أكدت دراسة حديثة لمؤسسة الخليج للاستثمار أن توفير الوظائف للمواطنين في دول مجلس التعاون على رأس الأولويات. خاصة في ظل تقديرات صندوق النقد الدولي بأن الأعوام القادمة قد تشهد زيادة أعداد المواطنين من العاطلين في دول المجلس إلى حدود 2-3 ملايين عاطل إضافي ما لم يتم اتخاذ الإجراءات والبرامج الكفيلة بتوفير الوظائف المناسبة لمواجهة هذه المشكلة والحيلولة دون استفحالها.

وأوصت دراسة مؤسسة الخليج للاستثمار بإنشاء صندوق لتمويل المشاريع الصغيرة لتوفير الوظائف للباحثين الجدد في سوق العمل عن وظائف. كم أوصت بمطالبة الشركات الدولية، التي تفوز بعقود عطاءات استثمارية وإنتاجية داخل دول المجلس، بان تساهم في توطين الوظائف، وإعطاء الأولوية للشركات الدولية التي تحرص على خلق القدرات الإنتاجية الوطنية وتوظف العمالة الوطنية كشرط أساسي للعطاء سواء في مشاريع الحكومة او القطاع الخاص ومشترياته أو المشاريع المشتركة.

وأشارت إلى أن دول مجلس التعاون نجحت في توفير ملايين الوظائف في العقود الماضية، لكن غالبية تلك الوظائف ذهبت الى وافدين، خاصة في القطاع الخاص، بينما يتكدس الغالبية العظمى من المواطنين في وظائف حكومية في القطاع العام، وفق ما جاء في دراسة حديثة لمؤسسة الخليج للاستثمار.

وكشفت عن أن احدث الاحصاءات الى معدل بطالة بلغ 10.5 % في المملكة العربية السعودية و14 % في الإمارات و 8 % في سلطنة عمان والبحرين ووصلت النسبة إلى 6 % في الكويت والى حوالي 3 % في قطر. وبرغم ارتفاع تلك انسب الا ان المشكلة الأكثر خطورة هي انتشار البطالة بين الفئات العمرية التي تتراوح بين 19-25 عاما إذ تبلغ معدلات البطالة بينهم حوالي 30 % في المملكة العربية السعودية، 28 % في البحرين، 23 % في سلطنة عمان و 24 % في الإمارات و 12 % في الكويت.

بطالة المتعلمين

وأوضحت الدراسة ان غالبية العاطلين عن العمل في دول مجلس التعاون هم من المتعلمين الذين امضوا سنوات طويلة في التحصيل العلمي من خريجي المدارس الثانوية او الحاصلين على مؤهلات جامعية، الأمر الذي يثير التساؤل عن مدى ملاءمة مخرجات النظام التعليمي مع متطلبات أسواق العمل الحديثة.

ويؤدي ذلك في النهاية الى انخفاض معدلات الإنتاجية في دول مجلس التعاون، وتركز العمالة الوطنية في القطاع العام مع استخدام القطاع الخاص عمالة أجنبية رخيصة الأجر وقليلة المهارة، حيث تتركز وظائف المواطنين في القطاع العام، بينما تتركز العمالة الوافدة في القطاع الخاص.

وقدمت الدراسة مثلا بأنه أمام كل مواطن عماني في القطاع الخاص هناك خمسة وافدين، والنسبة في السعودية تبلغ 9 الى 1 . وفي الكويت كانت 63 الى 1 في عام 2000 وتراجعت لتبلغ 44 الى 1 في عام 2010. وفي قطر كانت النسبة 5 الى 1 في عام 2000 وأصبحت 99 الى 1 في عام 2010.

الافتقار إلى المهارات

وأضافت الدراسة: الافتقار إلى المهارات لدى المواطنين في دول مجلس التعاون أمر مكلف لأنه يحد من معدل النمو الاقتصادي وبالتالي اولا، يؤثر على توقعات النمو، وثانيا، يقلل من القدرة على توظيف المواطنين، وثالثا يزيد من الاعتماد على العمالة الأجنبية. هذه العناصر الثلاثة تجعل من توفير الوظائف للمواطنين في الدول الخليجية الاولوية الاولى.

والرواتب في القطاع العام اعلى مقارنة بالقطاع الخاص، وهذا يحد من امكانيات النمو على المدى البعيد، لأنه يوسع الهوة بين الانتاجية والأجور ويضر بالحوافز المساعدة على توفير الوظائف.

وترتفع البطالة بين الاناث مقارنة بالذكور. وجاء في الدراسة أن هناك اتجاها متسارعاً لتزايد أعداد الإناث المتخرجات من النظام التعليمي والباحثات عن عمل. ومع استمرار هذا الاتجاه وتزايد عدد المتخرجات من التعليم من الاناث في دول مجلس التعاون فان نسب البطالة ستتجه إلى التزايد ما لم يتم توفير الأعداد الكافية من الوظائف لاستيعاب العمالة الوطنية بأجور مقبولة. وتزداد المشكلة اهمية وتحتاج الى ان تكون في مقدمة اولويات دول مجلس التعاون.

