لقد التقيت مستثمرين كُثراً على مدار السنوات حققوا ثروات من العمل في سوق العقارات. وأكدوا كثيراً أن الاستثمار في هذا القطاع يعد فناً وأنهم اعتمدوا دائماً على الفرص عند اتخاذ قرارات الاستثمار.
تاريخياً، مع انخفاض قيم رأس المال وارتفاع عائدات الامتلاك (بالنسبة للأصول ذات المرافق والخدمات)، حقق هؤلاء المستثمرون نجاحاً معقولاً؛ ولكن مع نضج السوق في المنطقة، نشهد الآن اتباع المستثمرين منهجاً أكثر علمية في تعاملاتهم مع الاستثمارات العقارية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالحصول على الأصول ذات المرافق والخدمات.
منذ أقل من عشر سنوات، كانت القاعدة العامة المتبعة مع قيم امتلاك العقارات هي 10% من الدخل. وكان مستوى العناية الواجبة المُتبع في ذلك الوقت محدوداً، كما أنه حتى وإن لم تتم الصفقة على ما يرام، فقد كان فيها من الربح ما يجعل المستثمر يحقق عائداً معقولاً.
ولكن مع انخفاض العائدات الآن لتقترب من 7% وارتفاع تكاليف الصفقات، يتوقع المستثمرون الحصول على العناية الواجبة والتعهد بأداء المزيد منها، بمستويات مشابهة لتلك المتحققة في الأسواق العقارية الناضجة. وهنا يأتي دور الشركات الاستشارية مثل JLL، حيث تضيف الملمح «العلمي» إلى «فن» الاستثمار في السوق العقاري..
ويكون ذلك بضمان عدم تأثر الأرباح بعد الامتلاك نتيجة تغير أي من المعاملات التي جرى تقييمها قبل الامتلاك. ويتلخص دوري في تقديم الاستشارات للمستثمرين المحتملين في إجراء مراجعة شاملة وفعالة للصفقة، وعليّ أن أبين من خلال تلك المراجعة المخاطر التي يسيطر عليها المشتري وكيفية الحد منها. وكثيراً ما يقال: «إن أفضل صفقة أبرمتها، هي الصفقة التي لم تأتِ بعد»، بينما السر في اتخاذ قرارات أفضل هو الاستيعاب الشامل للمخاطر المحتملة المرتبطة بالصفقة.
هناك أربع نواحٍ عامة للعناية الواجبة يوصى بها كحد أدنى عند تقييم امتلاك أي من الأصول العاملة المحتملة، وتغطي تلك النواحي الجوانب التجارية والفنية والقانونية والمحاسبية في الصفقة.
الجانب التجاري؛ يتم مع بداية أي عملية امتلاك محتملة، وينبغي أن تركز تلك العملية على الوصول إلى صافي دخل السوق الحقيقي الذي تنتمي إليه الأصول؛ بحيث يتم التوصل إلى صافي العائد الحقيقي. وتضم الجوانب التي ينبغي التركيز عليها ضمان تأجير الأصول «في السوق» وأن جميع الإيجارات «غير تفضيلية وقائمة على التنافس الحر».
وينبغي أن تنعكس صفة عقود الإيجار ومدتها ووتيرة تصاعدها على عائد الامتلاك، حيث يُقلل الدخل المستقر طويل الأمد من مخاطر الاستثمار. وهناك مقياس آخر ينبغي أن يوضع في الاعتبار؛ ألا وهو كلفة إعادة تعمير الأصول، ويعتمد ذلك على تكاليف الإنشاء الحالية وقيم الأرض.
الجانب الفني؛ الاتفاق السابق المُبرم بشأن البنود التجارية، والذي يتولاه مستشار هندسي. يكون هذا الجانب بالغ الأهمية عندما يزيد عمر الأصول على 10 سنوات، حيث سيكون الضمان الإنشائي قد انقضى. فالهدف هو تقييم ما إذا كان المبنى في حالة جيدة من حيث الصيانة، وما إذا كان سيحتاج إلى عملية تجديد أو إصلاح كبيرة في غضون 3 إلى 5 سنوات مقبلة. وفي حالة امتلاك فنادق، يجب الاهتمام بشكل خاص بما إذا كان قد تم إنشاء احتياطي للصيانة، الأمر الذي يؤثر في القيمة المناسبة للصفقة. أضف إلى ذلك أنه ينبغي على المستثمر الحريص البحث عن معلومات عن تطوير المرافق والخدمات وعن أدلة تثبت جودة العمل أثناء البناء.
الجانب القانوني؛ يجب أن يتولى مستشار قانوني مؤهل مراجعة جميع مستندات الملكية والاتفاقيات التجارية التي سيوقعها المالك أو الكيان الذي يمتلك الأصول. والهدف من ذلك ضمان عدم خضوع الأصول لأي التزامات مستمرة، وكذلك تقييم الموقف القانوني للاتفاقيات المُبرمة مع الأطراف الثلاثة. ويؤدي المستشار القانوني المعين دوراً أساسياً في صياغة البنود القانونية لاتفاق البيع والشراء والتفاوض عليها، لا سيما في الأمور المتعلقة بالتمثيل القانوني والضمانات المقدمة من البائع إلى المشتري.
الجانب المحاسبي؛ مراجعة الحسابات لإثبات انعكاس القيمة الكاملة للدخل في دفاتر البيانات والحسابات المصرفية. ويساعد ذلك على تحديد أي تعديلات على قيمة الصفقة، نتيجة التحصيلات المقدمة للعائدات والمدفوعات المسبقة للمصاريف والمعاملات النقدية أو ما يعادلها. وغالباً ما يستخدم نموذج «الصندوق المغلق» (locked-box) في حالة الأصول الفندقية بهدف الوصول إلى قيمة معدلة للصفقة.
جدير بالذكر أنه بينما تبلغ تكاليف العناية الواجبة عادةً أقل من نصف في المئة من قيمة الصفقة، فإنها تحقق فعلياً وفورات تزيد قيمتها على 5 إلى 10%. وفي العديد من الحالات، تحمي من تكبد خسائر مستقبلية هائلة عندما يقرر المستثمر عدم إبرام صفقة تنطوي على العديد من مشكلات العناية الواجبة. ونظراً لتنفيذ جميع الجوانب المذكورة أعلاه بالتزامن مع بعضها البعض، غالباً ما تستغرق فترة تتراوح بين 3 إلى 6 أسابيع، فإنها تمنح المستثمر المحتمل فترة كافية للتفكير فيما إذا كانت الصفقة مناسبة أم لا.
*رئيس قسم أسواق رأس المال بشركة «جيه إل إل» الشرق الأوسط وشمال إفريقيا*
