توقع مسؤولو الصناديق السيادية في جميع مناطق العالم، زيادة مخصصاتهم الاستثمارية لدول منطقة الشرق الأوسط، باستثناء المناطق الغربية التي يتوقع مسؤولو الصناديق السيادية فيها انخفاض استثماراتهم في الشرق الأوسط خلال عام 2014. حيث كشفت دراسة جديدة، شملت أكثر من 50 صندوقاً سيادياً حول العالم، يمثلون ما قيمته 5.7 تريليونات دولار من الأصول، النقاب عن أن الأسواق الصاعدة، بما فيها أسواق أميركا اللاتينية وأفريقيا والصين، تواصل الاستئثار بحصة كبيرة من التدفقات الرأسمالية للصناديق السيادية العالمية. رغم تفضيل هذه الصناديق بشكل أساسي للاستثمار في الأسواق المتقدمة.
وأفاد المشاركون في استبيان الدراسة، أن الصناديق السيادية عموماً، وتلك التابعة لدول الشرق الأوسط بصفة خاصة، تحبِّذ الاستثمارات البديلة التي خصصت المزيد من الأموال لجميع فئات أصولها، بما فيها الأصول العقارية وأصول الشركات الخاصة. وتستقطب منطقة الشرق الأوسط بصفة خاصة تخصيصات أصول استثمارية قوية ومتزايدة.
ونشرت شركة إنفيسكو أمس دراستها السنوية المتعمِّقَة الثانية حول إدارة أصول صناديق الثروات السيادية العالمية، تحت عنوان «إنفيسكو جلوبال سوفيرين أسّيت مانَجمنت ستَدي». وترصد الدراسة بدقة السلوك الاستثماري المُعَقَّد للمستثمرين السياديين حول العالم، بما فيها الصناديق السيادية لدول الشرق الأوسط، لتوفر بذلك إطار عمل يساعد في معرفة توجهات الأفضليات الاستثمارية لتلك الصناديق.
تفوق المنظور الاستراتيجي
ويُبرز تحليل بيانات الدراسة، أننا نستطيع أن نعزو هذه التحولات في التوزيع الجغرافي وفئات الأصول، إلى تفوق المنظور الاستراتيجي لتوزيع الأصول على المنظور التكتيكي في التأثير في الاستراتيجيات الاستثمارية وصنع القرارات الاستثمارية للصناديق السيادية العالمية. ومن أبرز العوامل التي أدت إلى ذلك، توقع تلك الصناديق لحصولها على تمويلات جديدة..
حيث توقع قرابة نصف تلك الصناديق (46 % من الصناديق العالمية و54 % من صناديق دول الشرق الأوسط)، الحصول على تمويلات جديدة عام 2014، تفوق مستويات التمويل التي حصلت عليها عام 2013، ما يترك تأثيراً واضحاً على التدفقات العالمية لرؤوس الأموال.
الاستثمارات البديلة
وواصلت الاستثمارات البديلة الاستئثار بحصة كبيرة من مخصصات الاستثمار الجديدة في أصول المحافظ الاستثمارية للصناديق السيادية، ما يعكس استمرار التوجهات الاستثمارية التي رصدتها دراسة عام 2013. وتفيد تصريحات مسؤولي الصناديق الاستثمارية المشاركين في الاستبيان، بأن 51 % منهم عززوا حصص الأصول العقارية في محافظهم الاستثمارية، وأن 29 % منهم عززوا حصص أصول الشركات الخاصة في تلك المحافظ.
ويتوقع أولئك المسؤولون تعزيز حصص جميع الفئات الرئيسة للاستثمارات البديلة في محافظهم الاستثمارية عام 2014، مقارنة مع عام 2013، بما فيها الأصول العقارية، وأصول الشركات الخاصة، وشركات البنى التحتية، وصناديق التَّحَوُّط وشركات السلع الأساسية.
وخصصت بعض الصناديق السيادية في الشرق الأوسط 83 % من استثماراتها لأصول الشركات الخاصة عام 2014، مقارنة مع 60 % عام 2013، بينما خصصت صناديق أخرى 100 % من تلك استثماراتها للأصول العقارية، مقارنة مع 67 % عام 2013.
ويشير تحليل نتائج الدراسة إلى أن استمرار إقبال الصناديق السيادية على الاستثمارات البديلة يعبّر عن توجه هيكلي يعود سببه إلى تبني المنظور الاستراتيجي لتخصيص الأصول، بدلاً من التحول قصير الأمد الناجم عن تبني المنظور التكتيكي الهادف إلى تعزيز العائدات على المدى القصير.