البطالة والنمو السكاني

وقالت الدراسة إن التركيب السكاني لدول مجلس التعاون تعرض في العقود الماضية الى تغيرات أثرت في الفئات العمرية والنوع (ذكور واناث). وحدثت تلك التحولات على خلفية تراجع معدلات الخصوبة وهجرة العمالة الاجنبية بكثافة الى تلك الدول. ويمثل الاجانب نسبة كبيرة من التركيبة السكانية في دول المجلس، حيث تصل النسبة الى 27 % في السعودية و 89 % في الامارات. ويشارك الاجانب في قوة العمل بنسبة 68 % في المتوسط ، لكن النسبة تصل الى 53 % في السعودية والى 93 % في الامارات.

وبلغ عدد سكان دول الخليج في عام 2010 حوالي 39.2 مليون نسمة ومن المتوقع ان يصل الرقم الى 53 مليون نسمة بحلول العام 2020. وقد غيرت عوامل مثل التحديث والتعليم وانتشار استخدام برامج الرعاية الصحية، بما فيها وسائل منع الحمل وتنظيم الاسرة، من معدل الخصوبة في دول المجلس بحيث اصبحت منخفضة الخصوبة. وتعكس ارقام النمو السكاني في دول المجلس التركيبة السكانية والتغيرات التي مرت بها.

حيث كان متوسط النمو السكاني في الدول النامية بين عامي 1970 و 1975 حوالي 2.4 % بينما في الدول العربية 2.8 %، لكن هناك اختلافات في معدلات النمو السكاني بين دول مجلس التعاون الخليجي. فمثلا ينمو سكان قطر بمعدل كبير يبلغ 10.7 % حاليا، بما يتناسب مع ارتفاع معدل نمو اجمالي ناتجها المحلي البالغ 15 % في السنوات القليلة الماضية. غير ان معدل النمو يتدنى الى 2 % في المتوسط في دول الامارات والكويت.

وتراجع معدلات الخصوبة هو العامل الرئيسي وراء تراجع النمو السكاني، خاصة بين مواطني دول مجلس التعاون بفعل تقاليد الزواج والترتيبات المعيشية التي مرت بتغيرات هائلة. وتراجعت معدلات الخصوبة بشكل كبير لدرجة انها بلغت حدود الاحلال فقط في الكويت والامارات. ويرجع التراجع الكبير في معدلات الخصوبة في دول مجلس التعاون الى ارتفاع سن الزواج وارتفاع معدلات تعليم الاناث فضلا عن تزايد مشاركة المرأة في سوق العمل.

صندوق لتمويل المشاريع

وأوصت الدراسة بإنشاء صندوق لتمويل المشاريع الصغيرة لتوفير الوظائف للباحثين الجدد في سوق العمل عن وظائف.

وقالت الدراسة ان الصندوق سوف يوفر قروضا مالية للباحثين عن العمل حديثي التخرج، سواء من المدارس الثانوية او الجامعات. وسوف يساعد هذا المنهج في التوفيق بين العمالة المحية ورأس المال في عملية ترفع من التنافسية. وثانيا توفر تلك الطريقة خيارات من الاعمال التجارية وتتيح الفرصة لاختيار مكان العمل.

ويمكن توفير مزيد من الحوافز للمشاريع التي تبعد عن المدن الكبرى، او تكون في مواقع نائية. وثالثا تسرع هذه الطريقة من توليد فرص العمل في القطاع الخاص، كما تؤدي الى تسارع نمو المشاريع الصغيرة والمتوسطة. واخيرا يوفر هذا الاسلوب وسيلة لتنافس العمالة المحلية العمالة الوافدة التي توجد بكثافة كبيرة.

كما توصي الدراسة بأن تعمل دول مجلس التعاون على تنفيذ برامج لتوطين الإنتاج والوظائف داخل دول المجلس وفق برامج زمنية محددة، وذلك عن طريق تشجيع صناعات وطنية في كافة المجالات التي تتوفر فيها الميزة النسبية، ومطالبة الشركات الدولية، التي تفوز بعقود عطاءات استثمارية وإنتاجية داخل دول المجلس، بان تساهم في توطين الوظائف وبشكل منهجي.

وإعطاء الأولوية للشركات الدولية التي تحرص على خلق القدرات الإنتاجية الوطنية وتوظف العمالة الوطنية كشرط أساسي للعطاء سواء في مشاريع الحكومة ومشترياتها او مشاريع القطاع الخاص ومشترياته أو المشاريع المشتركة فيما بين القطاعين العام والخاص في دول مجلس التعاون الخليجي.

تقليل فوارق الرواتب

وأوصت الدراسة أيضاً بأن تقوم دول المجلس بتقليل فوارق الرواتب بين القطاعين العام والخاص، والتي يحصل عليها المواطنون المشتغلون في كل من القطاعين. ويتضمن ذلك تحقيق التقارب في معدلات الجهد المتمثل في ايام وساعات العمل الأسبوعية والإجازات السنوية وحقوق العاملين في القطاعين.

