أكد مسؤولون وخبراء مصرفيون أن إصدار المصرف المركزي أول من أمس لنظام "قروض الرهن العقاري" الجديد سيؤدي إلى ضبط إيقاع سوق التمويل العقاري مجددا وأنهى نحو 10 شهور من الجدل والترقب في القطاع المصرفي مما جعل العديد من البنوك يحجم عن الإقراض العقاري للأفراد منذ صدور إشعار المصرف المركزي في الثلاثين من شهر ديسمبر الماضي والذي وضع حداً اقصى لنسب قروض الرهن العقاري الممنوحة من البنوك وشركات التمويل للأفراد بما لا يتجاوز 70% للمواطنين و50% لغير المواطنين بالنسبة للمنزل الأول و60% بالنسبة للمنزل الثاني والمنازل اللاحقة للمواطنين و40% لغير المواطنين.
وأثار هذا الإشعار ردود فعل واسعة بالقطاع المصرفي كان معظمها معترضا على هذه النسب ويرى أنها ستؤثر سلبا على القطاعين المصرفي والعقاري الذي بدأ مرحلة انتعاش قوية فاستجاب المصرف المركزي وتجاوب وتفهم هذه الآراء وقرر إعادة النظر في هذه النسب وتحديدها بالتنسيق وباستطلاع آراء البنوك وشركات التمويل العاملة بالدولة في خطوة تميزت بالمرونة والحرص على الصالح العام وعدم إلحاق الضرر بأي طرف من أطراف المعادلة العقارية الإماراتية.
وبعد عدة جولات من المناقشات والمراجعات والتدقيق ولد نظام "قروض الرهن العقاري" الجديد واضعا حدا أقصى لنسبة عبء الدين بواقع 50% من الدخل الإجمالي للمقترض كما انفرد "البيان الاقتصادي" في عدده الصادر في السابع عشر من شهر مارس الماضي حدد النظام 80% سقفا لنسبة القرض إلى القيمة لعقار واحد فقط للمالك أو الساكن للمواطنين و75% للوافدين فيما حدد النظام المدة القصوى لقرض الرهن العقاري بـ25 سنة بشرط أن يكون الحد الأقصى لمبلغ التمويل يعادل الدخل السنوي الإجمالي لـ8 سنوات للمواطنين و7 سنوات بالنسبة لغير المواطنين.
وتوقع المسؤولون والخبراء أن تشهد الفترة المقبلة زيادة في معدلات منح قروض الرهن العقاري بعد أن شهدت هذه النوعية من القروض تباطؤا ملحوظا منذ صدور إشعار المصرف المركزي قبل 10 شهور.
أساليب ميسرة
وأكد محمد جميل برو الرئيس التنفيذي لمصرف الهلال التزام البنك التام بأنظمة المصرف المركزي مشيرا الى ان النظام الجديد سيكون له آثار ايجابية كبيرة على المديين المتوسط والطويل مشيرا إلى أن دوران عجلة الاقتصاد وانعاشها يعتمد بشكل رئيسي على قدرة العملاء الافراد والشركات على الاقتراض بأساليب ميسرة وتنافس المؤسسات المالية على تقديم القروض على اسس سليمة لذلك يجب تيسير مهمة البنوك وتوفير الظروف الملائمة لها لتقديم القروض بما يحقق لها عائدا معقولا ودون الاضرار بالمقترضين.
تعافي السوق
وقال إن هذا النظام سيساعد على تعافي السوق المصرفي وكذلك القطاع العقاري وخلق ممارسات صحية تخدم جميع الأطراف مشيرا الى أن المصرف المركزي وضع إطارا عاما للبنوك تتحرك فيه وهو ما يجعل هناك مرونة في التطبيق.
وتوقع أن يحد النظام الجديد من المضاربات بالقطاع العقاري الذي بدأ يشهد بالفعل نشاطا مبشرا ونموا حقيقيا مشيرا إلى أن النسب التي حددها النظام ستحقق التوازن في المصالح وتقليل المخاطر بالنسبة لكافة الأطراف من مقترضين وممولين ومطورين عقاريين مع إتاحة الفرصة للمصرف المركزي للسيطرة ومواجهة أية مخالفات قد تحدث.
