أشاد اقتصاديون مصريون ورجال أعمال وخبراء بالموقف العربي والمساعدات التي تقدمها دول خليجية في مقدمتها الإمارات إلى مصر في ظل التحديات الدولية والمحلية الراهنة، مؤكدين أن الإمارات والكويت والسعودية لم يفرضوا على مصر قطاعاً استثمارياً بعينه كما فعلت دولة قطر أثناء حكم جماعة الإخوان، بل إن تلك الدول تدعم المشروعات التي تحددها مصر وتحتاج إليها.

وأكدوا، في استطلاع أجراه "البيان الاقتصادي" بالتعاون مع دار الإعلام العربية شمل آراء مجموعة من الضالعين في الشأن الاقتصادي المصري ورجال أعمال وخبراء، أن الإمارات قدّمت لمصر دعماً سياسياً هائلًا، كانت القاهرة بحاجة إليه، خاصة عقب الموجة الثورية في 30 يونيو، والتي أوجدت انقساماً لدى قوى المجتمع الغربي، إزاء الوضع في مصر، فاتخذت الإمارات ومعها دول خليجية في مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، اتخذوا جميعاً على عاتقهم دوراً مناهضاً للرؤية الغربية الرافضة لمصر، فباتوا خير داعم لمصر في التحولات التي تشهدها، وتم ترجمة ذلك الدعم عبر فتح الباب أمام مساعدات اقتصادية واستثمارات عربية؛ لإنقاذ الاقتصاد المصري من عثرته الراهنة، وفتح الباب أمام القاهرة؛ لتجاوز الظرف الراهن بأقل الخسائر.

وكانت مصر قد شهدت خلال الشهر الماضي توافد مسؤولين إماراتيين، استمعوا إلى الحكومة المصرية بشأن الوضع الاقتصادي الراهن، وموقف الموازنة العامة الآن، وأبرز المشروعات التي تحتاجها مصر خلال الفترة الحالية، وكذلك أبرز التحديات الاقتصادية والسياسية وغيرها التي تواجه الدولة الآن عقب ثورة 30 يونيو، التي أطاحت بحكم جماعة الإخوان، وتم الاتفاق على جملة من المشروعات المهمة والرئيسية، خاصة في قطاعي الصناعة والطاقة، التي تُقدمها الإمارات لمصر في خضم الدعم الذي تواصل تقديمه للقاهرة عقب دعمها السياسي أيضاً.

من أكثر الدول دعماً

في البداية، قال الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، إن الإمارات من أكثر الدول الخليجية الداعمة للاقتصاد المصري، إضافة إلى كلٍ من الكويت والسعودية، خاصة وأنها تقوم بعمل تنويع في الاستثمار وأماكن توجيه تلك الاستثمارات بوجه عام، مؤكداً أن هناك اختلافات جوهرية بين طبيعة مساعدات دول الخليج (الإمارات والكويت والسعودية)، وبين المساعدات التي كانت تُقدمها دولة قطر لمصر أثناء حكم جماعة الإخوان، إذ كانت قطر تفرض على الدولة المصرية قطاعاً استثمارياً بعينه لتوجيه مساعداتها، أما الدول الخليجية الآن فتجلس مع الحكومة المصرية؛ لتستمع إلى المشروعات التي تحتاجها مصر، وسبل توجيه الاستثمارات والمساعدات العربية فيها، كما فعلت الوفود الإماراتية التي زارت مصر أخيراً.

وأضاف: الحكومة المصرية خصصت نحو 85 مليار جنيه (حوالي 12.28 مليار دولار أميركي) كحجم إجمالي للإنفاق الاستثماري، لكن ذلك المبلغ خُصص من أجل الخدمات فقط، دون النظر إلى التنمية، وبالتالي بدأت الدول العربية تقوم بذلك الدور، عبر دخول مصر في مشروعات شراكة مع تلك الدول في مجالات عِدة؛ لتحقيق التنمية المطلوبة بموازاة المبالغ المُخصصة للخدمات، ومن أبرز تلك المجالات كانت الطاقة.

وثمّن النحاس دور الإمارات والسعودية والكويت في دعم مصر، خاصة في قطاع الطاقة، قائلاً إن دعمهم وفّر على الإدارة المصرية وحماها من وجود سخط شعبي عليها فيما يتعلق بالطاقة، موضحاً أن ذلك الدور هو رسالة دعم سياسي مهمة خلال الفترة الحالية. مشيراً إلى أن الإمارات هي أكبر دولة متطلعة لدعم مصر اقتصادياً وتوجيه الاستثمارات إليها.

