قال خبراء ومصرفيون: إن السيولة القوية التي تتمتع بها البنوك الوطنية في الدولة تجعلها مستعدة وفي موقف قوي للتوافق مع متطلبات اتفاقية بازل 3 متوقعين في الوقت نفسه أن تواصل مصارف المنطقة العمل على تحسين مستويات السيولة لديها، من خلال إصدار أدوات ائتمانية من الدرجة الأولى، بهدف تنويع مصادر التمويل لديها..
والحد من درجة اعتمادها على الاقتراض بين المصارف، وذلك أثناء التطبيق التدريجي لبنود الاتفاقية التي من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ بشكل نهائي في جميع دول العالم 2019.
وتوقع الخبراء أن تطبق معظم المصارف المركزية الخليجية معايير بازل 3 بحلول نهاية العام الجاري وأن يؤدي التوافق مع الاتفاقية إلى دعم الاستقرار المالي والنمو على المدى الطويل في القطاع المصرفي.
وبالرغم من اقتراب تطبيق بنود بازل 3 على مستوى العالم، تبقى السلطات التشريعية المالية في الدول متفاوتة من حيث جاهزيتها وسرعتها ومدى قدرتها على الالتزام ببنود الاتفاقية، بالإضافة إلى تفاوت التحديات التي ستواجهها البنوك في دول العالم.
ثلاث ركائز
وتعتمد بازل 3 في تطبيقها على ثلاث ركائز أساسية تحدد الأولى منها المتطلبات الدنيا لرأس المال بحيث لا يقل إجمالي معدل رأس المال عن 8% وألا يتجاوز الشريحة الثانية من رأس المال نسبة 100% من الشريحة الأولى لرأس المال.
وتختلف بازل 3 عن سابقتها بازل 2 في أن الأخيرة تركز بشكل رئيسي على متطلبات رأس المال اللازمة لتغطية المخاطر المحتملة للإقراض بحيث تكون تلك المتطلبات 2.5% من نسبة رأس مال البنك إلى مخاطره أو ما يعرف بـ«نسبة كفاية رأس المال».
في المقابل تتطلب بازل 3 أن تكون نسبة كفاية رأس المال هي 7% على الأقل بحسب نوع القرض والبنك. وأما الركيزة الثانية فتتعلق بمراقبة الميزانية العمومية للبنوك لرصد حركة الإقراض بالمقارنة مع رأس ماله. وأما الركيزة الثالثة وهي الأهم فتركز على متطلبات السيولة.
وتأتي اتفاقية بازل 3 كردة فعل للأزمة المالية العالمية الأخيرة، بهدف التركيز على جودة رأس المال ونوعية وكمية السيولة والرافعة المالية للحيلولة دون وقوع أزمة مالية أخرى. وتبرز في هذه الآونة مخاوف حول تطبيق تلك الاتفاقية تتعلق باحتمال أن تؤدي الاتفاقية إلى تقليص الإقراض المتاح والمشاريع الصغيرة والمتوسطة..
وارتفاع تكلفة تمويل التجارة، فضلاً عن أن المشرعين في الكثير الدول لم يعلنوا بعد عن صيغتهم المحلية لبنود الاتفاقية. وتركز توصيات الاتفاقية أيضاً على الاستعداد المستمر للأصول السائلة لمواجهة أزمات السيولة المحتملة. أي أن هنالك المزيد من المتطلبات التي على البنوك مراعاتها لاختبار مكانتها في السوق.
ثلاثة أسباب
ويتوقع محمد دمق، المحلل الائتماني في وكالة «ستاندرد آند بورز» أن يكون تأثير اتفاقية بازل 3 على نوعية رأس المال في المصارف الإسلامية محدوداً وذلك بفضل الموقف القوي للسيولة في المصارف الإسلامية. ويضيف دمق: «لم يعلن مصرف الإمارات المركزي بعد عن ضوابطه الخاصة باتفاقية بازل 3، ولذا فمن من الصعب تحديد التأثير المحتمل للاتفاقية على القطاع المصرفي في الإمارات وخصوصاً المصارف الإسلامية».
وأضاف: لكننا نعتقد أن تأثير بازل 3 سيكون محدوداً لثلاثة أسباب: أولاً لأن رأس مال المصارف الإسلامية في الدولة يتراوح من كاف إلى جيد، ما يعني أنها ستكون بحاجة لزيادة رافعتها المالية على الأغلب لدعم رأس المال بحسب متطلبات بازل 3. وثانياً، لأن المصارف الإسلامية في الدولة لا تستخدم المشتقات (التي من المرجح أن ترفع من معدلات رأس المال المطلوبة) وثالثاُ، لأن معدلات السيولة في المصارف الإسلامية كافية ..
