أفاد المستشار القانوني لوزير المالية، أنه تم الانتهاء من صياغة مشروع القانون الاتحادي للإعسار، وأنه جرت مناقشته مع الجهات الرسمية المختصة بالعملية التشريعية، معرباً عن اعتقاده بأنه سوف يرى النور قريباً.

وانطلقت أمس فعاليات الندوة القضائية الإقليمية الثالثة للإعسار، وإعادة الهيكلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي جاءت ضمن عمليات التحضير والإعداد لإصدار هذ القانون. حيث انعقدت الندوة بشراكة بين مجلس دبي الاقتصادي ومعهد "حوكمة"، وبالتعاون مع معهد دبي القضائي، والرابطة الدولية لاختصاصيي إعادة الهيكلة والإعسار والإفلاس (إنسول)، ومجموعة البنك الدولي.

حضر الندوة عدد من ممثلي مراكز صنع القرار، وكبرى شركات الاستشارات القانونية والمالية العالمية، وقضاة ومحامين، إضافة إلى ممثلي القطاع الخاص، وخبراء دوليين في قضايا إعادة الهيكلة. وتناولت جلسات الندوة العديد من القضايا المتعلقة بالأطر التنظيمية والقانونية المرتبطة بإعادة الهيكلة المالية والإفلاس في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وسبل تطوير وتحسين القوانين والممارسات المرتبطة بهذه العمليات.

ثالوث التنمية المستدامة

وأشار هاني الهاملي الأمين العام لمجلس دبي الاقتصادي، إلى أن البيئة التنظيمية والقانونية هي أحد أضلاع ثالوث التنمية المستدامة، حيث تأتي إلى جانبها البيئة الاقتصادية، وقِوامُها سوق فاعل يعمل في مناخ تنافسي، والبيئة السياسية والأمنية التي توفر المناخ الآمن للاستثمارات.

وبالتالي، فإن عدم تلبية استحقاقات الشرط التنظيمي من شأنه أن يؤدي إلى بعثرة الجهود التنموية وتصدع المناخ الاستثماري، وبالتالي، سيؤثر في برامج التنمية وهدف رفع معدلات النمو الاقتصادي ورفاهية أفراد المجتمع.

وأكد الهاملي أن القيادة الحكيمة لدولة الإمارات، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وأخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، شرعت باستحداث وتعديل العديد من القوانين التجارية، بهدف مواكبة المتغيرات التي تشهدها الساحة المحلية والإقليمية والدولية.

ولعل من بين أهم تلك التشريعات، هو مشروع قانون إعادة الهيكلة المالية والإفلاس، والذي نتوقع حال إصداره أنه سيمثل انطلاقة جديدة للاقتصاد الوطني نحو آفاق رحبة من النمو والتطور، ولا ريب أن هذه الخطوة إنما تنم عن وعي قيادة الدولة باستحقاقات المرحلة الراهنة والقادمة.

فوائد اقتصادية وتجارية

وأضاف الهاملي أن لقانون إعادة الهيكلة والإفلاس أبعاداً بالغة الأهمية من المنظور الاقتصادي. وتكشف التجارب العالمية النقاب عن هذه المنافع، أهمها، أنه يحفز جميع المشاركين في العملية الاقتصادية على العمل وزيادة الإنتاجية وترسيخ روح الابتكار، نظراً لما يوفره من بيئة أعمال محفزة، ومناخ استثماري يتسم بالشفافية والحوكمة والعدالة والشفافية في ما يتعلق بالتعامل مع الشركات المتعثرة، وتوفير نظام يحدد المخاطر التي قد تتعرض إليها هذه الشركات...

وبالتالي، تقديم وصفة من المعالجات التي من شأنها تجنب إقدامها على إشهار إفلاسها بصورة غير مدروسة، بما يشمل ذلك رفع الحرج من هذه الأخيرة في حالة الاضطرار إلى ذلك، كما سيكون أمام الدائنين آفاق لاسترداد أموالهم، مقابل إعطاء الفرصة للمدينين لالتقاط أنفاسهم...

وبالتالي، يمكن أن يسهم كل ذلك في تعزيز ثقة المستثمرين، وبالتالي، جذب الاستثمارات الأجنبية الجديدة، والإبقاء على القائمة منها، وحماية المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتحسين التصنيف العالمي للاقتصاد المحلي في مجال التنافسية، والنتيجة هي تعزيز عملية النمو الاقتصادي.

