ينزلق المشهد السياسي في لبنان إلى صراع طائفي ويتعطش اقتصاد البلاد للاستثمار ولكن سنداتها السيادية مستقرة واحتياطاتها من النقد الأجنبي مازالت متماسكة وليس هناك ما يشير إلى أي ضغوط خطيرة على العملة المحلية. هذا التباين الشديد يشير إلى أن البلاد قد تنجو من الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت بلدانا أخرى أثناء الانتفاضات العربية رغم الضرر المتزايد الذي يعاني منه لبنان جراء الحرب الأهلية الدائرة في سوريا.

ولايزال اللبنانيون المقيمون في المهجر والبالغ عددهم نحو 14 مليونا يرسلون مليارات الدولارات إلى بلدهم كل عام علما بأن عددهم يزيد على ثلاثة أمثال السكان المحليين البالغ عددهم نحو أربعة ملايين نسمة. ويساهم ذلك في نمو ودائع البنوك ويمكنها من مواصلة شراء السندات الحكومية وهو ما يعني أن الحكومة يمكنها تعزيز الإنفاق سعيا وراء تخفيف حدة التوتر الاجتماعي والحفاظ على حد أدنى من الاستقرار السياسي اللازم لجذب المزيد من التحويلات.

عنصر ذو ثلاثة محاور

ويصف بعض المصرفيين والاقتصاديين ذلك بأنه عنصر ذو ثلاثة محاور قائم على الحاجة المتبادلة ساعد لبنان على الصمود في أزماته السياسية المتكررة منذ انتهاء حربه الأهلية في عام 1990 ويبلي بلاء حسنا في الاضطرابات الحالية.

وقال نسيب غبريل كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس في بيروت إن الوضع ليس مثاليا ولكن الناس لا تشعر بالذعر لأن البلاد واجهت أوضاعا مماثلة من قبل.

وتشكل الحرب الأهلية السورية عبئا ثقيلا على الاقتصاد اللبناني بإشعالها شرارة التوترات الطائفية في لبنان.

ويعجز رئيس الوزراء المكلف تمام سلام عن تشكيل حكومة منذ مارس الماضي عندما استقال سلفه من منصبه وتأجلت الانتخابات التشريعية حتى نوفمبر 2014. وتخوض الميليشات المتنافسة والجيش معارك في مدينتي صيدا وطرابلس الساحليتين.

خفض تدفقات الاستثمارات

وتسبب ذلك في خفض تدفقات استثمارات المحافظ والاستثمارات المباشرة وتراجعت إيرادات السياحة بعد أن أصدرت دول الخليج وغيرها تحذيرا لرعاياها من السفر إلى هناك بسبب تدهور الأوضاع الأمنية.

وأسفر ذلك عن انخفاض حاد في تدفق رؤوس الأموال إلى لبنان. ويقول معهد التمويل الدولي - وهو مجموعة مصرفية عالمية - إن صافي تدفقات رؤوس الأموال الخاصة تراجع إلى 2.4 مليار دولار العام الماضي بعد أن بلغ ذروته في عام 2009 عندما سجل 12 مليار دولار ومن المتوقع أن ينخفض مجددا إلى 1.6 مليار دولار فقط في عام 2013.

ويمثل هذا ضربة قاصمة لاقتصاد يبلغ ناتجه المحلي الإجمالي نحو 45 مليار دولار. وتراجع معدل النمو الاقتصادي من مستويات تقارب 8 % في الفترة بين عامي 2007 و2010 إلى 1.3 % فقط العام الماضي ومن المتوقع أن تقترب من هذا المستوى العام الحالي.

تدفقات التحويلات مستقرة

غير أن تدفقات التحويلات التي يرسلها المغتربون اللبنانيون مستقرة. وتشير تقديرات البنك الدولي أن هذه التحويلات بلغت 7.5 مليارات دولار في العام الماضي دون أن تسجل تغيرا يذكر عن عام 2011. ويقول مصرفيون في بيروت إن الاضطرابات السياسية الأخيرة لم تؤثر عليها كثيرا.