وأكدت هدى عبد الله مدير إدارة الفروع نائب الرئيس التنفيذي لبنك الخليج الأول أن النظام الجديد وضع حدا أدنى مقبولا لمعايير ضمانات الرهن العقاري المقدمة من البنوك وشركات التمويل والمؤسسات المالية الأخرى العاملة بالدولة مما سيساهم في تطوير وتنظيم سوق قروض الرهن العقاري في الدولة من خلال ضوابط واضحة لكل الأطراف بأنظمة متطورة.
ضمانات للممولين
وأعربت عن اعتقادها بأنه من أهم المواد بالنظام الجديد التي سيكون لها آثار إيجابية ملموسة في الفترة المقبلة تحديد المدة القصوى لقرض الرهن العقاري بـ25 سنة على أن يكون الحد الأقصى لعمر المقترض عند وقت سداد الدفعة الأخيرة 70 سنة للمواطنين و65 سنة لغير المواطنين وبشرط أن يكون الحد الأقصى لمبلغ التمويل يعادل الدخل السنوي الإجمالي لـ8 سنوات للمواطنين و7 سنوات بالنسبة لغير المواطنين مشيرة إلى أن هذا البند الذي لم يكن متبعا من قبل من شأنه أن يعطي المزيد من الضمانات للجهات الممولة وتقليل نسبة المخاطر مع توفير الحماية للمقترض وضمان التدفقات النقدية المستقرة للمطورين العقاريين.
وأوضحت أن تفريق النظام بين القروض الممنوحة للمالكين شاغلي العقار السكني والمستثمرين في مجال السكن العقاري سيقلل أيضا من المخاطر ويزيد معايير الحيطة والحذر وضمانات الرهن العقاري لحماية القطاع المالي وتعزيز حماية المستهلك وتعزيز الاستقرار المالي.
قواعد ملزمة
من جانبه أكد صالح عمر عبد الله مدير معهد الإمارات للدراسات المصرفية والمالية في ابوظبي أن اهم ما يميز هذا النظام الهام انه وضع أسسا واضحة وقواعد ملزمة لكافة الأطراف لتسهيل الحصول على قروض لتمويل العقارات للأفراد مما سيعود بالنفع على القطاع العقاري والممولين والمقترضين الأفراد.
وقال: إن تنظيم أسواق العقارات والقروض العقارية المضمونة بالرهون أمر ضروري خصوصا في هذه المرحلة التي تشهد تقلبات عالمية جوهرية مشيرا الى ان القطاع العقاري يعتبر احد أهم القطاعات الاقتصادية ليس فقط في دولة الإمارات بل في دول مجلس التعاون والدول العربية ويحتل أيضا مرتبة مهمة بين القطاعات الاقتصادية في الدول الصناعية المتقدمة مشيرا إلى انه نظرا لان الإمارات دولة متسارعة النمو فان تنظيم أسواق العقارات والقروض العقارية فيها يكتسب أهمية خاصة.
وأضاف: إن القوانين التي صدرت مؤخرا فيما يتعلق بتنظيم أسواق العقارات والتمويل العقاري ونشاط التطوير العقاري كانت إيجابية للغاية لان هذه القوانين من شأنها حماية حقوق المستثمرين في العقارات وكذلك الملاك النهائيين للعقارات وهذا بدوره يعطي حماية إضافية للبنوك والشركات الممولة للعقارات ويدعم النظام المصرفي المالي في الدولة مشيرا إلى ان مجال التمويل العقاري من اهم مجالات التمويل التي تنطوي على آفاق واسعة للفرص إذا ما استطعنا إدارة المخاطر بالشكل اللازم.
إطار تشريعي فعال
أما المحلل الاقتصادي محمد الظاهري فأعرب عن اعتقاده بأن الجوانب الإيجابية للقواعد الجديدة تتركز في جانبين رئيسيين يتمثل الأول في الحد من المضاربات التي كان يتعرض لها القطاع العقاري في السنوات الماضية مما كان يرفع الاسعار بشكل غير مبرر وغير واقعي فيما يتمثل الجانب الايجابي الثاني في تقليل حالات التعثر لدى البنوك وشركات التمويل بالدولة والتي كان معظها يتركز في القروض العقارية مما سينعكس ايجابيا على أداء البنوك بشكل عام.
