دعا قانونيون مختصون بالتشريع وفقه المعاملات الإسلامية، خلال ندوة بعنوان «واقع التحكيم بين الشريعة والقانون»، نظمتها أمس، كلية الأمام مالك للشريعة والقانون، إلى صياغة لائحة أو قانون نموذجي للتحكيم موافق للشريعة الإسلامية، لمن يرغب من المستثمرين أو المؤسسات المالية اللّجوء إلى التحكيم وفقاً للشريعة الإسلامية، على أن يكون معتمداً من طرف مراكز التحكيم الإسلامية.

والعمل على تقنين قواعد وأحكام الفقه الإسلامي، وتوضيح المفاهيم القانونية الإسلامية كمفهوم «أحكام الشريعة الإسلامية»، و«مبادئ الشريعة الإسلامية»، و«الجور البيّن»، و«حكم الشرع» و«النظام العام الإسلامي»، لما لها من أهمية في وجه الفصل، ودعوا إلى توحيد القواعد التحكيمية والمعايير ذات الصلة، للحدّ من تضاربها، وإرساء مقومات الجودة والأمان والسلامة القانونية مع ضبط مُحْكَمٍ لجملة الإجراءات والآجال لتقييد حق الرجوع في التحكيم.

معايير

وأوصى المشاركون في الندوة إلى اعتماد المعايير الشرعية المنبثقة عن هيئة المحاسبة والمراجعة، والعمل على تدارك نقائصها، وأكدوا على ضرورة إيلاء منظومة التحكيم التجاري الإسلامي، خاصة المتعلقة بالصناعة المالية الإسلامية، الحيز الذي تستحقه دراسة وبحثاً، لبيان ما تتميز به من قواعد وأحكام على مستوى الإثبات، والإجراءات والموضوع.

ضوابط

وأكد المشاركون على أهمية النص، وبطريقة واضحة، على الاحتكام للشريعة الإسلامية في عقود الصناعة المالية، بما لا يدع مجالاً للشك والتأويل. وأشاروا إلى أن الاحتكام للقوانين الوضعية الأجنبية لا يجوز إلا للضرورة، وبالضوابط الشرعية وفي حدودها، وأوصوا بالعمل على التوسع في إنشاء مراكز التحكيم الإسلامي، مع ضرورة وجود تكوين للمحكّمين الإسلاميين المتخصصين وتأهيلهم المتواصل.

مراكز التحكيم

ودعا المشاركون إلى ضرورة اللجوء إلى مراكز التحكيم الإسلامية، عوضاً عن القضاء الأجنبي والمراكز الأجنبية للتحكيم، التي لا تتوفر فيها الخلفية الإسلامية، واعتماد المعايير الشرعية المنبثقة عن هيئة المحاسبة والمراجعة، والعمل على تدارك نقائصها، وتعميم الهيئات الشرعية لمراجعة مشاريع التحكيم للتيقن من عدم مخالفتها للأحكام الشريعة الإسلامية، مع ضبط تدخلها بما لا يقيد حرية المحكمين، والعمل على ضرورة احترام جملة الضوابط الشرعية في صياغة عقود الصناعة المالية الإسلامية.

تعزيز مكانة دبي

وفي بداية الندوة، أكد الدكتور عيسى بن عبد الله بن مانع الحميري الرئيس التنفيذي لكلية الإمام مالك للشريعة والقانون، أن تنظيم هذه الندوة يأتي في إطار تعزيز مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل المكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الخاصة بتطوير قطاع الاقتصاد الإسلامي، وترسيخ مبدأ إعلان سموه إمارة دبي عاصمة للاقتصاد الإسلامي، حيث تتبوأ مكانتها الاقتصادية، باعتبارها الواجهة الاقتصادية للإمارات..

مشيراً إلى أن كلية الإمام مالك للشريعة والقانون بدبي، تعمل جاهدة على إبراز هذا الواقع، وإظهار دور الفقه الإسلامي في تقديم الحلول المناسبة للمنازعات المالية والعقدية التي تنشأ عن التقدم والتنوع الحاصلين في الصناعة المالية المعاصرة، وأوضح أن الكلية باعتبارها مؤسسة أكاديمية متخصصة في مجال الدراسات الشرعية والقانونية، قد دخلت واقع التحكيم من خلال تقديم الاستشارات القانونية والشرعية للدوائر الحكومية والمؤسسات المالية العاملة في الإمارة، ودراسة العقود وطرق صياغتها، وتقديم الحلول القانونية والشرعية للإشكالات التي يمكن أن تواجهها بعض المصارف الإسلامية.

تجنب المخالفات الشرعية

وقال الدكتور أحمد عبد الملك السعدي عميد الكلية رئيس اللجنة المنظمة للندوة، إن موضوع التحكيم في الصناعة المالية على درجة عالية من الأهمية، من خلال تحكيم شرع الله سبحانه وتعالى فيها، زيادة على ذلك، الوقوف على أهم النزاعات والخلافات التي تقع فيها، ووضع الحكم الشرعي لها، مقارنة بالتشريعات القانونية، وتأسيس مراكز التحكيم التي تقوم بذلك، وأكد على أهمية تلافي حدوث الخروق ووقوع المخالفات الشرعية التي قد ترد في بعض القوانين الوضعية.

