قيم خبراء ماليون أن الاقتصاد الإماراتي سيجني مكاسب جراء اكتساب الدولار الأميركي المزيد من القوة في مواجهة العملات الرئيسية في العالم، بالنظر إلى أن علاقة الربط القائمة بين الدرهم الإماراتي، والدولار الأميركي، قد مثلت أحد الأسباب المهمة لاستقبال الإمارات ودائع ضخمة خلال العامين الماضيين خصوصاً مع تصاعد عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في عدد من دول المنطقة، إضافة إلى أن الثبات النسبي في قيمة العملة، قد شكل عاملاً محفزاً في ارتفاع ودائع غير المقيمين، واجتذاب مستويات عالية من التدفقات الاستثمارية، إلى جانب استفادة أصول الدولة المقومة بالدولار من ارتفاع قيمها نتيجة لقوة الدولار.
وفي المقابل، رصد خبراء، امتلاك الاقتصاد الإماراتي محركات ذاتية محفزة على النمو، بمعزل عن مجريات الأوضاع الاقتصادية والمالية في الولايات المتحدة، ودللوا على ذلك بنجاح الاقتصاد الإماراتي في تسجيل معدلات نمو مرتفعة في ظل حالة الضعف التي اكتنفت أسعار صرف العملة الأميركية خلال الفترات السابقة، نتيجة لاتباع بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي سياسة التيسير الكمي..
ولإبقائه لمعدلات الفائدة عن مستوي الصفر، مما انعكس بالسلب على أسعار صرف العملة الأميركية في مواجهة العملات الرئيسية، وأكدوا أن الدولة قادرة على تنشيط كافة المحركات اللازمة لدفع عجلة النمو الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة، والمضي قدماً في تنفيذ مشاريعها الاستثمارية الضخمة. وتبدو الآفاق الهيكلية للدولار الأميركي أكثر إشراقاً الآن. بعد ضعفه الطويل خلال العقد المنتهي في العام 2012.
ويبدو بصفة خاصة أن جميع العوامل الرئيسية التي تسببت في ضعف الدولار الأميركي باتت تتحرك الآن في اتجاه أكثر مواتاة له. حيث نجحت الولايات المتحدة في تخفيض عجز حسابها الجاري، فيما يعود جانب كبير من أسبابه إلى طفرة إنتاج الطاقة الصخرية التي تخفض تكاليف استيرادها للطاقة.
وتسهم العودة إلى النمو الاقتصادي في تخفيض عجز الميزانية الأميركية وتعزيز الانتعاش الاقتصادي الذي وضع الولايات المتحدة الأميركية على مشارف أن تصبح أولى الاقتصادات العالمية الكبرى التي تلجأ إلى تشديد سياساتها النقدية بشكل فعال. وتدعم هذه العوامل الثلاثة توقعات تنامي قوة الدولار خلال الأعوام المقبلة.
وبناء على هذه الخلفية، تشير التحليلات إلى أنه من المتوقع أن يستفيد الاقتصاد الإماراتي من قوة الدولار في ظل الارتفاع المرتقب في أسعار الفائدة الأميركية نتيجة خفض برنامج التيسير الكمي الأميركي، حيث سترتفع قيمة العملة الإماراتية أمام العملات الأخرى مما يخفض تكلفة الواردات ويحافظ على قيمة الأصول الإماراتية المقومة بالدولار في الأسواق الخارجية، بما فيها السوق الأميركية.
أداء متميز
وفي هذا السياق، توقع توم ستيفنسون، مدير الاستثمار في دائرة الاستثمار الشخصي في شركة «فيديليتي وورلدوايد إنفِستمنت أن يستفيد الاقتصاد الإماراتي من تزايد قوة الدولار، مشيراً إلى أن الاقتصاد الإماراتي يعد ضمن الدول الأداء ذات الأداء المتميز في اقتصادات الأسواق الصاعدة خلال العامين الماضيين، أسوة باقتصاديات بقية الدول الخليجية..