أسباب التوجهات الجديدة
ويعود السبب الأول لهذا الإقبال، إلى أن حصة الاستثمارات البديلة في المحافظ الاستثمارية للعديد من الصناديق السيادية، لا تزال أدنى من حصص غيرها من الأصول الاستثمارية، مقارنة مع الأهداف الاستراتيجية لعملية تخصيصها للأصول. ويذكر أن هذه الصناديق رفعت استثماراتها التي تستهدف الاستثمارات البديلة على امتداد السنوات الخمس الأخيرة، من دون أن تبلغ المستويات التي استهدفتها. و
يعود السبب الثاني إلى توقع العديد من الصناديق السيادية (46 %)، ارتفاع مستويات تمويلها عام 2014، مقارنة مع عام 2013.
وتنتشر تلك التوقعات بشكل أقوى في أوساط مسؤولي الصناديق السيادية لدول الشرق الأوسط، حيث توقع 54 % منهم ارتفاع تلك المستويات عام 2014، مقارنة مع عام 2013. ويشجع أي ارتفاع كبير في الأصول على استثمار المزيد بمنظور استراتيجي، لأن استثمارها بمنظور تكتيكي قد ينتهك أنظمة العمل الداخلية للصناديق.
أما السبب الثالث لضرورة اعتبار تنامي إقبال الصناديق على الاستثمارات البديلة ناجماً عن تبني منظور استراتيجي للاستثمار بدلاً من المنظور التكتيكي، فيعود إلى حقيقة تردي أداء الاستثمارات البديلة خلال هذه الفترة.
حيث أفاد مسؤولو تلك الصناديق أن متوسط عائدات تلك الاستثمارات بلغ 7 % عام 2013، مقارنة مع العائد المستهدف، والبالغ 8 %، ما يشير إلى أن سبب تفضيلهم لزيادة حصة تلك الاستثمارات في محافظهم الاستثمارية، يعود إلى قرار استراتيجي طويل الأمد، وليس إلى قرار تكتيكي.
الفوائض النقدية
وفي سياق تعليقه على نتائج الاستبيان، قال نيك تولشارد رئيس شركة إنفيسكو الشرق الأوسط والرئيس المشارك لمجموعة إنفيسكو للصناديق السيادية العالمية: «يستفاد من تدني عائدات الاستثمارات البديلة خلال الفترة التي ارتفعت فيها مخصصات الاستثمار في أصولها، أن الاعتبارات الاستراتيجية هي التي تدفع بمسؤولي الصناديق الاستثمارية العالمية إلى زيادة مخصصات أصول الاستثمارت البديلة وتغليبها على الاعتبارات التكتيكية.
وتعتبر الزيادة المتوقعة في التمويلات الجديدة للصناديق هذا العام والناجمة عن ارتفاع الفوائض النقدية للدول المعنية والدعم القوي الذي تحصل عليه من حكوماتها، من العوامل الرئيسة الأخرى التي تفسر تفضيل الصناديق للاستثمارات البديلة. ويعود السبب الرئيس في هذا التفضيل إلى أن الكثير من الصناديق السيادية عموماً..
وتلك التي تناهز قيمة أصولها 50 مليار دولار أميركي بصفة خاصة، يعتقد أن تخصيص أصول للاستثمارات البديلة والأسواق الصاعدة يحتاج إلى المزيد من الوقت لكي يبلغ المستويات التي تم استهداف الوصول إليها قبل خمس سنوات».
التوزيع الجغرافي
ووِفقاً لما أشارت إليه دراسة عام 2013، واصلت الأصول الجديدة لتلك الصناديق التدفق إلى الأسواق الصاعدة في أميركا اللاتينية وأفريقيا والصين والهند وسائر الأسواق الآسيوية الصاعدة عام 2013،.
ومن المتوقع أن تواصل الارتفاع في عام 2014. ويسود هذا التوجه في أوساط الصناديق السيادية لدول الشرق الأوسط أيضاً، حيث توقع 67 % من مسؤولي تلك الصناديق، زيادة مخصصاتهم لأسواق دول أميركا اللاتينية عام 2014 (40 % عام 2013)، وتوقع 50 % منهم زيادتها لأسواق الدول الأفريقية (40 % عام 2013)، كما توقع 60 % منهم زيادتها للسوق الهندي (43 % عام 2013).
وعلى غرار ما يتعلق بالاستثمارات البديلة، يبدو أن هذا التوجه مدفوع باعتبارات استراتيجية لتخصيص الأصول. وتشير معلومات مسؤولي الصناديق السيادية إلى أن حصص مخصصاتهم للاستثمار في الأسواق الصاعدة تقل عن أهدافهم الاستراتيجية لتخصيص الأصول، ما يمنحها المزيد من المرونة لزيادة استثماراتها الجديدة في المناطق الأخرى. ولا يبدو أن هذا التوجه الهيكلي طويل الأمد إلى الأسواق الصاعدة قد تأثر بحقيقة تردي أداء أسواق الأسهم الصاعدة خلال عام 2013.
