أجمع مسؤولون وقانونيون على أن الحاجة للقانون الاتحادي للإعسار والهيكلة قد تزايدت لتوفير الحماية والحصانة للنهضة الاقتصادية التي تشهدها الإمارات ودبي في الوقت الراهن، وذلك رغم الانحسار الحاد في قضايا الإفلاس، مقارنة بما كان عليه الوضع لدى تفجر الأزمة المالية العالمية في العام 2008، وما صاحبها من مضاعفات سلبية بالنسبة للشركات العاملة في إمارة دبي.

وقد أسدل الستار يوم الأربعاء الماضي عن فعاليات "الندوة القضائية الإقليمية الثالثة للإعسار وإعادة الهيكلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا"، والتي نظمها معهد "حوكمة" بشراكة مع مجلس دبي الاقتصادي، وبالتعاون مع معهد دبي القضائي، والرابطة الدولية لأخصائي إعادة الهيكلة والإعسار والإفلاس (إنسول)، ومجموعة البنك الدولي واستمرت لمدة يومين.

وأكد المشاركون في الندوة على أهمية مشروع قانون إعادة الهيكلة المالية والإفلاس التي تعتزم دولة الإمارات إصداره في المستقبل القريب، مع ضرورة أن يكون مرناً، ويعمل على إيجاد توازن بين التوجه نحو العالمية والاستفادة من أفضل الممارسات مع خصائص البيئة التنظيمية والتشريعية والاقتصادية والمالية، اضافة الى ثقافة الأعمال السائدة في الإمارات، ولفتوا إلى أن عملية جمع القوانين العالمية بشأن إعادة الهيكلة والإفلاس للتوصل الى حالة جديدة، تعد تجربة جديرة بالاهتمام وبالإمكان تبنيها في دول الإمارات ودول المنطقة، ودعوا إلى التركيز على المفاهيم الأساسية المرتبطة بموضوع إعادة الهيكلة المالية والإفلاس، وبالتالي تطبيقها، وضرورة القيام بعملية إصلاح القوانين بشكل مناسب والتوافق مع افضل الممارسات.

نقطة انطلاق جديدة

فمن جانبه، أكد هاني الهاملي الأمين العام لمجلس دبي الاقتــصادي ان مــشروع قانون إعادة الهيكــلة الــمالية والإفلاس الذي تعكف حكومة دولة الإمارات على اصداره في المســتقبل القريب سيشكل نقطة انطلاق جديدة في الجــهود الرامية الى تحديث وتقــوية الأطر التشريعية المعززة لعملية التنمية المستدامة في الإمارات وترسيخ مكانتها على خريــطة الاقتصاد العالمي وذكر الهاملي ان المطلوب في المرحلة القادمة هو توظيف تلك الممارسات لجهة تطوير الأطر التشريعية المحلية نظراً لأهمية ذلك في تعزيز بيئة الأعمال ومناخ الاستثمار لأنها ستحفز جميع المشاركين في العملية الاقتــصادية في الدولة على العمل وزيادة الإنتاجية وترسيخ روح الابتكار نظراً لدوره في توفير بيـــئة أعمال محفزة ومناخاً استثمارياً يتسم بالشفافية والحوكمة والعدالة وبالتالي يساهم في تعزيز النمو الاقتصادي.

منصة تفاعلية

وفي السياق ذاته، أشار الدكتور سمير الانصاري، الرئيس التنفيذي المؤقت لمعهد "حوكمة" إلى ان أهمية الندوة تكمن فضلاً عن المنصة التفاعلية التي وفرتها لجمع نخبة مختارة من أفضل خبراء القانون في العالم اضافة الى ممثلي المنظمات العالمية ذات العلاقة وممثلي المؤسسات المالية ومكاتب الاستشارات القانونية والمالية، لاسيما في القضايا المتعلقة بإعادة الهيكلة المالية والإفلاس، فأن أجندة الندوة قد تضمنت استعراضات لأفضل الخبرات والممارسات العالمية في مجال عمليات إعادة الهيكلة المالية والقانونية والإفلاس بهدف الاستفادة منها في تطوير الممارسات المطبقة حالياً في دولة الإمارات ودول المنطقة ما يعني ترشيد القرارات التي تتخذها كافة الجهات القضائية المعنية في التعاطي مع هذه القضايا وبما يؤمن أفضل الحلول التي تعتور أعمال تلك الجهات.

