قال سايمون ويليامز، كبير المحللين الاقتصاديين في بنك اتش اس بي سي الشرق الأوسط: إن دعم القطاع الخاص سيكون هو الضامن الأهم لاستدامة النمو في الإمارات على المدى الطويل، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن زيادة الانفاق الحكومي في الدولة ساهمت إلى حد بعيد في تحييد آثار الأزمة العالمية الأخيرة والأزمة الأوروبية الحالية، إلا أن تهيئة الظروف خلال السنوات العشر المقبلة لازدهار القطاعات غير النفطية ستكون هي التحدي الأهم والراهن أمام واضعي السياسات في الدولة ودول الخليج بشكل عام بهدف تحقيق نمو مستدام.
وأضاف ويليامز خلال لقاء صحافي ضم محللين من البنك أمس أنه على الرغم من ان الدولة تعتبر أكثر عرضةً لتأثيرات التباطؤ الاقتصادي في منطقة اليورو بالمقارنة مع دول الخليج الأخرى، إلا أن القطاعات الاقتصادية في الدولة أظهرت حيوية ومرونة على مدى الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2012 تجاه تلك المؤثرات، وهو ما جعل البنك يقوم بزيادة تقديراته للنمو في عام 2012.
وتوقعاته للنمو لعام 2013 إلى 4.0% متطابقة في ذلك مع معدل نمو المنطقة بشكل عام، منوهاً إلى أن النظام المصرفي في الدولة يتمتع بملاءة مالية قوية تدعمها قاعدة صلبة من السيولة وأن بنوك أبوظبي ودبي مازالت تنفض عنها بنجاح آثار دورة الائتمان الأخيرة في إشارة إلى تراجع المخصصات في بنوك دبي وأبوظبي خلال الربع الثالث من العام.
وأضاف: "وبالنسبة لدبي، نعتقد أن أداء قطاع الخدمات هو محرك قوي لاقتصاد الإمارة بشكل عام ولا يزال بعيداً عن التباطؤ العالمي، حيث حققت قطاعات السياحة، والتجزئة والعقارات جميعها نمواً سريعاً على مدى الأشهر الستة الماضية.
كما لا تزال معدلات إشغال الفنادق عالية حتى خلال هذا شهور الصيف الحارة لهذا العام، كما زادت حركة المسافرين عبر مطار دبي لتسجل أعلى مستوياتها بالإضافة إلى ارتفاع حجم البضائع والسلع. وعلى الرغم من نجاح نموذج النمو هذا المدفوع خارجياً مستمراً إلى الوقت الحاضر، فإننا على دراية بإمكانية تعرض هذا النموذج للتراجع.
ومع اقتراب أسعار الفائدة من الصفر بالفعل، فإن القطاع المصرفي لا يزال متردداً في تقديم القروض ولا تزال الحكومات تبدو مترددةً في زيادة الإنفاق، وإن أي تراجع مادي في الطلب الخارجي يمكن أن يؤدي إلى تراجع الزيادة في الاحتياطيات على نحو سريع".

وأوضح أنه مع عدم وجود أي حوافز نقدية أو مالية لدعم النمو في أماكن أخرى من دول مجلس التعاون الخليجي، فإن الدولة لا تزال تعتمد بشكل كبير على الطلب الخارجي، وهذا في أبوظبي يأخذ شكل نمو القطاع النفطي، حيث كان إنتاج النفط الخام قريباً من 2.7 مليون برميل يومياً في يونيو عام 2012 (أي بزيادة عن متوسط مليون برميل يومياً خلال عام 2011)، مما أدى إلى زيادة حجم الصادرات حتى مع ارتفاع الأسعار العالمية.
كذلك ساهمت زيادة الإيرادات في تعزيز الموقف المالي القوي جداً لحكومة أبوظبي، إلا أننا نرى القليل من المؤشرات حتى الآن لأي ارتفاع في النفقات الرأسمالية (حيث لا يزال ضعيفاً). وتمتلك أبوظبي الكثير من الوسائل لدفع عجلة النمو عن طريق زيادة الإنفاق، ولكنها، في الوقت الراهن على الأقل، ليست هي الدافع. ولا يزال القطاع غير النفطي في الإمارة يشهد نمواً بطيئاً.