ومن جانب آخر، يسهم القانون المذكور في الحفاظ على حيوية القطاع المالي، من خلال الحلول التي يوفرها بالنسبة للمدينين الذين يواجهون حالات إعسار، أو يقتربون من حافة الإفلاس، وبالتالي، سيعزز من ثقة المصارف في السوق المحلية وبأداء عملائها.

وقال الدكتور سمير الأنصاري الرئيس التنفيذي المؤقت لمعهد "حوكمة": إن الندوة تنظم في الوقت المناسب، حيث تعكف حكومة دولة الإمارات على تشريع قانون الإفلاس. وذكر أن الإمارات لديها إطاران قانونيان في الإفلاس، الأول مطبق من قبل مركز دبي المالي العالمي، والآخر مطبق في الدولة ككل.

وأشار إلى أن هذه الندوة توفر منصة لإثارة النقاش والحوار حول أنظمة إعادة الهيكلة والإفلاس، ليس على مستوى دولة الإمارات فحسب، بل عبر دول المنطقة، وهي فرصة للاستفادة من أفضل التجارب العالمية، وكيفية تطويعها لجهة تطوير الأطر القانونية والمالية الحالية، بشأن إعادة الهيكلة والإفلاس.

وذكر د. سمير الأنصاري أن الخوف من الفشل ووصمة العار التي عادة ما تلصق بحالات الإفلاس، قد تثبط رواد الأعمال والشركات من الدخول في أعمال جديدة وأسواق جديدة، طالما يرون أن التكاليف المالية والاجتماعية المترتبة على هذا الفشل تفوق مزايا النجاح. من هنا، فإن تطبيق التشريعات الحديثة في مجال إعادة الهيكلة والإفلاس، قد يرسل رسائل إلى الأسواق بأنها تدرك المخاطر التي تحيط بالشركات الجديدة، وأنه بإمكانها أن توفر مخرجاً وأطراً لإعادة الهيكلة، كما تمنح الثقة لمجتمع الأعمال، من خلال منحهم فرصة لالتقاط الأنفاس واستئناف النشاط.

وأشار الأنصاري إلى أن أحد العناصر الرئيسة لنجاح عمليات إعادة الهيكلة، هو وجود إطار سياسة فعال يحقق التوازن ما بين مصالح جميع الأطراف، مثل البنوك، والمدينين، والدائنين وبقية أصحاب العلاقة. وأكد أن وجود بيئة قانونية وتنظيمية ومحاسبية داعمة، يعد ضرورياً لتحقيق إعادة هيكلة شركات ناجعة، وهو ما يجرنا إلى قضية في بالغة الأهمية، وهي "حوكمة الشركات".

وفي هذا الإطار، أشار الرئيس التنفيذي المؤقت لـ "حوكمة" إلى أن حوكمة الشركات وإعادة الهيكلة، مفهومان مترابطان. فالحوكمة ترتبط بصورة كبيرة بالامتثال للقوانين. وهذا الالتزام هو جزء مكمل للحوكمة، ولكنه ليس المكون الوحيد. إن مجال حوكمة الشركات واسع، وعادة يغطي خمس نواحٍ، وهي:

الالتزام والرؤية والتبصر والاستراتيجية، وظيفة الأجهزة الإدارية، الرقابة الداخلية، والتي هي وظيفة التدقيق الداخلي والخارجي، الشفافية وكشف المعلومات، إضافة إلى حقوق أصحاب العلاقة، منوهاً بأن جميع هذه النواحي الخمس تعمل معاً، وتوفر صورة متكاملة عن الحوكمة ضمن المنظمة المعنية.

انتهاء صياغة القانون

وفي السياق ذاته، قال الدكتور حسام التلهوني المستشار القانوني لوزير المالية، إنه تم الانتهاء من مشروع القانون الاتحادي للإعسار من ناحية الصياغة، وجرت مناقشته مع الجهات الرسمية المختصة بالعملية التشريعية، معرباً عن اعتقاده بأن مشروع القانون سوف يرى النور قريباً.

وأولت وزارة المالية مشروع القانون أولوية كبيرة خلال عمليات التحضير والإعداد، بالنظر إلى أن هذا القانون يمس جوهر العمليات الاقتصادية والتجارية، وبالتالي، فإن المسائل المرتبطة بهذا القانون، هي في جوهرها قضايا اقتصادية على درجة عالية من الأهمية والحيوية، رغم أنه يغطي شريحة من التجار والشراكات الذين يواجهون ضوائق مالية.

