يعتبر التمويل الجماهيري إضافة جديدة للعديد من خيارات التمويل المتاحة للاستثمار في المراحل الأولى للتأسيس في الأسواق المتقدمة، مثل المملكة المتحدة، ولا شك في أن هناك مجالاً أوسع لاستفادة دول مجلس التعاون الخليجي من التمويل الجماهيري، ففي الوقت الذي يتنامى فيه الاهتمام بخلق المشاريع الجديدة الصغيرة والمتوسطة في المنطقة، كثيراً ما يواجه المستثمرون عقبات تتعلق بالتمويل نظراً لمحدودية رأس المال المجازف في المنطقة، ويوفر التمويل الجماهيري حلاً عندما لا يمكن تأمين التمويل من مصادر أخرى.
ويرى ميرزا ديه مانويل أرامِنديا، مدير دائرة سياسات أسواق رأس المال في معهد المحللين الماليين المعتمدين، وعامر خانصاحب، رئيس جمعية المحللين الماليين المعتمدين في الإمارات، أن التمويل الجماهيري ظاهرة متنامية الحضور، وتقوم على استخدام منصة إلكترونية لطرح المشاريع وجمع أموال من المواطنين والمستثمرين لتمويلها، ولا تسعى معظم المشاريع التي يتم تمويلها جماهيرياً حالياً للربح ولا تَعِد المستثمرين بأية عائدات استثمارية، وتستند حملات التمويل الجماهيري إلى جمع التبرعات التي يقوم الممولون (الجماهير) فيها بتمويل المشاريع والمبادرات الاجتماعية أو الفنية، إلا أنه يتم استخدام منصات التمويل الجماهيري بشكل متزايد لعرض الأسهم والسندات على المستثمرين الباحثين عن عائدات مالية.
ولا يخلو الاستثمار في مثل هذه المشاريع من المخاطر، التي يتعرض لها المستثمرون، ويدعو معهد المحللين الماليين المعتمدين بالتالي إلى وضع أطار عمل لحماية المستثمرين من دون أن يؤدي ذلك إلى خنق روح المبادرة والابتكار للتمويل الجماهيري.
الإمكانات
يستطيع التمويل الجماهيري الإسهام في تجسير الفجوة الهيكلية في تمويل المراحل المبكرة من المشاريع، التي لا تجذب مصادر التمويل التقليدية عادة، ويرى البعض في التمويل الجماهيري اللبنة الأولى المقبلة، لما يمكن تسميته بالرأسمالية الشعبية، التي تتيح لصغار المستثمرين البحث عن المشاريع متنوعة، حيث يستثمرون فيها بتوزيع مبالغ صغيرة من مدخراتهم على عدة مشاريع، ولكن لا يزال أصحاب الثروات الكبيرة والمستثمرون المحترفون حالياً الممولين الرئيسين لحقوق الملكية.
وتشير بعض التقديرات إلى أن قيمة القروض الممولة جماهيرياً تجاوزت حاجز الـ 6.2 مليارات دولار أميركي عام 2013، ورغم أن هذا المبلغ لا يمثل سوى 0.01 % من قيمة القروض، التي توفرها المصارف للاقتصاد الحقيقي، إلا أنه ينمو بشكل سريع، حيث ارتفع بنسبة 145% عن عام 2012، وفي المملكة المتحدة (السوق الأكثر تطوراً حتى الآن)، بلغت قيمة التمويل الجماهيري، الذي يستهدف تحقيق عائدات مالية أكثر من 490 مليون جنيه استرليني عام 2013، الذي تضمن ما قيمته 28 مليون جنيه استرليني تمويل لحقوق المساهمين، ويعادل هذا الرقم 1.8% من قيمة القروض الشخصية غير المضمونة و1.1% من الأصول قيد الإدارة.
ولا يزال التمويل الجماهيري في المراحل الأولى من تطوره، التي لم تستحق فيها بعد آجال معظم المشاريع الممولة بالسندات والأسهم، ونتيجة لذلك، لا تزال هناك الكثير من الشكوك تحيط بمستقبل هذا النوع من التمويل، الذي يعتمد في المحصلة النهائية على قدرته في توفير عائدات معقولة للمستثمرين.
مخاطر
يبدو أن معدلات التخلف عن السداد للقروض معتدله في التمويل الجماهيري، وتبلغ لبعض منصاته الإلكترونية 1%، إلا أنه نظراً لمعدلات النمو الاستثنائية التي يشهدها هذا القطاع، التي سبق أن أشرنا إليها أعلاه، لم تستحق آجال سوى عدد قليل من القروض، ما يعني أننا نحتاج للمزيد من الوقت للحصول على صورة أكثر وضوحاً لمعدلات التخلف عن السداد الفعلي، وتقدر هيئة السلوك المالي في المملكة المتحدة أن المستثمرين يخسرون كامل رأسمالهم الأساسي في 50%- 70% من استثماراتهم في حقوق الملكية للمشاريع المجازفة، حيث يكون الاستثمار في المراحل الأولى للمشاريع، ولكن البعض يجادل في أن هذه الأرقام مبالغ فيها.