حالات استثنائية
وهناك بعض الاستثناءات في الحالات التي تم فيها تبني استراتيجيات تكتيكية لتخصيص الاستثمارات، مثلما حدث في دول أوروبا الشرقية وروسيا. وهذه هي الأسواق الصاعدة الوحيدة التي انخفضت حصة مخصصاتها الاستثمارية، وفقاً لمسؤولي الصناديق السيادية العالمية عام 2013، والذين يستبعدون ارتفاع مخصصاتها عام 2014، فيما يعود سببه بصورة أساسية لعدم الاستقرار السياسي.
إلا أنه في الوقت الذي يتمثل فيه التوجه الرئيس للتوزيع الجغرافي للمخصصات الاستثمارية في تحول استراتيجي إلى الأسواق الصاعدة، وسط توقعات بارتفاع مخصصاتها عن مستوياتها الراهنة، يبدو أن هذا التطور يحدث على خلفية تفضيل تاريخي لحصة الأسواق المتقدمة بالنسبة لإجمالي قيمة المحافظ الاستثمارية.
ويتوقع العديد من مسؤولي الصناديق السيادية المشاركين في الاستبيان، استمرار بقاء مخصصاتهم للاستثمار في الأسواق الصاعدة عند مستوياتها المنخفضة الراهنة، محسوبة على أساس نسبتها إلى إجمالي النواتج المحلية للدول المعنية. وحتى في ظل استثناء مخصصات الأسواق المحلية للصناديق السيادية من الحساب، نرى أن تلك الصناديق خصصت ما متوسطه 56 % من أصول محافظها الاستثمارية للأسواق المتقدمة.
تباين نسب الجاذبية
ويبدو أن متوسط تصنيف الأداء الاقتصادي للأسواق الصاعدة والمتقدمة متشابه إلى حد كبير. إلا أن هناك اختلافاً ملحوظاً في إجمالي جاذبية كل من تلك الاقتصادات في نظر الصناديق السيادية، حيث تتراوح نسبة تلك الجاذبية بين 4.9 % بالنسبة للهند، و7.2 % بالنسبة لألمانيا، 7.4 % بالنسبة للملكة المتحدة. ومن اللافت أن نسب جاذبية تلك الاقتصادات للصناديق السيادية أدنى نسبياً من جاذبية الفرص الاستثمارية التي يوفرها القطاع الخاص الأميركي..
وأعلى بالنسبة للاستثمار في المملكة المتحدة، ما يؤدي لاعتبار أسواق المملكة المتحدة الأكثر جاذبية لاستثمارات الصناديق السيادية على مستوى العالم. كما أن نسبة جاذبية السوق الألماني بدت قوية، وجاء تصنيفها الأعلى عالمياً بالنسبة للأداء الاقتصادي والفرص التي يوفرها القطاع الخاص الألماني، ولكن تصنيفها من حيث جاذبيتها لاستثمارات الصناديق السيادية كان أدنى نسبياً.
وقال نيك تولشارد: «لا تزال تلك الصناديق تفضل بقوة الاستثمار في الأسواق المتقدمة، بسبب عمق واستقرار وتنوع مزايا تلك الأسواق. وتكتسب تلك المزايا أهمية خاصة في نظر الصناديق السيادية القائمة في الأسواق الصاعدة والناشئة. وتحدد عوامل عدة، التوزيع الجغرافي لاستثمارات الصناديق السيادية عموماً، وبصفة خاصة عوامل الاستقرار السياسي..
ومدى انفتاح الدول المعنية على استثمارات تلك الصناديق، وقوة حقوق المساهمين في شركاتها، ومستوى الملكية الفردية فيها، ومدى قوة علاقاتها مع الأجهزة الحكومية. ويمكننا أن نعزو سبب قوة الجاذبية الاستثمارية للمملكة المتحدة إلى استقرارها السياسي والاقتصادي، وانفتاحها على الاستثمارات الأجنبية، كما أنها تجتذب الصناديق السيادية، بفضل فرص الاستثمارات البديلة التي توفرها أسواقها».
بنية تحتية
أفاد مسؤولو الاستثمار المشاركون في الاستبيان، أن الاستثمار في أصول شركات مشاريع البنى التحتية حظي بإقبال ملحوظ، حيث أكدوا أنهم رفعوا حصة تلك الفئة من الأصول من 22 % عام 2012 إلى 47 % عام 2013. وتوقع أولئك المسؤولون ارتفاع مخصصات تلك الأصول مجدداً عام 2014،..