وأوصت الدراسة بأن تقوم دول المجلس، بالاشتراك مع قادة العمل في القطاع الخاص، بتنفيذ مشروعات إنتاجية مشتركة تشمل تدريب وتوظيف العمالة الوطنية، إلى جانب خلق شراكة حقيقية بين قطاع التعليم وقادة قطاع الأعمال لضمان ملائمة مناهج التعليم ومخرجاته مع متطلبات العمل في القطاع الخاص.

وقالت المؤسسة انه يتوجب على دول الخليج أن تحرص على توفير قدر متزايد من المرونة في التوظيف في القطاع الخاص، من حيث عقود التوظيف وساعات العمل ومستويات الأجور، وبما يتناسب مع الاحتياجات المتنوعة للمؤهلين من العمالة الوطنية داخل قوة العمل وخارجه وفق مختلف الفئات العمرية من الذكور والإناث على السواء.

 خطة عمل وتدريب للارتقاء بالإنتاجية

 طالبت دراسة مؤسسة الخليج للاستثمار بوضع خطة عمل وتدريب لموظفي الدولة كافة، تهدف إلى الارتقاء بإنتاجيتهم، على أن يكون الترقي الوظيفي والعلاوات والأجور وخلافه مرتبطا بمعايير واضحة وموضوعية لأداء الموظف الحكومي. وفي هذا الصدد لابد من ربط هيكل الأجور بالجهد المبذول والناتج وبشكل فعال، بحيث تكون المفاضلة في الاختيار والترشيح للدورات والعلاوات السنوية مرتبطة بمدى جهد الموظف، مقاسا بساعات العمل الفعلية والإضافية، وبمدى درجة تميزه وإضافته إلى الناتج.

وطالبت بالعمل على زيادة معدلات النمو الاقتصادي وعلى تحسين بيئة العمل ومناخ الاستثمار، بحيث ينبثق عنها زيادة حجم الاستثمارات الداخلية والخارجية، وان يتم توجيه هذه الاستثمارات إلى قطاعات وأنشطة تساعد على زيادة النمو الاقتصادي، فضلا عن زيادة معدلات تشغيل العمالة الوطنية.

وأوصت الدراسة بأن تقوم دول مجلس التعاون بإعداد برامج لتعزيز الحس الوطني لدى كافة فئات المجتمع ومؤسساته، بدءاً بالأسرة الخليجية وانتهاء بأعلى مستويات المؤسسات العامة والخاصة، مع التركيز على دور الأسرة والمدرسة في ترسيخ القيم الموروثة، والتي تحث على أهمية قيمة العمل.

وأكدت أنه من الأهمية بمكان العمل على خلق أعلى أشكال التنسيق بين استقدام العمالة الوافدة، من حيث النوع والخبرات والمهارات، وبين احتياجات الاقتصاد الوطني لدول مجلس التعاون.

تشجيع حوكمة الشركات

 حثت دراسة مؤسسة الخليج للاستثمار على تشجيع حوكمة الشركات والمشروعات الخاصة وزيادة إدراكها لأهمية تطعيم الكفاءات والخبرات الوافدة من الخارج بالخبرات والكفاءات الوطنية من الشباب في بوتقة تناسق تام، وذلك بأجهزة وزارات الدولة المعنية لتوفير قدر من التغذية المرتدة فيما بين الخبرات الوطنية والمستقدمة في القطاع الخاص ونظيراتها في القطاع العام.

بما فيها منظومة التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية. وأوصت الدراسة بتشجيع دور مؤسسات وشركات القطاع الخاص في مجال المسؤولية الاجتماعية للتنمية المستدامة عن طريق جعل توظيف العنصر الوطني أحد ركائز تلك المسؤولية.

وربط مطلب توطين الوظائف في اطار المسؤولية الاجتماعية للشركات وغرف التجارة والصناعة في دول مجلس التعاون مع الوزارات والبرامج الحكومية المعنية، كما طالبت الدراسة بالعمل على إيجاد قالب مؤسسي من قادة الأعمال وغرف التجارة والصناعة، يقوم بمتابعة طلبات التوظيف والوظائف الشاغرة بإيجاد قاعدة للبيانات عن انجازات التوطين وخصائص الوظائف الموطنة وشاغليها، فضلا عن الوظائف الشاغرة، لا سيما الوسطى.

والتي يمكن للعناصر الوطنية المؤهلة شغلها وفق برنامج زمني وتدريبي محدد. واقترحت المؤسسة ان يتم الإعلان عن وتسمية الشركات والمشروعات الأكثر إسهاما في مجال تحقيق المسؤولية الاجتماعية للتنمية المستدامة، وخلق وعي إعلامي بدورها، مما يساهم في ترسيخ أهميتها وحيويتها لدى شرائح المجتمع المختلفة. وحتى يكون ذلك أكثر فاعلية، ينبغي ربط المطلب التنموي مع المؤسسات والشركات تبعا لمختلف القطاعات.