وأكد الظاهري أن قطاع التمويل العقاري كان بحاجة ماسة لإرساء إطار تشريعي فعال بما في ذلك "السجلات العقارية" وقوانين الرهن وأنظمة حل وتسوية النزاعات مشيرا إلى أن هذه الأمور مجتمعة من شأنها أن تشجع البنوك على قبول العقارات كضمانات ممتازة للتمويل.
وقال إن مجرد توفير التمويل ليس بكاف لضمان استمرار التطور السلس للقطاع العقاري مشيرا إلى أن أنظمة المصرف المركزي المتعلقة بتنظيم القروض العقارية تستهدف إرساء أنظمة مرنة للتمويل العقاري تقوم على عدة أسس مثل القدرة على خدمة الدين ونسبة الدين إلى القيمة وتقييمات دقيقة للعقار وفصل واضح بين الإقراض لغرض التملك أو لغرض الاستثمار.
وأضاف أنه ثبت تاريخيا أن القطاع العقاري يمكن أن يمر خلال تطوره بدورات طفرة وركود وما يصاحب ذلك من مخاطر بالنسبة للمؤسسات المالية والاقتصاد ككل وفي أعقاب التصحيح السعري الحاد الذي شهدته السنوات الأخيرة الماضية بقيت بعض التحديات من بينها على سبيل المثال حاجة البنوك والمؤسسات المالية الأخرى لوضع سياسات ملائمة لمخاطر التمويل العقاري ومراقبته.
وأكد ضرورة التطوير المستمر للبنى التحتية التشريعية والرقابية بهدف توفير حماية أفضل لحقوق كافة الأطراف وتعزيز القابلية التطبيقية للعقود وتطوير سوق ثانوية نشطة وشفافة بالإضافة إلى التحقق من استمرار القطاع البنكي في دعم ومساندة السوق العقارية مع الحفاظ على حدود احترازية كافية بالنسبة للتسهيلات الائتمانية الممنوحة للقطاع العقاري.
منظومة راسخة
قال الخبير المصرفي أمجد نصر إن القواعد الجديدة التي تضمنها النظام سيكون لها آثار إيجابية على المديين المتوسط والبعيد تتكون لدى كافة البنوك والمؤسسات المالية الأخرى منظومة راسخة معتمدة من معايير الأعمال الفعالة وأطر الضبط التي تحكم منح قروض الرهن العقاري.
وأكد أن تسهيل عمليات الحصول على تمويل الرهن العقاري يساعد إلى حدّ كبير في دعم قطاع العقارات وانتعاشه ونمو الاستثمارات والمشاريع العقارية بالدولة حيث يساهم النظام الجديد في تطوير الأطر التنظيمية المعنية بإصدار الرهون العقارية لضمان استدامة التمويل العقاري مشيرا إلى ان نظام الرهن العقاري سيلعب دوراً هاماً في تعزيز مستوى الإنتاجية والحفاظ على الإمكانات الجاذبة والفرص الواعدة المتاحة ضمن السوق العقارية بالدولة.
قروض الرهن العقاري بين التذبذب والتراجع
رصد تحليل لـ"البيان الاقتصادي" التذبذب والتراجع لعدة أشهر بقروض الرهن العقاري المقدمة من البنوك العاملة بالدولة للمقيمين حيث انخفضت من 159.83 مليار درهم بنهاية عام 2012 إلى 158.21 مليار درهم بنهاية شهر يناير الماضي وهو الشهر التالي لصدور الإشعار ثم انخفضت مجددا في شهر فبراير وبلغت 158.18 مليار درهم واستمرت في التراجع الشديد وبلغت 156 مليار درهم بنهاية مارس وأبريل ثم ارتفعت إلى 157.5 مليار درهم بنهاية مايو وإلى 157.78 مليار درهم بنهاية يونيو مع اقتراب صدور النظام.
وقبل صدور الإشعار كانت قروض الرهن العقاري قد قفزت من 141.7 مليار درهم بنهاية عام 2009 إلى 163.2 مليار درهم بنهاية 2010 وبلغت بنهاية 2011 نحو 161.53 مليار درهم.
وأرجع الخبراء هذا التذبذب إلى توقف العديد من المصارف عن منح قروض رهن عقاري عقب صدور إشعار المصرف المركزي بنهاية ديسمبر الماضي بشأن تحديد نسب للإقراض للمسكن الأول والمسكن الثاني للمواطنين والمقيمين.





