يُكثّف مصرفيون وأكاديميون في إيطاليا الجهود لتطوير قطاع التمويل الإسلامي هناك، وقد تستفيد تلك المساعي من العلاقات الاقتصادية المتنامية بين دول الخليج وثالث أكبر اقتصاد بمنطقة اليورو.
ولم يحقق التمويل الإسلامي إلا تقدماً محدوداً حتى الآن في أوروبا وتركز بشكل خاص في فرنسا وألمانيا. لكن ايطاليا تسعى إلى علاقات تجارية واستثمارية مع دول الخليج الغنية كسبيل للخروج من مشاكل ديونها. وأعلن صندوق الثروة السيادي الكويتي هذا الشهر أنه سيستثمر 500 مليون يورو (685 مليون دولار) في شركات ايطالية بالتنسيق مع صندوق الاستثمار الاستراتيجي للحكومة الإيطالية. وأبرمت ايطاليا اتفاقاً مماثلاً مع قطر العام الماضي.
وفي غضون ذلك تزدهر العلاقات التجارية بين ايطاليا والخليج، فالبيانات الحكومية تظهر أن الصادرات إلى الإمارات بلغت 5.5 مليارات يورو في 2012 بزيادة 16.7 % عن 2011. ولا تتجاوز نسبة المسلمين حوالي 2% من عدد سكان ايطاليا البالغ 61 مليون نسمة. لكن من المأمول مع تزايد نشاط الشركات الخليجية والمستثمرين في ايطاليا أن يزدهر التمويل الإسلامي أيضاً. ويمكن على سبيل المثال للشركات الايطالية المقترضة أن تستخدم الهياكل الإسلامية لجذب البنوك الإسلامية الخليجية. وقد تصبح السندات والأسهم الإيطالية مغرية للصناديق الإسلامية إذا اعتمدت كأدوات متوافقة مع أحكام الشريعة.
وقال إنريكو جيستنياني المحلل لدى بنكا فينات يوراميركا في روما «أعتقد أن تطوير منتجات متوافقة مع الشريعة ينطوي على فرصة مهمة لإيطاليا - قد يكون أحد محركات الخروج من الأزمة الاقتصادية». «يوجد اهتمام كبير من الصناديق الإسلامية ومن المؤسسات الإسلامية بالاستثمار في ايطاليا وبخاصة في الفترة الحالية التي تشهد طرح شركات عديدة للبيع».
مؤشر
وقال جيستنياني إن «بنكا فينات» قطع شوطاً بعيداً في هذا الاتجاه بتصميمه مؤشراً افتراضياً للأسهم المتوافقة مع الشريعة يضم بعضاً من أشهر شركات المنتجات الفاخرة في ايطاليا.
وقال: «لا يوجد مؤشر محدد حتى الآن لكن يوجد اهتمام كبير جداً، قطاع المنتجات الفاخرة مرغوب فيه من مستثمري المؤسسات الأجنبية وهو محرك بالغ الأهمية لاقتصادنا». ويُبدي المستثمرون الخليجيون اهتماماً كبيراً بشركات المنتجات الفاخرة الإيطالية وفي 2012 اشترت قطر شركة فالنتينو للأزياء. وتعتزم كلية فونداتسيوني استود لإدارة الأعمال ومقرها ميلانو إنشاء قسم للتمويل الإسلامي هذا العام سيهتم بأبحاث القطاع وصياغة التوصيات تقدم لصناع القرار الإيطاليين. وقالت ماريلا كاراماتسا المدير العام للكلية لـ«رويترز» إنها ستكون أول محاولة منظمة لتوفير المعلومات عن القطاع والتأثير على عملية سن القوانين.
وقالت: «لا ريب أن المسؤولين والممارسين يبدون اهتماماً عاماً بالموضوع في ايطاليا لكن بنهج يميل إلى التحفظ الشديد»، «نحاول في هذه المرحلة إشراك أصحاب المصالح وجمع الأموال على مستويات متنوعة كي نبدأ الأنشطة».