وقد ساعد ذلك على استمرار نمو الودائع في البنوك التجارية اللبنانية. وأظهرت بيانات البنك المركزي أن إجمالي ودائع المقيمين وغير المقيمين من المنتمين للقطاع الخاص في البنوك التجارية قفزت إلى 182.6 تريليون ليرة لبنانية (121 مليار دولار) في مايو الماضي من 168.3 تريليون ليرة قبل عام.

نمو الودائع

ويقدر فيليب الحاج نائب المدير العام في فرانس بنك بالعاصمة بيروت أن ودائع النظام المصرفي نمت 3 % في النصف الأول من عام 2013 وأنها ستنمو بنسبة تتراوح بين 5 % و6 % على مدار العام كله. وقال: يرجع هذا في المقام الأول إلى المغتربين اللبنانيين والفائدة المتراكمة على الودائع. لا أرى سببا يدعو إلى انخفاض التحويلات إلى لبنان فهؤلاء الذين يساعدون أسرهم في الداخل لن يتوقفوا عن تقديم مساعدتهم لها وسيجدون طرقا كثيرا لمواصلتها.

ومكنت الودائع المتنامية البنوك اللبنانية من الاستمرار في شرائها سندات الحكومة وشراء كل ما يبيعه المستثمرون الأجانب لتبقى أسعار السندات الحكومية مستقرة إلى حد كبير.

ولم يرتفع العائد على سندات لبنانية بقيمة 650 مليون دولار مستحقة في عام 2019 وطرحت بفائدة 6.05 % سوى 40 نقطة أساس منذ منتصف مايو الماضي لتتفوق على سندات الكثير من الأسواق الناشئة التي قفز عائدها 100 نقطة أساس أو أكثر بسبب مخاوف من تصاعد العائد على سندات الخزانة الأميركية.

خطر على التحويلات

ومن بين التهديدات التي قد تشكل خطرا على التحويلات اللبنانية رد الفعل السياسي المناهض للشيعة في الخليج إذ تعاقب الدول الخليجية حزب الله اللبناني على تدخله في سوريا بطرد المغتربين اللبنانيين المرتبطين به وتتطلع إلى الحيلولة دون دخول أي تمويلات غير مشروعة إلى لبنان.

ولكن ليس من الواضح أن عدد الأشخاص المتأثرين بذلك سيكون كبيرا بالقدر الكافي لانخفاض إجمالي التحويلات التي ترسل إلى لبنان من جميع أنحاء العالم. وفي الوقت نفسه قال مصرفيون إن هناك أحداثا أخرى صبت في صالح لبنان من بينها أزمة الديون القبرصية التي أسفرت عن استعادة بيروت مئات الملايين من الدولارات من قبرص هذا العام.

الليرة والدولار

ولا شك أن اعتماد لبنان على التحويلات له تكلفته. فعلى سبيل المثال تبقي البنوك اللبنانية على أسعار فائدتها عند نحو ثلاث نقاط مئوية فوق الأسعار الأميركية لجذب الودائع حتى وإن كانت الليرة اللبنانية مرتبطة بالدولار الأميركي. غير أن النظام سيظل قويا مادام هناك ربط بين العملتين والذي يدعم ثقة المغتربين في أن تحويلاتهم لن تفقد قيمتها.

وحتى الآن لم تبد الاضطرابات السياسية الحالية أنها تهدد بتشكيل ضغوط على الليرة على عكس بعض الأزمات الأخرى التي اندلعت في العقدين الأخيرين. وزاد إجمالي احتياطات البنك المركزي من العملات الأجنبية والذهب إلى 44.4 مليار دولار في مايو الماضي من 44 مليار دولار قبل عام.

وقال غبريل إن الليرة تعرضت لضغوط ثلاث مرات في الأعوام الماضية. فقد أدى اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005 إلى خروج ودائع بنكية من البلاد تمثل 5 % من الناتج المحلي الإجمالي على مدار بضعة أسابيع ودفع الهجوم الإسرائيلي على حزب الله في عام 2006 إلى خروج ودائع تمثل 3 % من الناتج المحلي بينما أدى سقوط حكومة سعد الحريري عام 2011 إلى خروج ودائع تقل نسبتها عن 1 %.