حدد رؤساء تنفيذيون لمصارف إسلامية أدواراً لمصرف الإمارات المركزي لتعزيز تطور أسواق المال الإسلامية، ودعا بعضهم إلى قيام المصرف المركزي بتشكيل هيئة شرعية عليا يناط بها مهمة وضع مقايس ومعايير للمنتجات المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية..
وقدروا بأن غياب وجود مثل هذه الهيئة الشرعية يمثل عائقاً مهماً أمام تطور أسواق المال الإسلامية، وأوصى بعضهم بأن يتم تأسيس مثل هذه الهيئات على أساس وطني كمرحلة أولى، تتلوها مرحلة توثيق التعاون بين هذه الهيئات مع بعضها البعض.
وأكد الرؤساء التنفيذيون أنه بدون حل مشكلة تعدد الهيئات الشرعية، وما يصاحبها من بروز اختلافات في معايير المنتجات المالية الإسلامية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، فإنه لن يكون بالمستطاع تطوير أسواق المال الإسلامية إلى المستوى الذي بلغته أسواق المال التقليدية، وامتدحوا قيام مصرف الإمارات المركزي بتدشين منتجات مالية متوافقة مع الشريعة الإسلامية، على غرار الحال بالنسبة لشهادات الإيداع الإسلامية..
ولكنهم قالوا في أحاديثهم لمعدي التقرير الأخير الصادر عن مجموعة أكسفورد للأعمال بشأن التطورات المالية والاقتصادية في إمارة دبي، إن أسواق المال الإسلامية مازال في مرحلة البداية، وإنها بحاجة إلى الكثير من الجهود والمبادرات لتعزيز إمكانياتها على التطور للأمام.
تحديات توحيد المقاييس
وفي البداية، أجاب جمال بن غليطة الرئيس التنفيذي لمصرف الإمارات المركزي عن سؤال بشأن العقبات التي تعترض مقاييس للمنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، بقوله: « تنطوي عملية وضع أي مقياس على تحد رئيسي، يتمثل في تجميع وجهات النظر المختلفة على امتداد الصناعة بأسرها، وحتى الآن، يعمل القطاع، بموجب مقاييس تضعها الهيئات الشرعية، على مستوى كل مصرف على حدة، وهو ما يؤدي إلى تنوع واختلاف المقاييس من مصرف لآخر، بحسب اختلاف وجهات نظر الهيئات الشرعية لكل مصرف».
وأضاف قائلا: « يعد توحيد وجهات النظر الفقهية في نموذج موحد، مسألة تنطوي على تحديات جمة، ومع ذلك، ومع الاخذ في الحسبان، الأهمية الحيوية لتوحيد المقاييس بالنسبة لتطور وتقدم الصناعة، فإنني على ثقة بأن مصرف الإمارات المركزي سوف يطرح خططاً، تهدف إلى وضع إطار تنظيمي موحد متوافق مع الشريعة..
وهو ما سوف يحقق للصناعة مزايا وفوائد عديدة، فمن شأن وجود مكتب موحد أن يؤدي إلى توفير كافة المنتجات عبر جميع المؤسسات الإسلامية داخل الدولة، وهو ما يقود إلى إثراء العروض المُقدمة من جانب الصناعة، وتحفيز المصارف الإسلامية على تحسين خدماتها، عوضاً عن بذل الجهود في مجال ابتكار هياكل للمنتجات ».
وأوضح جمال بن غليطة أنه من منظور المستهلكين، فإن هذا الوضع من شأنه أن يخفف القلق لديهم بشأن مدى امتثال مختلف المصارف مع أحكام الشريعة.
تعزيز التنافسية
ومن جانبه، قال حسين القمزي الرئيس التنفيذي لبنك نور: إن وضع مقاييس وطنية لخدمات ومنتجات الصيرفة الإسلامية داخل الدولة يعد مسألة بالغة الأهمية لتحقيق النمو، إذا ما أراد قطاع الصيرفة الإسلامية في الدولة تعزيز تنافسيته، بوصفه صناعة عالمية، ودعا إلى إزالة أوجه الاختلافات القائمة بين مختلف المقاييس ..
وأضاف بقوله : « نحن وجدنا أنفسنا في أوضاع تملي علينا الدخول في مجال القروض المجمعة، مع الأربعة مصارف إسلامية الأخرى في دبي، وكان بمقدورنا الحصول على موافقة ثلاثة من اربعة مصارف، وشيوع قصص من هذا القبيل من شأنه أن يجعل الأمر غير سهل بالنسبة للشركات، أن تفكر في التمويل الإسلامي، لدى عقدها أية مقارنة بينه وبين التمويل التقليدي، فمازالت الصناعة في مبكرة من التطور، ولقد عملنا بشكل جيد لفترة من الوقت، دون توافر مقاييس موحدة، ولكن حان الوقت الآن لإنجاز هذا الأمر ».
