قدَّر مدير شركة «أليكس بارتنرز» العالمية المتخصصة في مجال الخدمات الاستشارية، أن الإمارات عموماً ودبي خصوصاً تتمتع بموقع متفرد ومتميز يجعل قطاعها المصرفي الأكثر أهلية للاستفادة من الفرص الضخمة التي تتيحها المرحلة الجديدة التي يمر بها القطاع المصرفي الخليجي وهي «العصر الماسي»، وذلك تميزاً عن مرحلتي «العصر الذهبي» الذي امتد طوال الفترة ما بين عامي 2000 و2007. وأفادت الدراسة أن إمارة دبي تجني مكاسب جراء مكانتها كوسيط حيادي وسط استمرار أوجه الاختلالات الاقتصادية العالمية، وأن أداء القطاع المصرفي في أبوظبي ينمو بمعدلات ربحية مدعومة بمعدل معقول للعائد مقابل المخاطر.

وقال كلوديو سكاردوفي، المدير في شركة «أليكس بارتنرز» في مؤتمر صحافي جرى عقده أمس بمناسبة إصدار الشركة دراسة حديثة عن أداء القطاع المصرفي الخليجي إن تعزيز إمكانية القطاع المصرفي الإماراتي على الاستفادة من هذه المرحلة يستلزم أن يعطي المزيد من التركيز على تطوير مزاياه التنافسية، حيث يواجه في هذا المجال مصادر متعددة للمنافسة، فرغم التقديرات بشأن مشكلة الديون غير العاملة والتي يواجهها القطاع المصرفي في دبي، إلا أن التوصية الاستراتيجية تتمثل في أن دبي مؤهلة للاستفادة من فرص مرحلة «عصر الألماس».

وأوضح أن هناك إمكانيات للإمارات لكي تستفيد من فرص هذه المرحلة، وهو ما يعني أنه يجب ألا يركن نظامها المصرفي إلى أسلوب الانتظار لما سوف يحمله الوقت من فرص، بل يجب أن يتخذ كل الأفعال والتدابير المبتكرة والإبداعية لتعزيز موقعه التنافسي، من بينها على سبيل المثال تأسيس مكتب للائتمان والمعلومات الائتمانية، وتدعيم التوجه نحو الخدمات المصرفية الهاتفية، فهذا من شأنه أن يحقق فوائد لكل من الاقتصاد من جانب والقطاع المصرفي من جانب آخر.

وقال إن القطاع المصرفي في الإمارات في موقع المستفيد مما يحدث من أزمات في أوروبا والولايات المتحدة فضلاً عن الأحداث الإقليمية، مشيراً إلى أن هناك انكشافاً محدوداً للمصارف الإماراتية على أزمات المصارف الأوروبية، وربما يكون الانكشاف محصوراً على مؤسستين على أقصى تقدير، وهو ما يعزز الاستنتاج بمحدودية تأثير أزمة منطقة يورو على القطاع المصرفي في الإمارات.

العصور الثلاثة

ورصدت الدراسة «العصور الزمنية الثلاثة» للقطاع المصرفي في دول مجلس التعاون الخليجي، وهي أولاً: العصر الذهبي الممتد خلال الفترة 2000- 2007 وتميز بالنمو الضخم في الأصول المصرفية الخليجية والدعم الحكومي لتعزيز قدرة المصارف على تفادي الأزمات المالية، وثانياً: العصر الحجري الذي امتد من 2008 حتى 2010، واتسم بانفجار الفقاعات وما تلا ذلك من تعرض القطاع المصرفي الخليجي لحالة من الانكماش والتراجع، ثالثاً: عصر الألماس، حيث بدأت هذه المرحلة في العام 2010 وما زالت ممتدة حتى الوقت الراهن، وتتميز بتوجه المصارف الخليجية لتوسيع أعمالها خارجياً بشكل أكبر، والتوجه نحو مصادر جديدة تحقق لها النمو المربح والمستدام.

