تثير الأوضاع المتوترة في الجزء الشمالي من منطقة الشرق الأوسط خاصة في سوريا ومصر قلق العديد من دوائر المال الأوروبية والأميركية.
ويؤكد ستين جاكوبسن رئيس الخبراء الاقتصاديين في بنك ساكسو أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشهد حالة من فقدان الزخم على الرغم من النمو القوي الذي تحققه الدول المنتجة للنفط. فهذه المنطقة حالياً منقسمة إلى نصفين: الشمال في مواجهة الجنوب. وهذا الوضع لا يختلف عما هو عليه الحال في أوروبا، ولكن مع عكس الأدوار.
ففي أوروبا يتمتع الشمال بالثروة ويتوجب عليه إيجاد طريقة لجعل الجنوب يخرج من محنه الاقتصادية. أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فإن الجنوب يحاول جاهداً إبقاء الشمال بعيداً عن المشاكل السياسية.
هروب إلى الإمارات
وفي تحليل له حول التداعيات الاقتصادية لأحداث المنطقة يقول جاكوبسن: ينتابني القلق من أن الجزء الشمالي من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يشهد حالة من الفوضى وخاصة في سوريا والأردن ومصر وفلسطين بالإضافة إلى نقص السيولة في إيران، وكل ذلك يجعل من هذه المنطقة قابلة للاشتعال في أي لحظة، اقتصادياً وسياسياً.
ويبدي عدد قليل من الشركات، على الرغم من وجود النفط، استعداده أو قدرته على الطلب من الموظفين والعمال النزول إلى الأرض والعمل في هذه الدول في الوقت الراهن. والسياح يحجمون عن زيارة هذه المنطقة إضافة إلى استمرار هروب رأس المال فيها من الشمال إلى الإمارات ومركزها التجاري في دبي، حيث يمكن للاقتصادات المعرضة للفقاعات أن تلقى مزيداً من الدعم.
تسوية بين العناوين
وأضاف جاكوبسن: أجد من الصعب تحقيق تسوية بين العناوين التي تشير إلى أن مصر تسير نحو الخروج عن السيطرة وبين العنوان الرئيسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الصادر عن بلومبيرغ البارحة: "دبي تبحث عن شغل أطول برج مكاتب في العالم في ظل خلو 45% من مكاتبه".
وقد أصبح الوضع الآن يشير إلى تحول الأسواق الناشئة السلبية إلى العقارات. وفي مكان آخر، وصل معدل عدم شغل المنطقة التجارية المركزية في أبوظبي إلى 38% في حين وصل في مومباي إلى 25%.
يمكن مقارنة هذا بمعدل عدم شغل المنطقة التجارية المركزية في موسكو الذي وصل إلى 15%. إن حقيقة أن عدداً أكبر من الأشخاص يرغبون بممارسة أنشتطهم التجارية في موسكو وفقاً لهذا المعيار تشير وبشكل واضح إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتعرض لمخاطرة خسارة قدرتها التنافسية، مدعومة بغناها النفطي طالما استمر التسليم الحقيقي من الشركات المملوكة للحكومات إلى شركات القطاع الخاص.
المال والتوجيه والوساطة
وأوضح جاكوبسن: لكي تتمكن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من البقاء، لا بد للجنوب - كما هو الحال بالنسبة لشمال أوروبا - من تقديم مزيد من المال والتوجيه والوساطة.
فالتاريخ يخبرنا أيضاً بأن الحلول طويلة الأجل لا بد أن يحركها الاحترام والتفاهم والحوافز الاقتصادية القادمة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وليس من أوروبا أو الولايات المتحدة.
واستدرك قائلاً: لكني لا أزال واثقاً بأن كلاً من مصر وبقية دول المنطقة ستشهد تحسناً، ولكن قبل أن تتمكن المنطقة من إيجاد أرضية مشتركة وتقرر التعامل ليس فقط مع مصر وسوريا والأردن وفلسطين والعراق وإيران وإنما مع دول أخرى تضاف إلى هذه القائمة.
كما أنني لا أزال متفائلاً بشأن المشاريع بعيدة الأجل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في ظل إيماني الراسخ بالاقتصاد الجزئي. وسيسود الأفراد والشركات الصغيرة التي تسعى لتحسين أدائها وإنجاز أعمالها بسرعة أكبر وشفافية أكثر وذلك على الرغم من التقلبات المؤسسية.
تقييم حذر للأدلة
أكد ستين جاكوبسن رئيس الخبراء الاقتصاديين في بنك ساكسو أنه من الصعب بصورة عامة التعليق على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث لا يمكن تطبيق النماذج الاقتصادية الاعتيادية عند القيام بالبحث، وإنما يتوجب إجراء تقييم حذر للأدلة الموجودة على أرض الواقع وملاحظة النمو الذي تشهده الاتجاهات العامة على المدى البعيد.
وقال: حتى وقت قريب عمل عدد محدود من الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في ظل موازنات مدتها ثلاث إلى خمس سنوات. وقد ساهم في تحريك سياسة النمو أسعار النفط والحاجة لخلق وظائف على وجه السرعة وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.
وقد كان لذلك ثماره لبعض الوقت في المنطقة عندما شهدت حالة من التقلب السياسي. ومع انفتاح البعد السياسي تغيرت اللعبة ولم تكن الحكومات في المنطقة مستعدة لمثل هذه التحديات، وهو ما جعل هذه الأنظمة الاقتصادية والسياسية في وضع تسيطر عليه المداخيل الناتجة عن التحويلات. ويمكنني القول إن هذا الوضع لا يختلف عن نظيره في أوروبا.