آليات للتحصين والحماية

وعلى المنوال ذاته، قال الدكتور حسام التلهوني المستشار القانوني لوزير المالية إن مشكلة إعسار الشركات التي تفاقمت حدتها في العام 2009، لم تعد قائمة في دولة الإمارات بهذا الشكل الذي كانت عليه، فالجميع يعون جيداً حالة الانتعاش والازدهار الاقتصادي التي تشهدها الدولة في الوقت الحالي، ولكن يحتاج هذا التعافي إلى آليات وأنظمة لتعزيزه وتقويته، مشيراً إلى دولة الإمارات تشهد حركة قوية ونشطة لإعادة بناء شبكة موسعة من القوانين في مختلف المجالات.

بما في ذلك المجال الاقتصادي، وامتدح هذه الحركة، واصفاً إياها بالحركة التصحيحية التي تمضي قدماً للأمام من خلال مشاركة خبرات متمرسة في هذه المجالات، تتمثل إحدى تعبيراتها في مشاركة شركات ذات وزن ثقيل عالمياً، فضلاً عن مشاركة شركات استشارات قانونية وخبراء عالميين.

وأشار التلهوني إلى أن مشروع القانون يمر بمرحلة إعداد وتحضير بالغة الدقة، حيث يجري فحص كافة الأبعاد والمجالات بدقة متناهية، حتي يخرج القانون في صورة تكون مدعاه للفخر والاعتزاز، مشيراً إلى دولة الإمارات صارت تشتهر بإصدار قوانين بالغة الرقي والتقدم، بحسب المعايير الإقليمية والدولية.

تراجع حاد للإفلاس

وفي السياق ذاته، رصد عبد العزيز الياقوت الشريك الإداري الإقليمي في مكتب « دي إل إي بايبر » حالة التراجع الحادة في حالات الإفلاس في الإمارات ودبي، مشيراً إلى أن التعافي الاقتصادي الذي تشهده الدولة، قد سهم في تقليص حالات الإفلاس، مقارنة بما كان عليه الوضع خلال السنوات الثلاث الماضية، وذلك رغم أنه لا توجد أرقام توضح حجم قضايا الإفلاس التي تنظرها المحاكم في الإمارات.

وأكد أن هناك حاجة لسن قانون إفلاس قوي، ليس للإمارات فحسب، وإنما لكافة الدول، بالنظر إلى أن إفلاس الشركات يشكل جزءاً من الحياة الاقتصادية في كافة البلدان، فكما أن هناك حاجة لقواعد وقوانين لتأسيس الشركات، فإن هناك وبالقدر ذاته حاجة لتنظيم خروج الشركات من السوق.

وأشار إلى أن مشروع القانون الاتحادي للهيكلية المالية والإعسار يجمع بين منظورين، وهما إنقاذ الشركة المتعثرة من جانب، وتصفيتها في حالة الإخفاق في إنقاذها، من جانب آخر، مشيراً إلى أن قوانين السارية في دول منطقة الشرق الأوسط تعالج قضايا الإفلاس من منظور تصفية أصول الشركات المتعثرة، فيما تنظر القوانين المعاصرة إلى هذه المسألة من منظوري التصفية والإنقاذ، بما يحقق صالح المدينين والدائنين.

ولفت إلى أن معالجة تعثر الشركات يستلزم إجراءات تتميز بالشفافية، وتحقق المساواة بين الدائنين، فيما يتعلق بإجراءات الإفصاح عن المعلومات الخاصة بالشركة المتعثرة .