وتشمل تلك المصادر أصول الإقراض وهوامش الفائدة الصافية، بالإضافة للدخل المتأتي من الخدمات والرسوم. ومواجهة عمليات نمو الأصول بطريقة غير محكمة من خلال اتباع استراتيجيات وإجراءات تنفيذ غير صارمة وقاطعة.

كما تتميز هذه الحقبة بعودة الأرباح وتحسن الأداء في المصارف الفردية والقطاع المصرفي في منطقة الخليج العربي، بالإضافة لتحديد «خطوط الصدع» الرئيسية التي تعيق عمليات تطوير القطاع المصرفي في المنطقة ما لم يتم اتخاذ إجراءات وحلول لتفادي هذه التحديات والتهديدات المتزايدة.

أداء مثير للاهتمام

وأظهرت الدراسة أن القطاع المصرفي في إمارتي أبوظبي ودبي قد أظهر خلال العصر الماسي صورة مثيرة للاهتمام، حيث يتسم أداء القطاع المصرفي في أبوظبي بنمو معدلات الربحية المدعومة بمعدل معقول للعائد مقابل المخاطر، فيما اتجه القطاع المصرفي في إمارة دبي نحو عمليات الاندماج فيما بين وحداته إلى جانب عمليات إعادة التنظيم، وأكدت الدراسة أن تعافي اقتصاد دبي يعود إلى المكانة التي يشغلها بوصفه «الملاذ المالي» الذي يشغل موقعاً ملائماً فيما بين أوروبا وآسيا وأفريقيا.

وخلصت الدراسة إلى استنتاج وهو أن إمارة دبي تجني مكاسب جراء مكانتها كوسيط حيادي من استمرار أوجه الاختلالات الاقتصادية العالمية، وسلط كلوديو سكاردوفي الضوء على تغير موازين القوى في المنطقة بقوله «إن عمليات تغير موازين القوى التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد أعادت توزيع الثروات عبر الدول وبين الشركات والأفراد، والتي ستؤدي في النهاية لدفع القطاعات المصرفية لتبني حلول وخدمات جديدة لإدارة الثروات والاستثمارات.

كما أثرت عمليات التغير على المشهد الاقتصادي في المنطقة، والتي أسهمت في إيجاد العديد من الفرص للمصارف الخليجية لاختيار التوقيت المناسب والاستراتيجية الأفضل لتحرير رؤوس الأموال المرتبطة بأسعار النفط».

تحديات ماثلة وكامنة

وقال كلوديو سكاردوفي: يبقى عدد من البنوك الخليجية المحدودة غارق في مستنقع ضعف السوق العقاري، والقلق حول جودة الأصول ومرحلة ما بعد فقاعة ازدهار العمليات الائتمانية. ومن الضروري لتلك البنوك النظر بجدية لعملية إجراء إعادة هيكلية في أقرب فرصة.

وبشكل مساوٍ فإن معظم المصارف في المنطقة الخليجية باتت تعاني من عدد من قضايا التركيز الائتماني التي يؤكدها الاعتماد الزائف على أسعار النفط المرتفعة.

وأضاف: يمكن تحقيق أرباح مهمة إذا ما تمت عمليات إعادة الهيكلة والتنويع بشكل مستقل، ومع ذلك فيمكن تحقيق عوائد وأرباح أكبر في حال التعاطي مع هذه القضايا المثيرة للقلق في وقت واحد. وعلى صعيد عملية إعادة الهيكلة فتتجلى لنا بعض الفرص التي تظهر في القدرة على تطبيق استراتيجية سريعة وقاسية، أما على صعيد التنويع فنلحظ أن الفرص تكمن في استغلال المجالات الممكنة لتحقيق الأفضلية في مناطق بعيدة عن دول الخليج.