حلول

دعا الدكتور عبد الستار الخويلدي الأمين العام للمركز الإسلامي الدولي للمصالحة والتحكيم، إلى النظر في الحلول الممكنة للتعاون بين مؤسسات لها مرجعيات قانونية مختلفة، خاصة وأن التمويلات الكبرى تحتاج إلى تمويلات مشتركة. باعتبار أن المؤسسات المالية الإسلامية تنشط في محيط قانوني تطبق فيه أحكام الشريعة، كما تطبيق فيه القوانين الوضعية، أو تطبق فيه أساساً أحكام القانون الوضعي، مع قبول جزئي بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

مركز متخصص

وأكد الخويلدي على أن هناك حاجة لفض النزاعات وفق صيغ تكون أكثر ملائمة لنشاط ومرجعية الصناعة المالية الإسلامية. مشيراً إلى أن هناك ظروفاً قانونية وعملية مواتية للمضي قدماً في التفكير جدياً في حل بديل، يكمن أساساً في التحكيم، وبالتحديد تأسيس مركز متخصص في فض النزاعات في الصناعة المالية الإسلامية، وذلك في ظل تعثر القضاء البريطاني (الذي كانت تحال له جل القضايا المتعلقة بالصناعة المالية الإسلامية).

وقال الخويلدي إن إنشاء مركز تحكيم متخصص في المعاملات المالية الإسلامية سيسهم في تعميق مفاهيم التحكيم المهنية في ذلك القطاع، وحشد الطاقات المادية والعلمية لصالح القطاع.

صيغة موحدة

دعا الدكتور نعمان عطا الله الهيتي أستاذ القانون الدولي المشارك بجامعة الشارقة، إلى صياغة لائحة أو قانون نموذجي للتحكيم موافق للشريعة الإسلامية، ويقترب في اجتهاداته قدر الإمكان من اللوائح والقوانين العالمية، ليكون صيغة موحدة في العالم الإسلامي لكل من يرغب من المستثمرين أو المؤسسات المالية أو التجارية اللجوء إلى التحكيم وفقاً للشريعة الإسلامية.

برامج تأهيلية للمحكمين

وبين الدكتور عبد الستار الخويلدي الأمين العام للمركز الإسلامي الدولي للمصالحة والتحكيم، أن المركز يعكف حالياً على إعداد مجموعة من الآليات، كالبرامج المزمع تنفيذها لتأهيل المحكمين في مجال فض النزاعات في فقه المعاملات، بالتعاون مع المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، التابع للبنك الإسلامي للتنمية، وذلك عبر برنامج تدريبي عالي المستوى، يجمع بين البعدين القانوني والشرعي، بالإضافة إلى عدة ملتقيات وفعاليات تهدف للتحسين النوعي للتحكيم.

2.2 تريليون دولار

 قدر الدكتور محمد عثمان شبير أستاذ قسم الفقه وأصوله، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة الشارقة، حجم الأصول الإسلامية في دول مجلس التعاون الخليجي والشرق الأوسط بـ 1.8 تريليون دولار. وسوف ترتفع إلى 2.2 تريليون دولار في عام 2015، في حين وصلت قيمة إصدارات الصكوك الإسلامية في عام 2012، إلى 194 مليار دولار، ومن المتوقع أن ترتفع إلى مستويات أعلى خلال الفترة المقبلة.

تقنين أحكام الفقه لتحاكي القوانين العصرية

 دعا الدكتور خالد رأفت أحمد محمد أستاذ الدولي الخاص والتحكيم بكلية الإمام مالك للشريعة والقانون، إلى تفعيل تقنين أحكام الفقه الإسلامي، والعمل على التوسع فيه، وإصدار التشريعات المستمدة منه في جميع الدول العربية والإسلامية، والالتفات عن الدعوات التي تحذر منه بدعوي الجمود، لأن التقنين لا يمنع العلماء ولا القضاة من الاجتهاد، ثم إن التقنين الذي يحاكي القوانين العصرية، يفترض أن يوضع لكل قانون مستمد من الفقه الإسلامي، مذكرة إيضاحية يمكن أن يوضح بها الخلافات المتعلقة بالمسألة ومبررات الترجيح لهذا الرأي أو ذاك..

مشيراً إلى أن التقنين لا بد أن يتم تداوله بالمراجعة والتعديل من حين لآخر، حسبما تقتضي المصلحة المعتبرة. وأكد على أن هذا التقنين يسهل على المحاكم تطبيق الشريعة الإسلامية، ويسد الطريق على المحاكم الأجنبية منها نحو التذرع بعدم وجود قانون إسلامي يمكن الرجوع إليه، وصولاً لاستبعاد أحكام الشريعة. كما أن التقنين يبعد احتمال التضارب في الأحكام، ويعاون القاضي والفقيه وكل مشتغل بالقانون على الاهتداء إلى القاعدة القانونية في يسر وسهولة.

وطالب الدكتور خالد رأفت، المهتمين والخبراء في مجال المعاملات المالية الإسلامية والتحكيم الإسلامي، بالعمل على تكوين أو بناء نظرية لقواعد وأعراف المعاملات المالية الإسلامية، على غرار أعراف وقواعد التجارة الدولية المعروفة باسم «ليكس ميركاتوريا».