مشيراً إلى أن هذا الأداء المتميز جاء في وقت صار فيه المستثمرون العالميون يدققون أكثر في اختيار اختياراتهم الاستثمارية، وتوقع أن يحصل اقتصاد الأمارات، شأنه في ذلك شأن بقية الاقتصاديات الخليجية، على دعم كبير بفضل قوة النمو البنيوي وزيادة الانفاق الحكومي على تنمية البنى التحتية والمجتمع. وأوضح ستيفنسون أنه من المتوقع أن يزداد الدولار الأميركي قوة، خاصة إزاء عملات دول الأسواق الصاعدة. كما أنه من المتوقع أن يستفيد الدرهم الإماراتي من تعاظم قوة الدولار على المديين القصير والمتوسط، أسوة بالعملات الخليجية الأخرى نظراً لارتباط معظمها بالدولار الأميركي.
وفي نصائح وجهها للمستثمرين في الأسواق الصاعدة، أشار ستيفنسون إلى أنه يتوجب على المستثمرين في تلك الأسواق انتهاج مقاربة انتقائية لأن الكثير من دول تلك الأسواق تواجه بعض التحديات الهيكلية..
وقال: حققت الأسواق المحلية أداء قوياً خلال العام الماضي نظراً لتحسن العوامل الأساسية لاقتصاداتها وتجدد اهتمام المستثمرين الأجانب بالاستثمار فيها.
ويعتبر إدراج 19 سهماً من أسهم دولة الإمارات العربية المتحدة وقطر في مؤشر مورجان ستانلي المُرَكَّب للأسهم MSCI للأسواق الناشئة هذا الشهر مؤشراً على مدى التطور الذي حققته هذه المنطقة خلال فترة قصيرة من الزمن، ولفت إلى أنه يتوجب على المستثمرين أن يدركوا أن هناك العديد من الأسواق الأخرى التي توفر عائدات أكثر قابلية للتوقع وتخفض مخاطر وضع جميع البيضات في سلَّة واحدة على حد قول المثل.
تزايد قيمة الأصول
وأوضح أن الأصول الإماراتية سوف يتزايد قيمتها نتيجة لارتفاع سعر صرف الدولار، وأشار إلى أن العديد من المستثمرين في دول مجلس التعاون الخليجي، يواجهون تحديات تتعلق بتنويع الأصول و(البحث عن عائدات). حيث يركزون بشكل متزايد على مجالات لطالما تجاهلوها سابقاً أمثال الأسهم الأميركية ودخل الأسهم والمحافظ الاستثمارية متعددة الأصول.
ولفت ستيفنسون إلى أن تزايد قوة الدولار، سيعزز السيولة المالية للقطاع المالي والمصرفي في الإمارات، بالنظر إلى أن هذا الارتفاع سيقود إلى تدعيم قيم الأصول المقومة بالدولار، الأمر الذي سيعزز إقبال المستثمرين على هذه الفئة من الأصول، وتقوية نظره المستثمرين إلى هذه الأصول بوصفها مخزناً آمناً للقيمة في مواجه حركة تقلبات الأسعار .
وعلى المنوال ذاته، قال الخبير المالي وضاح طه رئيس الاستثمارات في مجــــموعة الزرعوني إن استقرار الدرهم هو من أهم عوامل استقرار واستدامة النمو الاقتصادي في الدولة لافتاً إلى أن الربط الكلي للدرهم بمعدل ثابت ومستقر مع الدولار هو أمر خاضع للدورات الاقتصادية التي تحدث في الولايات المتحدة ما قد ينعكس سلباً أو إيجاباً على اقتصاد الدولة، من حيث ارتفاع تكلفة عمليات التصدير وإعادة التصدير خارج الدولة.
مقاومة الضغوط التوسعية
وأشار طه إلى أن تبني الولايات المتحدة سياستها النقدية التوسعية منذ الأزمة المالية العالمية في 2008 ، كان من بين العوامل التي دفعت مصرف الإمارات المركزي، إلى رفع أسعار الفائدة بالتوازي مع سياسة التيسير الكمي الأميركية، وهو ما أسهم في احتواء تسارع وتيرة نمو الائتمان المصرفي في القطاع الخاص في الدولة خصوصاً مع تسارع إيقاع نمو الاقتصاد الكلي في الإمارات.
وأضاف: كان ارتباط الدرهم بالدولار الأميركي ، سبباً مهماً في استقبال الإمارات ودائع ضخمة خلال العامين الماضيين خصوصاً مع تصاعد عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في عدد من دول المنطقة.