القواعد
وقال حاتم أبو سعيد ممثل مجموعة البركة المصرفية البحرينية في ايطاليا إن تلك الأنشطة ينبغي أن تشمل مراجعة للقواعد القائمة ولاسيما تلك التي تتناول ضرائب التسجيل العقاري.
وللقواعد الضريبية أهمية خاصة بالنسبة للتمويل الإسلامي لأن كثيراً من معاملاته المرتكزة على تداول الأصول معرضة للازدواج الضريبي في ظل طرق التدقيق الحسابي التقليدية ومن شأن معالجة تلك العوائق أن يجذب البنوك الإسلامية إلى السوق.
لكن فرانشيسكا بريجاندي رئيسة الغرفة التجارية لدول المتوسط والخليج في ايطاليا قالت إن صناع السياسات الإيطاليين يجرون مباحثات عامة فحسب ولا يوجد جدول أعمال محدد. ورغم العقبات السياسية والتشريعية القائمة قال المتحدث باسم البنك المركزي الإيطالي إن البنك ليس غريباً على التمويل الإسلامي، حيث يراقب القطاع بشكل منتظم لكن بدون تشكيل مجموعة محددة لدراسته. ويُجري قسم الأبحاث في البنك دراسات رسمية ويعقد ندوات عن التمويل الإسلامي منذ 2009 ، وفي العام الماضي شارك في استضافة منتدى مع مجلس الخدمات المالية الإسلامية ومقره ماليزيا الذي يعد من هيئات وضع المعيار في القطاع.
غياب الدعم
وقال روني حموي الرئيس التنفيذي لميديو-فاكتورينج التي مقرها ميلانو وهي وحدة مملوكة بالكامل لبنك انتيسا سان باولو أكبر بنوك التجزئة الإيطالية إن شركته وشركات ايطالية أخرى استطلعت خيارات التمويل الإسلامي من قبل لكنها لم تبرم صفقات لأسباب منها غياب الدعم التنظيمي في ايطاليا.
لكن حموي قال إن إبرام الصفقات قد يبدأ - ربما بمشاركة شركات ايطالية في الخارج - حتى بدون دعم حكومي في ظل سعي الشركات المتزايد لتوسيع نطاق مصادر التمويل. وقال «مشكلة السيولة تزداد أهمية في أوروبا».
آفاق واعدة في شمال إفريقيا
قالت وكالة «ستاندرد آند بورز لخدمات التصنيف الائتماني» في تقرير نشرته أمس بعنوان «التمويل الإسلامي يمكن أن يحقق تقدماً في شمال إفريقيا»، إن التمويل الإسلامي قادر على تحقيق تقدم في شمال افريقيا، وذلك بعد النجاح العالمي الكبير الذي حققه على مدى العقد الماضي، بأصول إجمالية تقدر بنحو 1.4 تريليون دولار. ودفع العجز الكبير في الحساب الجاري وتناقص مصادر التمويل التقليدية حكومات دول الربيع العربي للنظر في الفرص التي يوفرها التمويل الإسلامي. وقال محمد داماك، محلل تصنيف ائتماني في الوكالة: «قدمت الصيرفة المتوافقة مع الشريعة في السابق خياراً جذاباً كان في أحسن الأحوال غريباً عن المشرعين والبنوك العاملة في هذه الأسواق، إلا أن هذا التصور قد تغير الآن وبدأ الوعي العام بالارتفاع».وأضاف: لاحظنا أن هذا التطور في بلدان شمال افريقيا، حيث نقوم بتصنيف بنوك في كل من مصر، وتونس، والمغرب، وقد اتخذت هذه الحكومات السيادية مؤخراً خطوات لتنفيذ سياسات تدعم تطوير التمويل الإسلامي: تخطط تونس لإصدار صكوك لجذب فئة جديدة من المستثمرين؛ وقامت مصر بتطبيق أطر تنظيمية جديدة لإصدار الصكوك؛ فيما قامت المغرب بوضع الأساس القانوني للصيرفة الإسلامية. إلا أننا نعتقد بأن التمويل الإسلامي في هذه المنطقة لم يُثبت حتى الآن قيمته الاقتصادية المضافة من وراء تمكين تقديم منتجات متوافقة مع الشريعة الإسلامية.