وأكد الدكتور حسام التلهوني أن وزارة المالية اختارت أن تضع قانوناً جديداً كلياً، يأخذ في عين الاعتبار ما هو مطبق حالياً من معايير دولية، خاصة في ما يتعلق بتسوية الخلافات بين الدائن والمدين خارج دائرة المحاكم، ووضع حدود فاصلة بين مراحل التسوية المالية لحالات الإعسار والتعثر، وتتضمن الانتقال من مرحلة التنظيم المالي، مروراً بخطة التسوية الودية، ووصلاً إلى مرحلة الهيكلة المالية والإفلاس..

وبالتالي، تميز مشروع القانون الحالي باعتماده على نهج التدرج، واستناده على مبادئ القانون الحالي، في ما يتعلق بالحفاظ على النظام العام، وأكد أن وزارة المالية استثمرت في أعمال التحضير والإعداد لهذا القانون الكثير من الجهد والوقت، حتي يخرج في أفضل أوضاعه.

ترتيب

أشار عصام التميمي شريك رئيس، التميمي وشركاه، إلى أنه رغم الأهمية القصوى لوجود بنية تحتية قانونية وتنظيمية لإعادة الهيكلة المالية والإفلاس، فإنه من الضروري قيام الشركات المتعثرة بإعادة ترتيب أمورها قبل أن تهرع إلى محاكم الإفلاس، والتي قد تكلفها الكثير من الوقت والجهد والتكاليف، طالما أن إدارات تلك الشركات هي أكثر معرفة وممارسة بالقضايا التي آلت إلى التعثر..

وبالتالي، الاقتراب من حافة الإفلاس. كما أكد على ضرورة أن تقوم محاكم الإفلاس بإشراك جميع أصحاب العلاقة والدائنين، من أجل النظر في قضايا الإفلاس. ومن جهة أخرى، يرى التميمي أن وجود قانون إعادة هيكلة مالية وإفلاس فعال من شأنه أن يقوي القدرات المؤسسية للمحاكم.

 شملان الصوالحي: توسيع حيز خيارات المستثمرين

قال القاضي شملان الصوالحي في محاكم مركز دبي المالي، إن مشروع القانون الاتحادي الجديد الخاص بالإعسار، يوفر خياراً متميزاً ومتفرداً للمستثمرين والمتقاضين، جنباً إلى جنب مع الخيار المُتاح من جانب محاكم مركز دبي المالي العالمي، ووصف هذا النهج بأنه الأكثر حصافة وملاءمة، حيث تكون خيارات التقاضي متنوعة ومتعددة، على نحو يوفر للمتقاضين والمستثمرين مساحة واسعة من حرية اختيار أسلوب التقاضي الأكثر مواتاة وملاءمة، دون أن يكونوا مضطرين إلى أن يعملوا وفقاً لخيار واحد، مشيراً إلى أنه سوف يتوقف على المستثمرين اختيار القانون الذي يرغبون في تطبيقه..

ولفت إلى أن محاكم مركز دبي المالي العالمي تطبق قانون للإعسار، مُستمد من نظام القانون العام، فيما يتبع قانون الإعسار لدولة الإمارات نظام القانون المدني، وبالتالي، فإن إنماء القانونيين إلى نظامين مختلفين، من شأنه أن يوسع هامش الخيارات المُتاحة للمستثمرين والمتقاضين.

وأكد الصوالحي على أن تنوع الخيارات القانونية يتناغم مع حقيقية تنوع فئات وشرائح مجتمعات الأعمال في الإمارات، وهو ما يستلزم العمل على توفير حيز متسع من الخيارات القضائية المتعددة والمتنوعة، مشيراً إلى أن الهيئات المعنية ومتخذي القرارات، يأخذون هذه الرؤية في استراتيجيتهم الرامية إلى تعزيز جاذبية، كمقصد استثماري بارز على الصعيد العالمي، يكون قادراً على تلبية الاحتياجات المتنوعة والمتعددة لبيئة الأعمال، ونوه بأن بنية دولة الإمارات، بوصفها دولة اتحادية، تتيح إمكانية لمثل هذا التعدد والتنوع في المنظومة القانونية، حيث تعمل القوانين الاتحادية جنباً إلى جنب مع القوانين المحلية.