مشروعات إنتاجية

من جانبه، قال رجل الأعمال المصري، خالد سالم، رئيس إحدى الشركات الاستثمارية بمصر: نحن نمتن طبعاً للموقف الإماراتي الداعم لمصر خلال الفترة الحالية، كما نمتن للمساعدات الاقتصادية التي تُقدمها الدول الخليجية لمصر خلال الفترة الحالية، والتي تُعد ضمن رسائل الدعم السياسي المهمة التي تقدمها تلك الدول لمصر خلال ذلك الظرف التاريخي الذي تشهده مصر الآن عقب 30 يونيو.

ولفت إلى أن الحكومة المصرية مُطالبة بتوجيه واستخدام تلك الاستثمارات والمساعدات إلى مشروعات إنتاجية، وليست مشروعات استهلاكية؛ لأن المشروعات الإنتاجية سوف تُسهم في تحقيق التنمية المطلوبة، وتعمل على توفير فرص عمل، وتنعش الاقتصاد المصري، بخلاف المشروعات الاستهلاكية التي يزول أثرها فور الاستهلاك، ولا تحقق التنمية المطلوبة.

مشيراً إلى أن أبرز القطاعات التي تحتاج إلى ذلك الدعم القطاع الصناعي، خاصة في ظل وجود مصانع متعثرة، مُثمناً في السياق ذاته المساعدات الإماراتية التي قُدمت إلى وزارة القوى العاملة، والتي يتم استخدامها في إعادة تشغيل المصانع المتوقفة والمتعثرة.

على خطى زايد

وفي السياق ذاته، أوضح الأمين العام لاتحاد المستثمرين العرب، السفير جمال بيومي، أن الدعم الإماراتي الموجه للقاهرة هو دعم تاريخي وفريد من نوعه، ويُعد استثماراً للعلاقات الطيبة التي وضع بذرتها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، مشيداً بالتزام الجانب الإماراتي بدعمه القاهرة خلال العثرة الحالية، قائلًا: إن الزيارات المتتالية التي قام بها عدد من المسؤولين الإماراتيين، وأبرزها زيارة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى القاهرة، أرست جميعها مبادئ التعاون المصري - الإماراتي، وعززت العلاقات بين الجانبين، وتم خلالها الاتفاق على عدد من المشروعات الاستثمارية الهائلة التي تحتاجها مصر الآن، وهي مشروعات إنتاجية تضع مصر على بداية طريق التنمية وتحقيق العوائد المطلوبة؛ لتجاوز المرحلة الحالية، مؤكداً أن ذلك الدعم يدفع بالثقة في الاقتصاد المصري، ويؤدي إلى زيادة الاستثمارات العربية بالقاهرة.

وأوضح أن الحكومة المصرية بقيادة د. حازم الببلاوي هي حكومة ذكية، خاصة وأنها تضم عدداً من الخبراء الاقتصاديين، في مقدمتهم الببلاوي نفسه، فضلاً عن نائبه وزير التعاون الدولي د. زياد بهاء الدين، وغيرهما من العقول الاقتصادية البارزة في مصر، والتي تتكاتف جميعها لبحث سبل الاستفادة القصوى من ذلك الدعم الموجه إلى القاهرة الآن، وتوجيهه نحو استثمارات تحتاجها مصر؛ من أجل تحقيق التنمية، وليس مجرد الاكتفاء باستهلاك تلك المساعدات في تسيير الأوضاع اليومية للمصريين.

في وقتٍ حرج

ومن جانبه لفت خبير سوق المال رئيس الشعبة العامة للأوراق المالية بمصر، عوني عبدالعزيز، إلى أن للإمارات دوراً تاريخياً في دعم القاهرة خلال التحولات السياسية التي تشهدها، مشيداً بذلك الدعم الذي تُوجهه دول الخليج للقاهرة، وفي مقدمتها كل من الإمارات والسعودية والكويت، خاصة وأنه يأتي في وقتٍ حرج للغاية، يدفع بالمزيد من الضغوط والتوتر داخل السوق المصرية، وفي ظل تخوف المستثمرين الأجانب من الدفع باستثماراتهم في ذلك الجو الملبد بالغيوم، وحالة عدم الاستقرار السياسي التي تشهدها مصر الآن عقب فض اعتصام جماعة الإخوان منذ شهر.

وأضاف: في ظل تلك الضغوط، فإن الحكومة المصرية تُركز على الدعم العربي وتحاول أن تستثمره، وبالتالي فهي الآن تضع نصب عينها الاستثمارات العربية، خاصة القادمة من السعودية والإمارات والكويت، في ظل الدعم الذي يُقدمونه، والذي يُغني مصر حالياً في ظل الظرف الراهن.