 

دعوة إلى سن قانون إسلامي للإفلاس

طالب مدثر صديقي، أكاديمي في الشريعة، مستشار قانوني بسن قانون للإفلاس متوافق مع الشريعة الإسلامية، مشيراً إلى أنه عادة ما تخلو قوانين الإفلاس من مضامين الشريعة الإسلامية، فالدين أساساً يحدد وفقاً للمعايير الشرعية. وذكر أن الشريعة تسهل الإجراءات ولابد من اتباعها ولكن بعد حل مشكلة هيكلة المال الإسلامي. كذلك طالب مدثر بوجود توافق بين قوانين المجتمع وقانون الإفلاس. كما أفاد بأنه في إطار مسعى دبي لأن تكون مركزاً عالمياً للاقتصاد الإسلامي فلابد من وجود هيئة شرعية تتعامل مع مختلف الحالات، وأن تضع معايير تتماشى مع مقاصد الشريعة وليس فقط هيكلة الأصول، وهذا ما حدث في المملكة المتحدة، حيث لم يتم الأخذ بالاعتبار بالمضامين الإسلامية لبعض الحالات التي قامت على أساس إسلامي.

وقدم مدثر خلفية تاريخية عن مفاهيم الإعسار من المنظور الإسلامي. كما أشار الى بعض المشاكل التي تبرز من عمليات إعادة الهيكلة من قبيل تمديد مدة الدفع، وتحويل العقود الى اخرى مثل تحويل عقود المرابحة الى الاستئجار. وقدم بعض الأمثلة عن حالات الإفلاس وكيف يتم التعاطي بها من منظور الشريعة الإسلامية، من قبيل شراء العقار بأسلوب الإيجارة بسعر ثم يتعرض المشتري الى الإفلاس.

حيث إن حدود مسؤولية المتعثر هي قيمة العقار ناقص ما دفعه من أقساط، والمشكلة تكمن في قيمة العقار الحالية في السوق، مؤكداً أن هناك المئات من هذه الحالة في ماليزيا ودول أخرى.

أما فيما يتعلق بعقد الاجارة فإن القاعدة الشرعية ان البنك هو صاحب العقار وحتى بعد دفع عدد من الأقساط يستمر البنك مالكاً للعقار ما لم تستكمل جميع الاقساط، وفي حال حصول اعسار لدى المشتري فسيعتبر العقد ايجاراً ويجوز للمالك (البنك) اخراجه من البيت، وهذا ما حدث في محاكم دبي.

وأشار مدثر إلى ان الإفلاس ليس جريمة، حيث لابد من معرفة الأسباب التي تقف وراءه ما لم يكون هناك خداع من قبل المدين أو أن يقوم باخفاق بعض الحقائق، أو في حالة وجود أصول لديه ولكن يمتنع من استخدامها لدفع التزاماته المالية مع الدائنين. وفي هذا السياق، ذكر مدثر أنه طالما هنالك اعلان عن الاعسار من قبل المقترض فإنه يعني أن ملكيته سوف تنتقل الى المقرض، مع بعض الاستثناءات حيث يمنح للمقترض بعض المرونة لكي يستطع الإيفاء باحتياجاته وصيانة كرامته وعائلته، مثل السماح له بممارسة النشاط التجاري حتى لو أعلن افلاسه، أو الحصول على حد أدنى من وسائل الحياة، بما في ذلك الأثاث، حيث لا يستطع المقرض اجبار المقترض على دفع دينه بظروف تعسفية.

أما بخصوص حقوق المقرضين، فإن الشريعة الإسلامية تحقق نوعاً من التوازن بين كرامة المقترض وحقوق المقرض. فالمقترض يجب ان يعلن إفلاسه قبل ان تعلنه المحكمة المختصة. كذلك قدم مدثر بعض المعالجات التي تقدم في حالة الإفلاس بحسب المذهب المالكي.

 

قانون الإفلاس الأميركي يحمي المدينين والدائنين

جرت الإشارة خلال جلسة بعنوان "الملكية الشخصية وإعادة الهيكلة - دراسة حالة شركة سن كابيتال"، أدارها القاضي اليستر نورس، محكمة العدالة العليا في بريطانيا وويلز، جرت الإشارة الى ان الفصل 11 من قانون الإفلاس الأميركي يعد من بين أهم الممارسات العالمية في مجال عمليات إعادة الهيكلة والإفلاس، حيث تم استخدامه من قبل الشركات في الولايات المتحدة لما يوفره لها من فرصة للشركات المتعثرة بالتقاط انقاسها من أجل إعادة ترتيب أمورها وتنظيم هياكلها في حين أن الممارسات في معظم دول العالم الأخرى تركز على اللجوء الى تسييل أصول الشركات المتعثرة.