في المقابل فإن استقرار الوضع الاقتصادي في الدولة وإضافة إلى الثبات النسبي في قيمة العملة كان عاملاً في ارتـــفاع ودائع غير المقيمين. فحسب المركزي الإماراتي ارتفعت ودائع العملاء بنسبة 19% في نهاية 2012 بالمقارنة مع نفس الفترة من العالم الأسبق لتصل إلى 134.1 مليار درهم ثم عادت وانخفضت إلى 115 مليار درهم في عام 2013 قبل أن تعود وترتفع من جديد إلى 120 مليار درهم لتشكل 9.8% من إجمالي الودائع في القطاع المصرفي».
محركات نمو ذاتية
وفي الإطار ذاته، أعرب جوراف كاشياب رئيس قسم تداولات بورصة دبي للذهب والسلع لدى شركة الباري الشرق الأوسط، عن اعتقاده بأن عملة الدولار بصدد الدخول إلى مرحلة الصعود في مواجهة العملات الرئيسية في العالم، موضحاً أن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، يعد أول مصرف مركزي في العالم يطرح سياسات نقدية متشددة مدعومة بالمكاسب المتواضعة التي حققتها العملة الأميركية الخضراء حتي الآن، فضلاً عن مؤشرات الأداء اليومية لأسواق الأسهم الأميركية.
وقال كاشياب إنه لم يتسن بعد رؤية مختلف أبعاد تأثر الأسواق بتزايد قوة الدولار، كما أن الأسواق العالمية لم تشعر بشكل حقيقي بنتائج سياسات التشدد النقدي في الولايات المتحدة، حيث يهيمن تجنب المخاطر على معنويات الأسواق..
ولكن ستتجه الأسواق نحو الاستفادة من صعود سعر صرف الدولار، عندما يقوم بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة الأميركية بمقدار نصف نقطة مئوية، لافتاً إلى أن الأسواق لم تشهد حركة مبيعات كافية للأصول العالية العوائد، توازي تحرك بنك الاحتياطي الفيدرالي نحو خفض برنامج شراء الأصول.
وأوضح كاشياب ان هناك آفاقاً جيدة للعملة الأميركية، حيث تتجه إلى جني مكاسب في مواجهة عملة اليورو على المدى المتوسط، وأنه من واقع البيان الصادر عن رئيس البنك المركزي البريطاني خلال الشهر الماضي، فإنه الواضح أن البنك سيصدر تدابير أكثر جرأة والتي من المتوقع أن يتخذها خلال شهري يوليو وأغسطس المقبلين، وهذا من شأنه أن يقوي الاتجاه التراجعي لسعر صرف العملة الأوروبية في مواجهة كل من الدولار الأميركي والجنيه الاسترليني.
وبسؤاله عن الفوائد التي سوف يجنيها اقتصاد الإمارات من تزايد قوة العملة الأميركية، أجاب كاشياب، قائلاً : بلا شك يحقق الدولار الأكثر قوة، فوائد ومكاسب بالنسبة للاقتصاد الإماراتي ولكن وبمعزل عن الأوضاع في الولايات المتحدة..
فإنه من المتوقع أن يتحرك الاقتصاد الإماراتي بمنتهى القوة على مسار الانتعاش والنمو، مدعوماً بمـــــبادرات القيادة الرشيدة للدولة الهادفة إلى إدخال المزيد من التطويرات والتحسينات على البنى التحتية للدولة وهو ما سوف يكون له آثاره الإيجابية على مجمل الأوضاع الاقتصادية في الإمارات.
مسار الصعود
ترصد تحليلات اتجاه سعر الدولار الأميركي نحو جني مكاسب متزايدة في مواجهة العملات الرئيسية، رغم تراجع أسعار الفائدة الأميركية، حيث ارتفع الدولار الأميركي في شهر مايو أمام معظم عملات مجموعة العشر، إذ ارتفع بنسبة 1.6% أمام الفرنك السويسري و1.0% أمام الدولار النيوزلندي و0.6% أمام الجنيه الاسترليني، وإن كان قد انخفض أمام الين الياباني والدولار الكندي والكرونة النرويجية.
كما اكتسب الدولار الأميركي قوة إضافية، من هيمنة توقعات على الأسواق تتنبأ بقيام بنك الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة، حيث قلص الاحتياطي الفيدرالي حجم مشترياته للسندات بواقع عشرة مليارات دولار في كل من اجتماعاته الأربعة السابقة ويتجه نحو إنهاء مشترياته الشهرية البالغة حالياً 45 مليار دولار بحلول نهاية 2014.
