أكدت المستشار الاقتصادي لشركة الفجر للأوراق المالية، مها كنز، في تقريرها الأسبوعي حول أداء أسواق المال المحلية الأسبوع الماضي أن ضآلة الحجم النسبي للسوق هو احد الأسباب الرئيسية للتقلبات السعرية غير المبررة ، وان اسواقنا المحلية تعاني من ضآلة الحجم النسبي للسوق وصغر حجم رأس المال السوقي للشركات وقلة عدد الأسهم القابلة للتداول وقلة عدد الشركات المتاحة امام المستثمر الأجنبي .
وقالت أن تلك جميعها عوامل تؤدي الى زيادة فرص التقلبات غير المبررة في الأسعار. مؤكدة أن هناك محدودية في عدد الشركات المدرجة وان حركة التداولات اليومية تتم على أقل من ثلث هذه الشركات المدرجة.
وطالبت مها كنز باتخاذ خطوات فاعلة نحو تحفيز وتنشيط السوق المالي مشيرة إلى أنه لابد من زيادة المعروض، بحيث لا يكون التركيز على الكم فقط بل والكيف ايضا .. كما أنه لابد من العمل على ايجاد التنوع المناسب في القطاعات ، مع السعي لإدراج الشركات التي لها تاريخ جيد من الأداء المالي .. واشارت إلى أن كل ذلك من اجل فتح شهية المتعاملين لضخ سيوله جديدة للأسواق المالية.
اتساع السوق
وقالت كنز إن مدى ضآلة أو اتساع السوق يقاس على محورين اساسيين :السوق الأولى (سوق الإصدار) والسوق الثانوي (أسواق التداول). فبالنسبة لسوق الإصدار يقاس مدى ضآلة او اتساع السوق من خلال تطور عدد الشركات المسجلة بالسوق ، ونسبة الاصدارات الجديدة للناتج المحلي. وعن تطور سوق الاصدار بالدولة فقد شهد انتعاشا كبيرا خلال الفترة من 2004 : 2007.
ففي بداية عام 2004 (وقبل طفرة عام 2005) كان عدد الاسهم المدرجة بالسوقين 44 سهما ، منها 30 سهما في سوق ابوظبي للاوراق المالية ، و14 سهما بسوق دبي المالي. وكان هناك تركز كبير على اسهم فطاعي البنوك وشركات التأمين، حيث احتل القطاعين نسبه 77 % من إجمالي عدد الشركات المدرجة. فكان للبنوك 18 بنكا ، وللتأمين 16 شركة مدرجة.
بينما كان تداولات قطاع البنوك تحتل حوالى 25 % من إجمالي التداولات ، ولا تمثل تداولات شركة التأمين سوى اقل من 3 % من اجمالى التداولات للسوقين. كان النصيب الأكبر من أحجام التداولات آنذاك للقطاع العقاري الذي اقتصر التداول فيه على شركتين هما إعمار العقارية والاتحاد العقارية.
وخلال عامي 2004 و 2005 طرحت العديد من الشركات العقارية ، فدخلت الدار وصروح وراس الخيمة العقارية وارابتك. كما ظهر قطاع الطاقة بطرح كل من آبار وطاقة ودانة غاز ، وغيرهم من الشركات المختلفة. ووصل حجم الاصدارات المطروحة خلال العامين الى 8.1 مليارات درهم. وبالرغم من بدأ التصحيح السعري للسوق بالربع الأخير من عام 2005 الا ان رواج اسواق الاصدار استمر وبقوة في عام 2006 ، فوصلت قيم الطروحات الجديدة الى 7.89 مليارات درهم وهو ما يعد اعلى مستوياتها طوال السنوات الماضية.
وخلال عام 2007 ، بدأ ظهور مؤشرات سلبية في الأسواق العالمية فخرج إصداران فقط بأسواقنا المحلية (العربية للطيران ودبي العالمية ) بقيمة اجمالية 3.77 مليارات درهم ، الى ان الانهيار الكبير بالأسواق المالية العالمية - على اثر تردي اوضاع البنوك الكبرى في الولايات المتحدة - والذي تبعه انهيار جميع الاسواق المالية كدمى الشطرنج ، وتوقفت تماما عمليات الطرح العام. وخلال عام 2008 ، خرج - من عنق الزجاجة - 6 طروحات للسوق المحلى بقيمة اجمالية 2.1 مليار درهم ، معظمها شركات صغيرة الحجم ، واغلبها شركات تأمين.
استئناف الطرح
وتوقفت تماما عمليات الطرح الأولى خلال عامي 2009 ، 2010 ، لتستأنف نشاطها في عام 2011 بـ 3 طروحات بقيمة تقارب المليار درهم ، منها شركتان للتأمين ، وواحدة بقطاع العقار واستخدم فيها اسلوب جديد على السوق في الطرح العام وهو تحصيل القيمة الاسمية على دفعات على ان يتم استدعاء كامل القيمة خلال عامين من الطرح ، وذلك للعمل على إنجاح الطرح في ظل ظروف محفوفه بالمصاعب يواجهها القطاع العقاري.
