اجتمع مركزا «دبي للسلع المتعددة» و«دبي المالي العالمي» على هدف واحد، وهو استهداف أسواق القارة الأفريقية، بغرض الحصول على حصة مؤثرة من كعكة الأعمال الصينية والهندية والروسية في دول القارة السوداء، ومع بروز مؤشرات على اتجاه هذه الكعكة، نحو التزايد المتواصل، خلال السنوات المقبلة، تزايدت الجهود المبذولة من جانب المركزين لتوسيع حضورهما في دول القارة السوداء..
وهو ما جعل بعض المحللين، يقولون بصراحة، إن مدينة دبي تنافس في هذا المجال مدناً عتيدة ومشهورة تاريخياً بأنها بوابات للأعمال الأفريقية، وعلى وجه التحديد مدينتي باريس ولندن، ولكنهم اعتبروا أن حصة دبي من هذه الأعمال لن تكون على حساب حصتي مدينتي لندن وباريس، ويردون أسباب ذلك إلى أن كعكة الأعمال الأفريقية صارت من الكبر بمكان، بحيث تستوعب المزيد من بوابات الأعمال.
وقد تصاعدت أهمية القارة الأفريقية في أجندة أعمال وأولويات كل من مركز دبي المالي العالمي، ومركز دبي للسلع المتعددة، بأن صارت سوقاً مُستهدفة، بشكل متزايد من جانبهما، بما يعكس، توجه المركزين بشكل جدي نحو تنفيذ استراتيجية عليا للدولة، ترمي إلى توثيق التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف مع دول القارة الأفريقية في مختلف القطاعات الاقتصادية والتجارية والمالية،..
فضلاً عن تزايد قناعة المركزين بأن أسواق القارة الأفريقية أصبحت سوقاً واعدة، تحوي فرصاً استثمارية ضخمة ومغرية، وهو ما يدعم إمكانيات وقدرات المركزين على تحقيق النمو المستدام، من خلال تنويع مصادر النمو.
ويضع المركزان، ضمن أولوياتهما الاستراتيجية، هدفاً واحداً، وهو تعزيز إمكانيات وقدرات الإمارات بشكل عام، ودبي على وجه الخصوص، على نحو يجعلها مقصداً مٌسهلاً للأعمال والأنشطة التجارية الأفريقية، سواء فيما يتصل بالأعمال الدولية التي تستهدف الأسواق الأفريقية، أو الأعمال الأفريقية التي تستهدف الأسواق العالمية، لا سيما منطقة شرق وجنوب شرق آسيا.
وفي خط موازٍ، وجهت شركات مالية، وبنوك استثمارية، ومديري أصول، البوصلة الاستثمارية نحو الأسواق الأفريقية، بهدف خلق بنية تحتية داعمة لتوسيع الحضور الاستثماري والمالي للدولة في دول القارة السوداء..
وبرز في هذا المجال، توجه بنك أرقام كابيتال، نحو تعزيز تواجده في الأسواق الإفريقية، بما يجعله في موقع يؤهله، لتقديم خدمات مالية واستشارية، من شأنها أن تعزز قدرة الشركات من الجانبين الأفريقي والخليجي، على إنجاز الصفقات، من خلال تعزيز الربط بين الفرص الاستثمارية في القارة الإفريقية، من جانب، ورؤوس الأموال الخليجية والإماراتية، من جانب آخر.
منصة أعمال للأسواق الناشئة
وفي هذا السياق، برز استهداف كعكة الأعمال الصينية والهندية والروسية في سياق إجابة أحمد بن سليم، الرئيس التنفيذي الأول لمركز دبي للسلع المتعددة، على سؤال بشأن المحفزات التي دفعت المركز إلى تزايد اهتمامه بأسواق القارة الأفريقية، حيث قال بالحرف الواحد: «يتمحور التركيز على أفريقيا بسبب أن الهند والصين يعدان من أكبر الشركاء التجاريين لدول القارة الأفريقية..