المساعدات تفوق حجم المبالغ المُقدمة

 

أوضح أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، د. رضا العدل، أن الدور الإماراتي الداعم لمصر اقتصادياً في الوقت الراهن جاء استمراراً لدورها التاريخي إزاء مساندة مصر، إذ دعموا القاهرة بقوة في 1967، وكذلك في حرب أكتوبر 1973، ولا ينسى أحد أفضال المغفور له بإذن الله الشيخ زايد آل نهيان، رحمه الله، مؤكداً أن المساعدات العربية لمصر مهمة وفعّالة، وذات تأثير اقتصادي وسياسي واجتماعي، وتؤدي إلى رفع السيولة والاحتياطي النقدي، وضبط سعر الصرف، قائلًا: المساعدات الاقتصادية المُقدمة تفوق في أهميتها حجم المبالغ التي ترجمت تلك المساعدات، فهي رسائل دعم سياسي واجتماعي هائلة.

ويجب تقديم تلك المساعدات إلى مشروعات استثمارية حقيقية، تخدم الاقتصاد المصري وتدعمه.

وتابع قائلاً: تلك المساعدات هي تعبير عن التضامن العربي من أشقاء عرب في وقت تتفاقم فيه الأزمة، والبعض كان يراهن على عدم وجود ذلك التضامن، إلا أن موقف الإمارات ومعها السعودية والكويت أثبت عكس ذلك نهائياً. وعلى الإدارة المصرية وضع ذلك الدعم المُقدم بأي شكل من الأشكال في إطاره الاستثماري السليم، وتوظيفه في مشروعات استثمارية إنتاجية حقيقية.

 

المساعدات مبنية على أساس موضوعي

أشارت الوكيل السابق لمحافظ البنك المركزي، الخبيرة المصرفية البارزة د. فايقة الرفاعي، إلى أهمية الدعم العربي المُقدم إلى مصر خلال الفترة الحالية، مؤكدة أن أية مساعدات من الخارج إما أن تكون مشروطة أو تكون بلا شروط، وأن مساعدات الإمارات، والدول العربية التي تدعم مصر الآن، هي مساعدات مبنية على فكرٍ موضوعي.

أنواع المساعدات

وأضافت الرفاعي: تتمثل المساعدات المُقدمة من الدول العربية في 3 أنواع، الأول هو الودائع التي تُقدم لدى البنك المركزي لدعم الاحتياطي النقدي لدى مصر، والثاني هو المنح التي لا ترد، والتي لا تمثل أي عبء اقتصادي على الدولة المصرية، والنوع الثالث هو الاستثمارات، موضحة في السياق ذاته أهمية ذلك الدعم المُقدم على اعتبار أنه يضع مصر على الطريق الصحيح، ويؤهلها لتجاوز عثرتها المالية الراهنة، مُثمنة في السياق ذاته الموقف الإماراتي، والإصرار على التأكيد على دعم مصر، والالتزام بذلك الدعم والمساندة، التي عززت من لبنات التكامل العربي.

مسؤولون ووفود

واستطردت الرفاعي قائلة: المسؤولون الإماراتيون والوفود التي زارت مصـر اجتمعوا مع الحكومة المصرية، وطرحــت الحكومة عليهم المشروعات المطلــوب تنفيذهــا في مختلف المجالات والقطاعات، وجــرى التنسيــق بين الطرفين حول تلك المشروعات بصفـة عامة، وهو مجهود إيجابي، وأعتقـد أنــه فـي ظل الحكومة الحالية بقيـادة د. حـازم الببلاوي ستصل مصر إلى نتائج إيجابيـة، تدفع نحو النمـو وزيـادة الثقة فـي السوق المصرية.

الترابط العربي

وأشارت الرفاعي، في السياق نفسه، إلى أن العالم العربي في أشد الحاجة إلى الترابط الاستثماري بين كل دوله. موضحة أن أبرز القطاعات التي تحتاج إلى تنمية في مصر ودعم عربي، هي قطاعات الصناعات الإنتاجية والطاقة.

 واختتمت قائلة: أعتقد أن المساعدات التي تقدمها الإمارات ودول عربية لمصر، مع الدفعة الاقتصادية التي تحدث من جراء تلك المساعدات، ومع الجهود الأمنية من خلال الجيش والشرطة، كل ذلك سوف يكون له مردود إيجابي على مصر، وكذلك على العلاقات المصرية الخارجية أيضاً.