حيث توقع 53 % منهم زيادة تلك المخصصات عام 2014، مقارنة مع عام 2013، نظراً لاستمرار تراجع عائدات الاستثمار العقاري، بالتزامن مع استمرار ارتفاع الطلب العالمي على العقارات. ويبدو أن هذا التوجه أقوى في أوساط الصناديق السيادية لدول الشرق الأوسط بصفة خاصة، حيث إن 100 % منها تتوقع ارتفاع مخصصاتها للاستثمار في البنى التحتية العالمية عام 2014، مقارنة مع 50 % منها زادت تلك المخصصات عام 2013.
إقبال على المخاطر والاستثمار طويل الأجل
تشير أفضليات الصناديق السيادية من حيث توزيعها الجغرافي لمخصصات أصولها، إلى تنامي إقبالها على تحمل المخاطر والاستثمار طويل الأجل، وتراجع تركيزها على أسواقها المحلية. ففي عام 2012، عزا مسؤولو الصناديق السيادية، سبب زيادتهم لمخصصاتهم الجديدة للاستثمارات البديلة، إلى تراجع عائدات الأسهم والاستثمارات ثابتة الدخل عالمياً.
كما أن الصناديق التي زادت استثماراتها الجديدة في الأسواق الصاعدة، خفضت استثمارتها في الأسواق المتقدمة في المقابل. إلا أن هذه الديناميات تغيرت عام 2013، حيث قامت الصناديق التي زادت مخصصاتها للاستثمارات البديلة بتخفيض مخصصاتها للاستثمار في أسواقها المحلية أو الاستثمارات ثابتة الدخل أو النقدية، بدلاً من الاستثمارات ثابتة الدخل أو الأسهم العالمية. وأفاد مسؤولو الصناديق السيادية أن مخصصات الاستثمار في الأسواق المحلية والأسهم العالمية قد ارتفعت في الواقع.
تحمل
ورصدت الدراسة وجود زيادة في العائدات المستهدفة، وطول آجال الاستثمار في دراسة العام الجاري، تتماشى مع ازدياد الاستعداد لتحمل مخاطر الاستثمار في الأصول عالية المخاطر، مثل الأسهم. إضافة إلى ذلك، أشار مسؤولو الصناديق إلى أن الصناديق التي زادت استثماراتها في الأسواق الصاعدة عام 2013، خفضت استثماراتها في أسواقها المحلية، بدلاً من الأسواق المتقدمة، حيث خفضت 11 % من تلك الصناديق استثماراتها المحلية عام 2013.
وقال نيك تولشارد: «تشكل مخصصات الاستثمار في الأسواق المحلية عادةً نسبة مئوية معتبرة من المحافظ الاستثمارية للصناديق السيادية، وبلغ متوسطها لدى تلك الصناديق 42 % عام 2013، ما يجعل من هذا التوجه لعولمة الاستثمارات تغييراً مهماً. وإذا استمر انخفاض مخصصات الاستثمار في الأسواق المحلية..
فقد نشهد قيام الصناديق السيادية بزيادة مخصصاتها للاستثمار في الأسواق الصاعدة والمتقدمة على حد سواء. ويجدر بنا مواكبة هذا التطور في توجهات الصناديق السيادية خلال العام الجاري، ومدى تأثيره في التدفقات الرأسمالية العالمية».
تطور
وخلَص تولشارد إلى القول: «حيث إنه من المرجَّح أن تلعب الصناديق السيادية دوراً رئيساً في تشكيل معالم الاقتصاد العالمي على المدى المنظور، فمن الضروري أن نواصل رصد تطور توجهاتها الاستثمارية. ويتيح لنا إجراء هذه الدراسة سنوياً، القدرة على الحصول على تفهُّم أعمق للعوامل التي تقف خلف التدفقات الرأسمالية للصناديق السيادية.
وتشير النتائج التي خلصت إليها دراسة العام الجاري، إلى أن التفكير الاستراتيجي طويل الأمد يقف خلف التوجهات الاستثمارية قصيرة الأمد للصناديق الاستثمارية، وأن الاستثمار في الأسواق الصاعدة والاستثمارات البديلة أصبح تقليداً راسخاً في التخصيص الاستراتيجي لاستثمارات الصناديق السيادية، رغم قناعاتها عميقة الجذور، والتي لا تزال قائمة بالاستثمار في الأسواق المتقدمة. ونحن نعتقد أن مثل هذه المعلومات التي ثبت أنها لا تقدر بثمن لتفهُّم قطاع الاستثمار لتوجهات الصناديق السيادية عبر العالم، وتطوير الحلول المناسبة لتلبية مختلف احتياجاته».