وهما يديران أنشطتهما التجارية باتجاه دول القارة الأفريقية عبر مدينة دبي، وتقوم شركات منتمية لهاتين الدولتين بتوجيه عملياتها، وعقد صفقاتها، وتأسيس الشراكات الاستراتيجية، انطلاقاً من دبي، حيث تشعر فيها الشركات بالراحة والطمأنينة في مزاولتها لأعمالها وأنشطتها».
وخلص بن سليم إلى القول: «إن تركيزنا على القارة الأفريقية ينبع من تزايد اهتمام الكثير من الدول الصاعدة كروسيا والبرازيل والهند والأرجنتين، بفرص الأعمال في دول القارة الأفريقية، حيث تمتلك بعض دولها ثروات معدنية ضخمة، كما تتواجد في أسواق القارة الأفريقية، معظم الشركات الكبرى العاملة في مجال العقود المستقبلية المرتبطة بالسلع..
كما تنمو دول جنوب القارة الأفريقية بوتيرة بالغة السرعة، وهي تطبق أفضل وأحدث الممارسات والمعارف الدولية، ولديها كذلك الكثير من الشركات الاستشارية التي تعمل بجدية في توجيه هذه البلدان نحو أفضل الممارسات».
وبسؤاله حول ما إذا كان مركز دبي للسلع المتعددة يهدف إلى جعل دبي حلقة ربط بين الأسواق الناشئة من جانب، ودول القارة السمراء، من جانب آخر، أجاب أحمد بن سليم، قائلاً:
«نحن بالفعل منصة أعمال تربط بين الأسواق الناشئة ودول القارة الأفريقية، فدبي تمتلك مكانة متميزة في مجال تجارة الألماس الخام، وهي تمثل بالنسبة لدول القارة الأفريقية مركزاً تجارياً بارزاً لهذا المعدن النفيس، باعتبارها حلقة وصل تربط الدول المنتجة والمستهلكة للألماس الخام، وينطبق الأمر ذاته على تجارة الذهب والسبائك الذهبية وتكرير الذهب».
تعزيز الجاذبية
واستعرض أحمد بن سليم، أبرز الخطوات التي يعتزم مركز دبي للسلع المتعددة، اتخاذها لتعزيز جاذبيته كمنصة أعمال للأسواق الناشئة اتجاه الأسواق الناشئة، قائلاً: «أعتقد أن الدول الأفريقية تفعل كل ما في وسعها لأجل بناء اقتصاداتها، وهذا ما نجحت فيه إمارة دبي، حيث تمكنت من تحقيق نهضة شاملة، رغم التحديات والمصاعب التي واجهتها، كما تمكن مركز دبي للسلع المتعددة من مضاعفة حجم عملياته مرات عدة خلال فترة الركود والتباطؤ الاقتصاديين».
واستدرك في حديثه قائلاً: «فيما يتعلق بدول القارة الأفريقية، تنشر وسائل الإعلام عنها الكثير من القصص والموضوعات التي تركز على المواضيع السلبية، ولكن يجب القول إن هذه الدول حققت الكثير من قصص النجاح، كما نجحت في إنجاز تقدم اقتصادي مهم، فعلى سبيل المثال، اتخذت شركة دي بيرز..
وهي شركة عالمية تعمل في مجال تجارة الألماس، منذ تأسيسها، لندن مقراً لعملياتها، ولكنها قررت نقل مكتبها الرئيسي إلى بتسوانا، ومن جانبنا، نحن نحرص على الاستماع إلى مطالب الشركات، ونبذل قصارى جهدنا من أجل تلبية احتياجاتهم».
قاعدة للتوسع في أفريقيا
وعلى المنوال نفسه، أجاب جيف سنغر الرئيس التنفيذي لمركز دبي المالي العالمي، على سؤال بشأن أسباب تزايد اهتمام المركز بأسواق القارة الأفريقية، قائلاً: «تشكل دول القارة الأفريقية إحدى مناطق النمو الرئيسية خلال السنوات العشر المقبلة..