واستدرك في حديثه قائلا : « نحن بحاجة إلى مواصلة الضغوط على علماء الشريعة لكي يضعوا مقاييس متماثلة ومتطابقة مع بعضها البعض، فلن تتحقق الاستدامة، إذا ما استمر تعارض واختلاف المقاييس بين كل من ماليزيا والسعودية والإمارات، ولأجل تحقيق الصالح أعمالنا، يجب أن يكون لدينا نموذج مماثل لتلك المتبعة من جانب المصارف التجارية التقليدية، ونحن لم نشهد مقاومة لهذا التوجه..
ولكن ربما نفتقر إلى الهيئة الدولية أو العالمية التي تدفع نحو توحيد المقاييس والمعايير، ولكننا نعتقد أن المسألة باتت حتمية، بأن تكون الخطوة الأولى في اتجاه توحيد المقاييس في إطار كل دولة على حدة، كما هو الوضع في ماليزيا والبحرين، يتلو ذلك مرحلة توثيق التعاون فيما بين الدول مع بعضها البعض، ثم يتم في النهاية توحيد الهيئات الشرعية على النطاق الدولي ».
أفاق المستقبل
ولفت حسين القمزي إلى أنه حتى يتم إنجاز هذه الخطوات، فإن القدرة منافسة المصارف التجارية التقليدية، ستكون مكبلة بالقيود.
وفي المقابل، عرض عدنان شلوان الرئيس التنفيذي لبنك دبي الإسلامي وجهة نظر مخالفة بقوله : « نحن لا نؤمن بأن تنظيم الصيرفة الإسلامية يحتاج بالضرورة إلى مقاييس عالمية، تقوم بوضعها هيئة شرعية دولية موحدة، فهذا من شأنه أن يزيل المنافسة فيما بين المصارف، بما يقود إلى تضييق إمكانية التنويع في المنتجات والأدوات».
وأوضح عدنان شلوان أن لدى دولة الإمارات، 52 مصرفاً، من بينها، 5 مصارف إسلامية، فضلاً عن 8 مصارف أخرى منخرطة في الصيرفة الإسلامية، فيما تنتمي بقية المصارف الأخرى إلى قطاع الصيرفة التقليدية، مشيراً إلى أنه في ظل هذا الوضع، لا توجد هيئة شرعية مناط بها مسؤولية توحيد المقاييس وتوجيه أعمال ومنتجات الصيرفة الإسلامية..
ولفت إلى أنه من شأن تواجد هيئة كهذه، أن يحول دون تنويع استراتيجيات الأعمال فيما بين المصارف، إذ يؤدي اختلاف الآراء بشأن المبادئ الإسلامية إلى تعزيز المنافسة، وتوسيع نطاق المنتجات المطروحة للعملاء والمستهلكين، بما يدعم روح الابتكار والإبداع.
وتابع حديثه بقوله : «القول بأن غياب وجود الهيئة الشرعية الموحدة، يعوق نجاح الصيرفة الإسلامية، هو مجرد نظرية مغلوطة، ومع ذلك، فإن توحيد المقاييس فيما يتعلق بالقواعد الكلية والسياسات، تعد مسألة بالغة الأهمية والحيوية في التحرك نحو عولمة الصيرفة الإسلامية فمن المستحيل توحيد المقاييس، من دون ان يكون هناك دعم من الهيئة التنظيمية، فالمصارف الإسلامية في دولة الإمارات غير موحدة..
وكل منها يلعب بالأوراق التي يفضلها ويرغب فيها، كما أن هناك عائقاً إضافيا يعترض توحيد هذه المصارف، وهو اختلاف وجهات النظر فيما بين الهيئات الشرعية للمصارف في الإمارات، وذلك لأن التوحيد سيؤدي حتماً إلى الضغط على الأرباح باتجاه الانخفاض، ومن ثم، فإن الطريقة الوحيدة للمضي قدما، هي أن تقوم الهيئة التنظيمية بتفويض هيئة شرعية إشرافية واحدة تمتثل لها جميع المصارف ».
التجارة السلعية خارج اهتمامات المصارف الإسلامية
قال رؤساء تنفيذيون لمصارف إسلامية في الدولة: إن سوق التمويل المصرفي للأنشطة التجارية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية ينطوي على فرص ضخمة غير مستغلة على الإطلاق، وأوضحوا أن التحدي الرئيسي يكمن في عدم امتلاك المصارف الإسلامية منتجات متطورة التي تعينها على الاستفادة من الفرص المتاحة لها في قطاع التجارة الإسلامية.
وفي البداية، أجاب عدنان شلوان الرئيس التنفيذي لبنك دبي الإسلامي على سؤال بشأن أسباب محدودية دور المصارف الإسلامية في تمويل الأنشطة التجارة، قائلا :
« عند إلقاء نظرة شاملة على الإحصائيات الخاصة بمساهمة الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي في التجارة العالمية، يتبين أنها تسهم بحصة مقدارها 11 %، وتتوافق 10 %من إجمالي هذه الحصة مع مبادئ الشريعة الإسلامية، ومع الأخذ في الحسبان أن التجارة البينية فيما بين هذه البلدان تمثل 18 % من إجمالي تجارتها الخارجية، ومع وجود ميل قوي نحو الهياكل التجارية الإسلامية، فهناك إمكانيات ضخمة لنمو التدفقات التجارية فيما بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي ».