وعلى نحو مغاير، فإن ارتفاع أسعار النفط سوف يؤدي إلى المزيد من النمو في أسهم الأصول الأجنبية للإمارة، بالإضافة إلى وجود أكثر من 40 مليار دولار أميركي من احتياطي المصرف المصرفي ما يدعم موقف الدولة على المدى المتوسط.
دول المنطقة
قال ويليامز: إن الانفاق كان عاملاً مهماً في فك ارتباط دول الخليج عن المشاكل الاقتصادية في أميركا وأوروبا، وأنه على الرغم من أن اقتصادات دول الخليج بشكل عام ستكون في وضع جيد خلال العامين المقبلين، إلا أنه حذّر من احتمال حدوث عجز بنسب متفاوتة في موازنات دول المنطقة على المدى الطويل في حال لم تتحول كفة الميزان الاقتصادي نحو القطاع الخاص في تلك الدول.
وأضاف أن توقعات البنك لمنطقة الخليج إيجابيةً مع استقرار أسعار النفط عند حد 90 دولاراً أميركياً لبرميل النفط الخام. وأدى ارتفاع الأسعار إلى 110 دولارات أميركية للبرميل الواحد، وارتفاع كميات إنتاج النفط إلى زيادة الفوائض ودعم الانفاق الحكومي في دول الخليج، وهو ما دعمها بشكل قوي ضد تأثيرات الأزمة العالمية وتراكم الاحتياطي.
وارتفاع مستويات ثقة القطاع الخاص على نحو متزايد. وهذا المنظور يبدو أكثر قوةً في السعودية وقطر وسلطنة عُمان، على الرغم من أننا نشهد تحسناً قوياً أيضاً في قطاع الخدمات في دبي على وجه الخصوص.
وعلى الرغم من هذه الإيجابيات الكثيرة، فإن عوامل القوة الحالية تبدو دوريةً بدلاً من كونها هيكلية وهي أكثر عرضة للمخاطر السياسية. وبالنسبة للوقت الراهن، فإن التوجهات السائدة في الأسواق العالمية والإقليمية تشير إلى أن المستثمرين يأخذون بالرأي القائل بأنه لن يكون هناك صراع في إيران إلى حين الانتهاء من الانتخابات الأميركية.
وبالتالي، في حال ارتفاع المخاطر عند انتهاء الانتخابات، فإن المخاوف بشأن الأمن الإقليمي يمكن أن تزداد في عام 2013، مما يؤثر على مستويات ثقة القطاع الخاص. وعليه، فإن أي تضارب فعلي يمكن أن يكون له تأثير شديد على التوجهات والسيولة النقدية والتجارة والاستثمار، وقيم الأصول المالية والفعلية في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي.
وأضاف أن البنك ينظر إيجابياً إلى الظروف التي آلت إليها الثورة المصرية، مشيراً إلى أن تمتع مصر بحكم مدني لأول مرة منذ زمن بعيد يفتح المجال أمام التطبيع الاقتصادي.
الاتحاد الأوروبي
قال ستيفن كنغ، كبير المحللين الاقتصاديين في مجموعة اتش اس بي سي العالمية والرئيس العالمي للبحوث الاقتصادية إن استمرار الأزمة الأوروبية أدى إلى انهيار الطلب في آسيا مع تراجع التصدير من الصين بشكل كبير، مشيراً إلى أن مستويات النمو في القارة الأوروبية إلى حد الآن هي مخيبة للآمال وأقل من التوقعات خصوصاً مع تباطؤ النشاط التجاري بشكل كبير في الصين وروسيا والبرازيل والهند وسنغافورة.
وأضاف: "على الرغم من تباطؤ النشاط الاقتصادي في الأسواق الناشئة وعلى رأسها الصين تأثراً بالظروف التي تمر بها الولايات المتحدة وأوروبا إلا أن الطلب على النفط سيبقى قوياً العام المقبل على النفط في الأسواق الناشئة تحول الثقل الاقتصادي نحو الأسواق الناشئة".