كما أن الكثير من الشركات التي تتخذ من مركز دبي المالي العالمي مقراً لأنشطتها وعملياتها، تتطلع إلى الاستفادة من تواجدها في المركز لتوسيع عملياتها في دول القارة الأفريقية، من خلال مزاولتها لأنشطة أعمال متنوعة ومتعددة، منها،..
وعلى سبيل المثال، توريد المنتجات، وتقديم تسهيلات ائتمانية لتمويل التجارة، ومن ثم، تزخر اقتصادات القارة الأفريقية بنطاق واسع من الفرص السخية، نتيجة لثراء القارة الأفريقية بالموارد، خصوصاً فيما يتصل بالقطاعات الزراعية، فضلاً عن الزيادة المطردة في أعداد سكان دول القارة الأفريقية، وتصاعد الاحتياجات التمويلية لإقامة مشروعات البنى التحتية».
ويُذكر أن أعداد الشركات الآتية من دول القارة الأفريقية إلى مركز دبي المالي العالمي، مازالت تتسم بالمحدودية الشديدة، وهو ما يعود سببه، من وجهة نظر جيف سنغر، إلى عدم وعي الشركات الأفريقية بالقوانين والأطر التنظيمية السارية في مركز دبي المالي العالمي.
التنافس مع لندن وباريس
وفي الإطار ذاته، قال نبيل كازروني، مدير تنفيذي، تمويل شركات في بنك أرقام كابيتال، إن دولة الإمارات تجاوزت مرحلة الطموح، بعدما نجحت في جعل طموحها واقعاً على الأرض، حيث ساهم امتلاكها لبنية تحتية بالغة التطور في إنجازها الفعلي لهذه الطموحات، الأمر الذي من شأنه أن حفز الشركات الأفريقية على النظر إلى الإمارات بشكل عام،..
ودبي خصوصاً، كمقصد مناسب لتيسير وتسهيل الأعمال الأفريقية، لتنضم إلى مقاصد الأعمال التاريخية، كلندن وباريس، اللتين استأثرتا خلال حقبتي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، بالقسم الغالب من كعكة الأعمال الأفريقية، ولكن انضم إلى هذا الركب مقاصد أعمال صاعدة، من بينها الإمارات وجنوب أفريقيا.
مشيراً إلى أن حصة دبي من كعكة الأعمال الأفريقية آخذة في التزايد المطرد، وهو ما جعل الإمارة مقصداً طبيعياً ومنطقياً للشركات الأفريقية، بالنظر إلى ما تمتلكه من إمكانيات وقدرات تلبي احتياجات أصحاب الأعمال، تشتمل على بنى تحتية حديثة وعصرية، وتسهيلات محفزة على الاستثمار، وشبكات لروابط الأعمال، وهو ما قوى اتجاه الشركات الأفريقية، على اتخاذها مقراً لعملياتها، وقاعدة إطلاق للوصول إلى الأسواق الأخرى من العالم.
ورداً على سؤال بشأن آفاق التنافس بين دبي من جانب ولندن وباريس، على كعكة الأعمال الأفريقية، أجاب كازروني قائلاً: تنمو كعكة الأعمال الأفريقية بشكل متواصل ومنتظم، فقبل ربع قرن تقريباً، لم تكن كعكة الأعمال الأفريقية بالحجم الذي يغري بالمنافسة عليها، ولكن، هذه الكعكة أخذت تكبر وتكبر على مدار السنوات الماضية، بحيث تضاعف حجمها ثلاث أو أربع مرات مما كانت علية قبل ربع قرن مضى..