التضخم غير مرتبط بالدورة الاقتصادية الأميركية
استبعد خبراء ماليون أن يؤدي ارتفاع سعر صرف الدولار إلى ارتفاع التضخم في الدولة وبالتالي أن يؤثر ذلك سلباً على أداء الاقتصاد الإماراتي في حال استقرار سعر صرف الدولار من دون تراجع وبقاء معدلات التضخم مستقرة في الولايات المتحدة لافتين إلى أن التضخم في الإمارات لا يرتبط بالدورة الاقتصاد في الولايات المتحدة فحسب بل يرتبط كذلك بعوامل داخلية ومنها ارتفاع وتيرة نشاط القطاع العقاري أحد أكبر القطاعات غير النفطية في الدولة.
وقال مازن سلحب المحلل التقني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط ببنك «سويس كووت » إن قوة سعر صرف الدولار لا تؤثر على سعر صرف الدرهم لارتباط سعر الأخير بالأول..
كما يحددها المصرف المركزي في ظل عدم وجود آلية العرض والطلب على الدولار، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن ارتفاع سعر الدولار في الفترة القادمة قد يؤثر على الأداء الاقتصادي لأن التجارة الخارجية لدولة الإمارات تتم جميعها بالدولار الأمريكي بما فيها الصادرات والواردات التي يتم تسعيرها بالدولار الأميركي بالإضافة إلى النفط.
قوة تضخم
وأضاف: ارتباط الدرهم بالدولار يعني كذلك أنه حين يحدث ارتفاع في نسب التضخم في الولايات المتحدة فإن ذلك يرفع من التضخم في الدولة بشكل عام. معرباً عن اعتقاده بأن التضخم في الولايات المتحدة ما زال تحت السيطرة لأن الدولار لا يزال مستقراً، وبالتالي ، لن يولد ارتفاع الدولار الأميركي، ضغوطاً تضخمية كبيرة، بل سيحقق مكاسب للاقتصاد الأميركي.
ولفت سلحب إلى أن ارتفاع أسعار العقارات بنسبة 5% الشهر الفائت بحسب المؤشرات علاوة على ارتفاع تكلفة الخدمات والتعليم هو أمر ساهم في ارتفاع التضخم في الدولة. وفي السياق ذاته، توقع جوراف كاشياب رئيس قسم تداولات بورصة دبي للذهب والسلع لدى شركة الباري الشرق الأوسط أن يكون للدولار القوي آثار جانبية على أسعار السلع في الإمارات.
وتوقع أن يولد الدولار القوي ضغوطاً تدفع أسعار السلع إلى المزيد من الصعود، مشيراً إلى أن أسعار العقارات تتجه نحو المزيد من الصعود، كذلك الحال بالنسبة للتكاليف المعيشية، وتوقع أن يستمر هذا الاتجاه خلال المستقبل القريب.
الارتباط بالدولار يعزز استقرار الدرهم الإماراتي
قال الخبير المالي وضاح طه رئيس الاستثمارات في مجموعة الزرعوني إن المصرف المركزي، صانع السياسة النقدية، يتبنى وجهة نظر طويلة الأمد، ترى في الربط مع الدولار، على أنه يخلق استقرار للعملة الوطنية مشيراً إلى ذلك الربط قد يكون متعلق كذلك بتقييم المخاطر الجيوسياسية المحيطة، الذي يعد من أهم العوامل، ويخضع لتقييم سياسي قبل التقييم الاقتصادي.
واستدرك قائلاً : بعد كل الفوائد والإيجابيات التي جناها الدرهم خلال السنوات الخمس الماضية يبرز سؤال حول ما إذا كان ربط الدرهم بسلة عملات قد يقي من الآثار التضخمية المستقبلية المحتملة التي قد تنتقل عبر الدولار، فهل سلة العملات التي تعطي وزناً أكبر للدولار تقلل من آثار التضخم المحتمل وهل تصميم تلك «السّلة» يعتمد بنسب صادرات النفط؟ ولفت طه إلى أن كل تلك التساؤلات ووجهات النظر بهذا الصدد لديها هدف واحد: عملة وطنية قوية ومستقرة.


