوك. ورجح التقرير أن تتبنى البنوك في دولة الإمارات موقفاً أكثر تحفظاً تجاه إقراض القطاع الخاص ولاسيما قطاع التجزئة، مما سيؤدي إلى انخفاض نسبي في نمو الإقراض. مع توقع محافظة الإقراض للمشاريع المرتبطة بالحكومة على قوته.
نمو الودائع
توقع التقرير تباطؤا في نمو الودائع في العامين 2015 و2016 نظراً لانخفاض ودائع الحكومة وودائع القطاع العام. حيث يبلغ متوسط الوزن النسبي لهذه الودائع من إجمالي ودائع المقيمين لدى البنوك المصنفة في الإمارات ما بين 28%-29% منذ العام 2000 مدعوماً بإيرادات النفط.
وقدر التقرير أن نمو الودائع بقوة أكبر من النمو الائتماني ساهم في تعزيز أوضاع التمويل بشكل ملوس لدى البنوك في دولة الإمارات منذ العام 2009 وحتى الآن، مشيراً إلى أنه من المرجح وصول إجمالي صافي أصوله الخارجية إلى ما بين نحو 21.5 مليار دولار أمريكي في نهاية العام 2008 ووصول صافي أصوله إلى 9.3 مليارات دولار أمريكي بتاريخ 30 سبتمبر 2014. وتوقع أن يبقى هذا الهامش القوي بأن تكون البنوك قادرة على التعامل مع الظروف الصعبة القادمة خلال العامين 2015 و2016.
إعادة تعديل التوقعات بسبب تراجع النفط
قال تيموشين إنجن المحلل الائتماني في ستاندرد آند بورز: «نرى أن 2015 سوف يكون عاماً مختلفاً عن سابقه، نتيجة انخفاض أسعار النفط، بشكل قاد إلى إعادة تعديل التوقعات الخاصة بالنمو الاقتصادي في دولة الإمارات، حيث بات من المتوقع أن ينخفض هذا النمو بشكل طفيف عن معدله في العام 2015، وإن كان تميز الاقتصاد الإماراتي بدرجة عالية من التنويع الاقتصادي، بالمقارنة مع الدول الخليجية الأخرى، سوف يسهم في الحد من الانعكاسات السلبية لتراجع أسعار النفط». وتابع بقوله: تميز نمو حجم الودائع لدى المصارف بالقوة خلال السنوات القليلة الماضية، نتيجة لارتفاع أسعار النفط التي أثرت بشكل كبير على نمو الودائع المصرفية.
حيث إن الودائع الحكومية وودائع الشركات الحكومية تشكل تقليدياً نسبة قوامها 12% من إجمالي حجم الودائع المصرفية، ومع تراجع أسعار النفط، فإنه من غير المتوقع أن تشهد الودائع المصرفية انخفاضا حاداً، وإن كان من المتوقع أن تتراجع الودائع بشكل طفيف خلال العامين المقبلين، وهو ما سوف ينجم عن التراجع الطفيف في حجم الودائع الحكومية وودائع الشركات الحكومية بسبب الضعف الحالي في أسعار النفط، ما سوف يؤثر على قيمة الإيرادات النفطية.
شهية الإقراض
واستدرك: لكن العامين الحالي والقادم سيشهدان صعوبات تؤثر على أداء المصارف، فمن المتوقع أن تتباطأ وتيرة نمو الائتمان الذي سجل خلال العامين الماضيين معدلاً في حدود 12%، بيد أنه من المتوقع خلال العام الجاري أن ينخفض هذا المعدل إلى 7.8%، نتيجة للتوقعات الخاصة بتراجع شهية المصارف لإقراض شركات القطاع الخاص، وتزايد نهجها التحفظي في إقراضها لهذا القطاع، خاصة فيما يتعلق بشركات التجزئة، وإن كانت هذه الشهية ستظل مفتوحة على إقراض الشركات الحكومية.
وأضاف: من المتوقع أن تكون المصارف خلال العامين المقبلين أكثر انتقائية في تسعير قروضها للشركات، وهذا ليس معناه أن أسعار الفائدة على القروض سوف تشهد ارتفاعات ضخمة، ولكن المصارف ستكون أكثر اهتماما بإقراض الشركات التي تتمتع بموقع ائتماني قوي. وتابع: لا نتوقع هبوطاً حاداً في الودائع المصرفية خلال العام الجاري ولكن من المتوقع أن تتراجع عن المستويات التي سجلتها خلال الأعوام القليلة الماضية، ويعد هذا التراجع الطفيف محصلة طبيعية لانخفاض أسعار النفط.
القروض الرديئة
وقدر ان تشهد القروض الرديئة ارتفاعات طفيفة في معدلاتها بعدما تمكنت المصارف من التعافي منها بشكل كبير. وقال: أعتقد أن الصعوبات التي من المتوقع أن يواجهها القطاع المصرفي خلال العامين الجاري والمقبل، ليست بنفس حدة الصعوبات التي واجهها سابقا، فرغم مواجهة المصارف في هذه المرة بعض الصعوبات، إلا أنه ما زالت هناك الكثير من المقومات الداعمة للنمو، يبرز من بينها، استمرار النمو الاقتصادي، وتواصل نمو كل من القطاع العقاري واسواق الأسهم المحلية، فضلاً عن مواصلة المصارف تسجيل معدلات نمو صحية، وهو ما انعكس على نمو الائتمان المصرفي خلال العام 2014 بنسبة بلغت 11%.
قوة الشركات
أعرب واضعو التقرير عن اعتقادهم بأن الشركات في دولة الإمارات تتمتع بمزيد من القوة الآن، مما سيساعد النظام المصرفي في تجنب أي تدهور ملموس في جودة الأصول خلال العامين المقبلين. على غرار ما حدث خلال عامي الأزمة 2009 و2010 حيث كانت مُعرضة لكيانات مرتبطة بالحكومة عالية المديونية في دبي، بالإضافة إلى تعرض البنوك لقطاع العقارات. مع ذلك، عملت الكيانات المرتبطة بالحكومة على مدى السنوات القليلة الماضية على تعزيز أوضاعها المالية العامة نتيجةً لتحقيقها تدفقا نقديا كبيرا، مع انتعاش قطاعات مثل قطاع التجزئة.