فهل يستمر الحال على ما هو عليه دون العمل على ايجاد محفزات لتشجيع الشركات الجيدة على الادراج بالأسواق المالية ، دون النظر قطاعات اخرى بخلاف شركات التأمين او شركات عقارية... فالسوق بحاجة إلى شركات جديدة في القطاع الصناعي ، قطاع التكنولوجيا والمعلومات ، قطاع السياحة ... الخ من القطاعات الواعدة.
فالتنويع إحدى أهم الركائز التي تقوم عليها الأسواق المالية في الدول المتقدمة إذ تعرض أمام المستثمرين تشكيلة متنوعة ومتعددة من الأوراق المالية ، تفسح لهم المجال واسعا لاختيار منها ما يلائم إمكانياتهم ، أهدافهم وميولاتهم الشخصية ، والتنويع من هذا المنطلق يعمل على تخفيض حجم المخاطر. أما اسواقنا المحلية لا يتداول فيها إلا قطاعات معدودة من الأوراق المالية ، مما يجعلها بذلك تفتقر للكفاءة ، الأمر الذي يرفع من حجم المخاطر ، و يحد من رغبة المستثمرين على الاستثمار في الأوراق المالية.
القيمة السوقية
بالنسبة لسوق التداول ، تقاس طاقتها النسبية من خلال مقارنة القيمة السوقية للأسهم المتداولة الى الناتج المحلي . وقد وصلت نسبة القيمة السوقية الى الناتج المحلي بنهاية عام 2011 الى 26.03 % ، بعدما تدهورت القيم السوقية للشركات مع استمرار التصحيح السعري لطفرة عام 2005 ، وتأثرها بالأوضاع العالمية على اثر الأزمة المالية العالمية وديون منطقه اليورو.
تآكلت القيم السوقية للشركات المدرجة طوال تلك الفترة حتى وصلت الخسائر الرأسمالية الى حوالي 490 مليار درهم. اهلكت الخسائر المتتالية كاهل الشركات والمستثمرين فأصبحت ككرة الثلج التي تدحرجت ووصلت بالحجم الذي يحتاج لتكريس كافة الطاقات للتخلص من اعبائها.
وبالمقارنة اسواقنا المحلية مع الأسواق المجاورة وفق البيانات الصادرة عن البنك الدولي- فإن نسبة القيمة السوقية الى الناتج المحلي بلغت بنهاية 2011 للسعودية 59% ، وللكويت 57 % و لقطر 72 % ، ولعمان 27 %. وكانت اقل النسب على مستوى أسواق الدول العربية في مصر وتونس (تأثرا بأحداث الربيع العربي) وبلغت 21.2 % و 21.07 % على التوالي. السبب فيما آلت اليه اسواقنا المحلية هو عدم اتخاذ اجراءات فاعلة للعمل على اتساع السوق، وترك السوق مقصورا على فئة قليلة من الأسهم.
مؤشرات
ومن المؤشرات التي تقيس ايضا مدى تحقق السيولة بالأسواق المالية عدد العمليات التي تبرم يوميا . كان عدد الصفقات المنفذة بالسوق الإماراتي يفوق 3 ملايين صفقه خلال الأعوام من 2006 الى 2008 ثم بدأ بالانخفاض بشكل تدريجي الى ان بلغ 727 ألف صفقه في عام 2011. ويعتبر تداولات هذا العام افضل نسبيا مقارنة بالعام الماضي الا ان عدد الصفقات بنهاية العام والذي يقدر بحدود 870 صفقة ( 720 صفقة حتى الربع الثالث) وهو لا يزال اقل من ثلث ما كانت عليه في السابق.
وتعاني أسواقنا المحلية أيضا من درجة عالية من تركز التداول ، ويقصد بها نسبة تداول الأسهم النشطة إلى إجمالي حجم التداول، هذه المشكلة هي انعكاس لصغر عدد الأسهم ذات الجاذبية.
سيولة
جفاف المعروض من الأسهم يعنى تدنى مقدرة أسواق الأوراق المالية على تحقيق السيولة : يعتبر مؤشر دوران الأسهم خير مقياس لتحقيق السيولة لنشاط حركة التداول من حيث عدد الصفقات وقيمتها، ومن ثم يمكن تحديد حجم السوق ونشاطها. فسيولة السوق في مقدمة أولويات المستثمر المحلي والأجنبي. ويمكن رصد استمرار ضعف السيولة بالسوق من خلال تتبع معدل دوران الأسهم على مدار السنوات الماضية .
كان اعلى معدل دوران للأسهم بالسوق المحلي في الأعوام 2005 ، 2007 ، 2008 ، كانت سنوات لمحطات رئيسية في المسار العام للسوق ، سجل السوق خلالها معدل دوران للأسهم ما بين 80% : 90%. وخلال الثلاث سنوات الماضية استمر انخفاض أحجام التداولات اليومية واستمر مخاوف المستثمرين وابتعادهم عن اسواق التداول واللجوء الى أنواع الاستثمارات الأقل مخاطر من الأسهم ، حتى وصل معدل الدوران للأسهم بنهاية عام 2011 الى 16%.