وتشير الدراسة إلى أن هناك تحديات تواجه القطاع المصرفي الخليجي والتي تتطلب تبني تدابير مضادة فعّالة من جانب مديري المصارف، تبرز في مقدمتها تعافي هوامش الفائدة في القطاع المصرفي (وهي نسبة الفرق بين عائدات الفوائد التي تجنيها المصارف وما تصرفه من فوائد إلى دائنيها، وقيمة أصولها التي تجني هذه الفوائد)، والتي يؤكد التقرير أنها تعافت نتيجة الاستثمارات الحكومية في مشاريع البنية التحتية، ما يشير للعلاقة الوثيقة بين أداء القطاع المصرفي وأسعار النفط.

وتعزز المشاركة الحكومية الواسعة في مثل تلك المشاريع التي تسهم في ضمان توفر رؤوس الأموال الحرّة والمقترنة بحماية الاستثمارات الوطنية، الأثر الإيجابي لتحقيق عائدات آمنة ومستقرة للمصارف.

كما تحث الدراسة المصارف الخليجية الساعية لتحقيق نجاح وتنافسية عالمية، على ضرورة تعلم معايشة ظروف مغايرة دون النظر إلى الضمانات وعوامل الحماية التي تتاح لها حالياً.

وتوضح الدراسة التحدي الثاني المرتبط بعمليات التمويل المنخفضة التي تقدمها المصارف الخليجية للقروض، والتي دعمها انسحاب وتوقف عدة بنوك غربية عاملة في المنطقة من منح القروض، بالإضافة لتواجد سوق تعاملات مصرفية مالية ما زالت في مراحل تطوّرها المبكّرة.

وتسوق الدراسة عدداً آخر من التحديات المهمة، تشمل: التباين الكبير بين قاعدة رأس المال الكبير في القطاع المصرفي ومعدلات التصنيف الائتماني، والديون المعدومة للمصارف الخليجية في بعض الدول وما يناقضها من ممارسات منح قروض شخصية وقروض أعمال، يدعمها التدخل الحكومي، ما يؤدي لتوزيع غير كفؤ للأصول ضمن أفضل الحالات، ويدعم تزايد المخاطر الافتراضية في أسوأها.

وتكشف الدراسة أن تركيز بعض المصارف الخليجية على عدد من المناطق الجغرافية المحددة والدول ذات الكثافة السكانية المنخفضة، قد يحد بشكل كبير من فرص تحقيق عائدات وثروات مستقبلية.

معالجة التحديات

وتؤكد الدراسة أن العوامل التي تؤدي للدخول في العصر الماسي لازدهار العمل المصرفي، تكمن في استعداد صّناع القرارات وإدارات المصارف لمناقشة مختلف التحديات والبحث عن أفضل الحلول التي تسهم في بناء مرحلة جديدة للقطاع المصرفي الخليجي.

وتوجز الدراسة تلك العوامل في أربعة أهداف استراتيجية تشمل، أولاً: النظر لعمليات الاندماج كواقع يمكن تحقيقه عبر مجالات الاستحواذ والتكامل، أو عبر دمج الوحدات المشتركة في مهام متساوية، وثانياً: تنفيذ المزيد من عمليات التطوير والتي يمكن أن تؤدي لتحقيق المزيد من الكفاءة في العمل، ما يسمح بتزايد عمليات البيع وتبادل البضائع والخدمات لمجموعات أكبر من الأسواق والعملاء، وثالثاً، تصعيد وتيرة الإنتاجية عبر زيادة كمية ونوعية المخرجات المطلوبة، والمحافظة على معدل المدخلات نفسه، ورابعاً وأخيراً: تبني الممارسات الإبداعية التي تقوم بتسخير مجالات تحقيق الربحية الحالية، والقيام في الوقت ذاته بإيجاد مجالات ربح جديدة عبر مفاهيم الأعمال الجديدة.

وأكّدت الدراسة أن التنويع العالمي والمبادرة بتنفيذ عمليات الهيكلة الداخلية عند الضرورة، يمكن أن يسهم في التغلب على العديد من العوائق والتغيرات التي تواجه المصارف الخليجية الساعية لتشكيل أسس جديدة للأسواق والمجتمعات الخليجية.