ورغم ثبات حصة لندن وباريس من كعكة الأعمال الأفريقية، إلا أن دخول لاعبين جدد، وأبرزهم دبي، إلى ساحة المنافسة على كعكة الأعمال الأفريقية، جعل المنافسة أكثر احتداماً على كعكة الأعمال الإفريقية بين مراكز الأعمال، سواء التقليدية منها أو الصاعدة.
تريليونا دولار
يتمثل الهدف الرئيسي لمركز دبي المالي العالمي على المدى المنظور، في ضمان إتاحة إمكانيات الوصول إلى اقتصادات دول القارة الأفريقية، بشكل متساوٍ، لكل الشركات العاملة في مركز دبي المالي العالمي.
وهنالك الكثير من الشركات حول العالم التي تنظر باهتمام بالغ إلى الاستفادة من المزايا والفرص التي يتيحها وصول قيمة الناتج المحلي الإجمالي لدول القارة الأفريقية إلى ما يزيد على تريليوني دولار.
ويتأكد هذا الأمر بشكل جلي من خلال اتجاه الكثير من الشركات الآسيوية نحو شراء أصول في دول القارة الأفريقية، حيث تحصل هذه الشركات الآسيوية على تسهيلات التمويل من المصارف الآسيوية.
الشركات العائلية رأس حربة الاستثمار الإماراتي
اعتبر نبيل كازروني، مدير تنفيذي، تمويل شركات في بنك أرقام كابيتال، أن كلاً من الشركات العائلية والحكومية، تشكلان رأس حربة للاستثمارات الإماراتية والخليجية في القارة السمراء، مشيراً إلى أن هذه الفئة من الشركات تمتلك قدرات وإمكانيات مالية وإدارية وتسويقية، تجعـــلها تتطلع، وبقوة، نحو توسيع تواجدها في أسواق القارة الأفريقية.
وأوضح كازروني أن هناك شركات عائلية، على غرار مجموعة الفطيم، وأرامكس، ومدارس جيمس، تتجه نحو توسيع تواجدها واستثماراتها في دول القارة الأفريقية، كما أن هناك شركات حكومية، على غرار مجموعة موانئ دبي العالمية، تمتلك هي الأخرى حضوراً قوياً في الدول الأفريقية.
ولفت كازروني إلى أن المصارف ما زالت حتى الآن تتبع نهجاً متحفظاً تجاه الاستثمار في المناطق والأسواق العالية المخاطر، بيد أنها تسعى إلى إقامة شراكة مع الشركات العائلية والحكومية، بغرض تعزيز تواجدها في أسواق القارة الأفريقية، بما يكفل لها الاستفادة من عوائد الاستثمار المرتفعة في هذه الأسواق..
مشيراً إلى أن الخسائر التي تكبدتها المصارف خلال سنوات الأزمة المالية العالمية، جعلتها أقل رغبة في تحمل المخاطر، وبالتالي، صارت أقل استعداداً للاستثمار في الأسواق الناشـــئة، بما في ذلك الدول الأفريقية.
210 مليارات دولار قيمة الاستثمارات الأجنبية
سجلت الاقتصادات الأفريقية خلال الفترة 2009 2012، نمواً بمتوسط سنوي بلغ 7.8 %، وتلقت دول القارة الأفريقية استثمارات أجنبية خلال الفترة المذكورة، تزيد على 210 مليارات دولار، فيما تلقت استثمارات أجنبية في 2013، بقيمة 57 مليار دولار.
ويقدر أن هذه المؤشرات تؤكد أن اقتصادات الدول الأفريقية تشهد معدلات نمو ضخمة، رغم أن مناخ الاستثمار والأعمال مازال ينطوي على بعض الجوانب السلبية، إلا أن مساحة الجوانب الإيجابية أخذت في الاتساع، مع انحسار بؤر الصراعات والأزمات، وهو ما يحفز المستثمرين على توجيه استثماراتهم لدول القارة الأفريقية لتحقيق مكاسب آنية ومستقبلية من الفرص المتاحة.

