في يناير من العام الماضي، أعلن سيّدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي "رعاه الله" مبادرة ترمي إلى تحويل إمارة دبي إلى عاصمة للاقتصاد الإسلامي، وهي مبادرة تعكس رؤية تستشرف ملامح المستقبل وتضع نصب أعيننا أهدافاً تسطر بها بلادنا صفحات جديدة في سجل العزة والمجد والرفعة.

فالعين الراصدة للمتغيرات على المشهد العالمي لا يمكن أن تغفل ما بات الاقتصاد الإسلامي يمثله من أهمية في عالمنا المعاصر، ولا ما يحمله من فرص كقاطرة جديدة للتنمية، ولا الرواج الكبير الذي تلقاه حلوله ومنتجاته حول العالم، بينما ينظر البعض لحلول التمويل الإسلامي على أنها الوقود الذي ستتزوّد به قاطرة التقدم العالمي خلال المرحلة المقبلة.

لذا، لم يكن من المُستغرَب أن يعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن هذه المبادرة التي خطت دبي في سبيل تحقيقها خطوات مهمة خلال العام 2013، في حين حرص "نور بنك" أن يكون مواكباً لهذه التطورات، بتحقيقه نتائج قياسية خلال عام كلّله التوفيق ضمن كافة القطاعات الرئيسية للبنك، مؤكداً بذلك جدارته في خضم حراك اقتصادي قوي كشريك رئيس في مساعي دبي الطموحة لتبوّؤ مكانة الصدارة في مسيرة تطوير الاقتصاد الإسلامي العالمي، ومُبرهناً استحقاقه لموقع متميز في ساحة العمل المصرفي المحلي والدولي، مدعوماً في ذلك بخبرات مجلس إدارته الذي يضم نخبةً من صفوة العقول الاقتصادية النابهة التي شاركت في تحويل دبي إلى مدينة عالمية بامتياز.

ومن خلال تجربتنا في "نور بنك"، أودّ أن أتطرّق إلى مجموعة نقاط جديرة بالتأمل لكونها وثيقة الصلة بهذا الموضوع؛ أولها: صلابة الموقف المالي؛ فقد أدركنا في "نور بنك" أن خلق الظروف الملائمة للنمو والربحية هو من المطالب الأساسية...

حيث يجب أن ينصب التركيز في القطاع المصرفي على أسس إدارة رأس المال والسيولة، وتقليل المخاطرة في الأصول الضعيفة، وضمان نسب قوية لكفاية رأس المال، مع الاستمرار في تلبية احتياجات العملاء بتفان وإخلاص، وهي جميعها أسس ضرورية للحوكمة الناجحة، ومن اللافت أن بعضها أصيل في مجال التمويل الإسلامي منذ قرون مضت.

 أما النقطة الثانية، فتتعلق بروح الريادة في مجتمع الأعمال؛ فالنجاح اليوم أصبح مرهوناً بالسرعة والكفاءة والمرونة في اتخاذ القرار والقدرة على الإبداع للظَفَر بالفرص، وقد نجحت دبي في تقديم نموذج يحتذى في ذلك، بينما لا تدخر حكومتها جهداً في رصد سبل جديدة كل يوم لتلبية احتياجات المواطن العادي، في حين يسير التمويل الإسلامي على ذات النهج في تطوير أساليب مبتكرة لتلبية احتياجات المجتمع ومؤسسات الأعمال.

ثالثاً، أصبح التواصل من أهم مقومات نجاح الدول ومجتمعات الأعمال على السواء في كنف العولمة التي واكبتها دبي بجدارة مع حفاظها على انتمائها العربي الأصيل، فتحولت إلى مدينة عالمية من الطراز الأول تجتذب الكفاءات المتميزة ومؤسسات الأعمال الكبرى، وقامت ببناء شبكة علاقات واسعة مع العالم، ولم يكن "نور بنك" بعيداً عن ذلك؛ ففريق العمل فيه يضم نخبة من الخبرات المالية والمصرفية المحلية والعالمية المشهود لها بالكفاءة العالية؛ في حين نجح البنك في تأسيس شبكة علاقات عالمية ذات قيمة مضافة رفيعة لعملائه يزيد من أثرها الإيجابي النمو الاقتصادي القوي في دولة الإمارات والمنطقة.

رابعاً، جاء التطور في منطقتنا مدفوعاً في الأساس بالموارد الطبيعية، إلا أن نهضة دبي اعتمدت بصورة مغايرة على الأفكار والمعرفة والابتكار كقوة دافعة أساسية، وهو ما مكّننا ومؤسساتنا من المنافسة عالمياً، وكان "نور بنك" حريصاً على مواكبة هذا التوجّه، وقام بتعيين مسؤول ابتكار ضمن فريق الإدارة العليا، وهو منصب ربما يكون نادراً في الصناعة المصرفية..

ولكنه يهدف إلى تعزيز قدرتنا على خدمة عملائنا عبر ابتكار طرق جديدة لتنفيذ المعاملات المصرفية أو معاملات التمويل المؤسسي المهيكلة أو داخلياً من خلال تحسين الأنظمة والعمليات؛ وبالمِثل يبتكر التمويل الإسلامي استراتيجيات جديدة كل يوم؛ ففي الماضي، كان سوق الصكوك مقتصراً بشكل كبير على الآجال القصيرة، بينما اليوم نرى السندات طويلة الأجل، وحلول التمويل التجاري المهيكلة، وإصدارات رأس المال المختلطة، وسبل مبتكرة تستحوذ على التدفقات التجارية بين الشرق الأوسط وأفريقيا وتركيا وشبه القارة الهندية وآسيا.

إلا أن الثقة والنزاهة تبقى من أهم أسس تحقيق النجاح لاسيما على مستوى المؤسسات المالية، ومع كون بناء الثقة يتطلب جهداً شاقاً، فإن الحفاظ عليها يستوجب جهداً أكبر؛ وهو ما تعلّمَته الكثير من المؤسسات المالية العالمية بعد أن دفعت ثمناً باهظاً.

ولا يكفي بالنسبة لأية مؤسسة مجرد إطلاق شعار بأنها متوافقة مع الشريعة الإسلامية، بل يجب أن تكون القيم الإسلامية حاضرة في جوهر أي عمل تقوم به وأن تكون عنصراً أصيلاً في بنيتها، ولا شك في أن التمويل الإسلامي بقيَمِه الرفيعة قادرٌ على بناء جسور هذه الثقة والحفاظ عليها.

إن مجمل تلك النقاط البسيطة في ظاهرها بالغة الأهمية في جوهرها يشكل أساس قاعدة أي اقتصاد مُزدهر وصناعة مالية مستدامة؛ فالاقتصاد الإسلامي، بما في ذلك قطاع التمويل الإسلامي، لا يتمحوّر حول المسلمين فقط، فرؤية دبي لمستقبل هذا الاقتصاد واسعة وشاملة، في حين يجب على المصارف الإسلامية أن تدرك مدى جاذبية المبادئ الاقتصادية في الشريعة الإسلامية لمختلف قطاعات وشرائح عالم التمويل.

ونحن في "نور بنك" يسعدنا أن نكون شريكاً فاعلاً من هذا التطور المهم في مستقبل الحركة الاقتصادية في دبي ودولة الإمارات، ونتطلع إلى القيام بدورنا كاملاً في تعزيز قدرات بلادنا وتأكيد جدارتها بريادة خطى العالم على درب تنمية الاقتصاد الإسلامي.