ولكن توافقها مع «معدلات تغطية السيولة» سيعتمد على الضوابط والنسب التي لم يحددها المصرف المركزي بعد.« وأضاف دمق أن بازل 3 تنوي إلى رفع نسب رأس المال في البنوك بهدف تحسين نوعية الرسملة في البنوك وبالتالي زيادة مرونة الصناعة المصرفية مقابل الأزمات المحتملة. ووجود قطاع مصرفي متين ومرن في الإمارات بلا شك يدعم النشاط والنمو الاقتصادي في الدولة.
توافق متوقع
وقال سامح فؤاد، المدير في صن غارد الشرق الأوسط المتخصصة في قطاع البرمجيات والخدمات التقنية: إنه لم تصدر بعد اللوائح والقوانين المتعلقة بالاتفاقية بشكل رسمي من مصرف الإمارات المركزي ولكن من المتوقع أن تكون متوافقة إلى حد بعيد مع توصيات ومقررات لجنة بازل حول اتفاقية بازل 3.
وأضاف: نتوقع أن يكون لتلك الاتفاقية تأثير على مكونات رأس المال في البنوك، إضافة إلى نسبة كفاية السيولة والرافعة المالية المطبقة على الإقراض، وتحظى البنوك الإماراتية بشكل عام بهيكل مالي قوي وتتمتع بمعدلات سيولة عالية، ولهذا من غير المرجح أن تحدث المقررات الجديدة تغييرات كبيرة في آلية عمل البنوك. ولفت فؤاد أنه بالرغم من اقتراب تطبيق بنود بازل 3 على مستوى العالم..
ما تزال السلطات التشريعية المالية في الدول متفاوتة من حيث جاهزيتها وسرعتها ومدى قدرتها على الالتزام ببنود الاتفاقية، بالإضافة إلى تفاوت التحديات التي ستواجهها البنوك في دول العالم، خصوصاً وأن بازل 3 تتطلب رفع نسبة كفاية رأس المال التي تغطي الإقراض من 2.5% إلى 7%.
الاستثمار التقني
ولفت فؤاد إلى أن الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة يسهم في الحصول على حلول فاعلة تساعد البنوك على القيام اختبارات الجهد المصرفي بدقة أكبر وبوتيرة أعلى وعلى مستويات مختلفة. وأضاف: بحكم خبرتنا، وجدنا أن هناك العديد من البنوك التي تعتمد على جداول الاكسل التقليدية لإدارة رأس المال والقيام باختبارات الجهد.
ولن يكون ذلك كافياً للامتثال للتوصيات التي من المتوقع أن يصدرها المصرف المركزي لدولة الإمارات في النصف الثاني من العام. يتعين على بعض البنوك أن تستثمر في تقنيات أحدث للاستفادة المثلى من رأس المال والسيولة ولاسيما تلك التي تعطي عوائد قليلة. ومن خلال التركيز على جانب التقنيات الحديثة ستكون البنوك في وضع يؤهلها لتحقيق التوصيات والمقررات المتوقعة.
تحديات
وأشار فؤاد إلى أن بازل 3 قد تبرز كتحد أمام البنوك الإماراتية في نشاط تمويل المشاريع، باعتبار أن أصول المشاريع عادة لا تحظى بأسواق ثانوية، أي أن لديها معدلات سيولة أقل ..
وبالتالي سيكون من الصعب الالتزام بمتطلبات الأصول السائلة بموجب توصيات بازل3. أي بمعنى آخر سيتجسد تأثير هذه المقترحات بشكل أكبر لدى البنوك التي تركز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة. ولفت فؤاد إلى أن البنوك العاملة في الدولة ستكون أيضاً في حاجة لتطوير أدوات لخدمة سوق الدين المحلي وذلك تلبية لاحتياجات بازل 3 المتعلقة بمعدلات السيولة.
وأضاف: بما أن معظم أسواق الدين المحلية في المنطقة لاتزال في خطواتها الأولى فسيكون صعباً على البنوك أن تحتفظ بأدوات سيولة عالية الجودة لدعم سيولتها الوقائية ضد أي مؤشرات ضغط أولية بحسب متطلبات «بازل 3»، وسيساعد كثيراً تأسيس سوق دين محلي نشط في الإمارات.
الشركات المتوسطة والصغيرة
ويتخوف بعض المحللين من أن تطبيق بنود اتفاقية بازل 3 قد يزيد من تكلفة القروض على الشركات الصغيرة أو يضع المزيد من العوائق في وجه تلك الشركات، كالحد من أدوات التمويل المتاحة أمام تلك الشركات. حيث تشير دراسات حديثة إلى أن الحصة المخصصة لتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة لدى البنوك ومؤسسات التمويل في الإمارات لا تتجاوز 5% على الرغم من أن تلك الشركات تشكل العمود الفقري للاقتصاد في الدولة ولذلك تلجأ تلك الشركات إلى حلول التمويل الشخصي على الرغم من أن تكلفته عالية جداً.