واستدرك في حديثه بقوله : «يكمن التحدي الرئيسي في عدم امتلاك المصارف الإسلامية المنتجات التجارية المتطورة التي تعينها على الاستفادة من الفرص المتاحة لها في قطاع التجارة الإسلامية، حيث يتطلع العملاء، بما في ذلك الشركات والمستهلكون، إلى عروض تلبي طلباتهم واحتياجاتهم..
وبالتأكيد، فإنه لا أحد يقبل التهاون بشأن مسألة الجودة، فرغم حقيقة امتلاك المصارف الإسلامية، السيولة والتقنيات تكنولوجية، إلا أنه لا يتوافر لديها المنتجات والهياكل التجارية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية والتي تكون مطلوبة لكي تسفيد من الفرص المتاحة في هذا القطاع».
وفي السياق ذاته، قدر جمال بن غليطة الرئيس التنفيذي لمصرف الإمارات الإسلامي، عوائد تمويل التجارة العالمية بأنها تزيد على 30 مليار دولا، تستحوذ منها أنشطة التمويل الإسلامية بنسبة ضئيلة للغاية، وبالتالي، فإن هذا القطاع يحوي على فرص ضخمة.
ثلاث تحديات
وقال إن التحديات الرئيسي التي تواجه المصارف الإسلامية لكي تزيد حصة المنتجات الإسلامية في تمويل الأنشطة التجارية، تكمن في ثلاث مجالات رئيسية، يتمثل إحداها في تقوية عروضها من المنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، وتوسيع التغطية على نحو يلبي طلبات واحتياجات العملاء..
حيث مازال العملاء يتلقون عروضاً أكثر سخاءً من المصارف التقليدية، أما المجال الثاني، فهو يتعلق بتوسيع المصارف الإسلامية لشبكات روابطها وعلاقاتها على الصعيد العالمي، وذلك في ظل عدم وجود مصارف إسلامية من العيار الثقيل، على غرار الحال بالنسبة للمصارف التقليدية، فيما يتصل المجال الثالث، بزيادة وعي المستهلكين بعروض المنتجات المتوافقة مع الأحكام الشرعية.
تحد إدارة السيولة
تبرز العديد من العناصر بشأن التحديات التي تواجهها المصارف الإسلامية في مجال إدارة السيولة. وتأتي إدارة السيولة في مرتبة تالية على توحيد المقاييس ضمن أكبر التحديات التي تواجه التمويل الإسلامي، حيث يعاني هذا التمويل من غياب وجود سوق مال متطور على غرار الحال ما لدى المصارف التجارية التقليدية، وهو ما يمثل قضية بالغة الحيوية والأهمية، فالمصرف الإسلامي شأنه شأن أي مصرف آخر، بحاجة لأن يجني عوائد من السيولة من خلال إدارة الهوامش بين الإيداع والإقراض.
اقتراح بتأسيس آلية اقتراض خاصة لشركات التمويل الإسلامية
اقترحت ورقة بحثية أعدها الدكتور محمود سيد عبد العال، بعنوان «شركات التمويل الإسلامية -التحديات والآفاق»، وتم وعرضها خلال انعقاد فاعليات المتقى السنوي الدولي الخامس للقانونيين في الصناعة المالية الإسلامية الذي تم تنظيمه مؤخراً في دبي، قيام المصرف المركزي بالسماح لشركات التمويل الإسلامية بإيجاد آلية للاقتراض على أن يكون ذلك متوافقاً مع الشريعة الإسلامية وبالشكل الذي يساوي بين شركات التمويل التقليدية وشركات التمويل التي تعمل وفقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية.
ودعت الورقة إلى العمل على إيجاد مصادر أخرى حصرية لشركات التمويل بشقيها التقليدي والإسلامي لتكون مصدراً بديلاً عن عدم السماح لها بتلقي الودائع أو فتح الحسابات للأفراد، وهذا من شأنه أن يزيد من قدرة هذه الشركات على تقديم تمويل أكثر بما ينعكس على ربحيتها، بالإضافة إلى زيادة قدرتها التنافسية في السوق المصرفي.
وأوصت الورقة بإنشاء صناديق مشتركة بينها وذلك بغرض مواجهة مخاطر السيولة كونها لا تستطيع الاقتراض من المصرف المركزي لأنه يتعامل بالفائدة.
تريليون دولار
قدر حسين القمزي الرئيس التنفيذي لبنك نور أن قيمة تمويل تمويل الأنشطة التجارية في الإمارات تزيد على تريليون دولار، ولفت إلى أن التمويل الإسلامي يستحوذ على حصة صغيرة من تمويل الأنشطة التجارية، وأعرب عن اعتقاده بأنه هناك ثمة حاجة إلى التحرك قدماً نحو غرف متخصصة لديها قدرة أكبر على جذب الشركات الصغيرة والمتوسطة، ولديها الإمكانيات التي تؤهلها للانخراط في أنشطة تمويل التجارة بشكل يتماشى مع الوضعية المتميزة لدورة التجارة.


