تجاوزت قيمة الأسهم الخليجية المتداولة خلال النصف الأول من العام الحالي أرقام العام 2011 بأكمله، ما يعد مؤشراً يدعو إلى الاطمئنان. وكانت السيولة المتداولة في أسواق المال الخليجية قد عانت عقب الأزمة المالية العالمية من تراجع سنوي بنسبة 40 ٪ في الأعوام 2007 و2009 و2010، بعد أن شهدت ذروة تداولات بقيمة 1.6 تريليون دولار أميركي في العام 2006، لتصل إلى 296 مليار دولار في 2010، ولتشهد تعافياً بسيطاً في 2011 حيث بلغت قيمة التداولات 354 مليار دولار.

 إلا أن قيمة تداولات 2011، لكنها لا تمثل سوى خُمس قيمة ذروة التداولات التي شهدها العام 2006. وقد أدى هذا الانخفاض الحاد إلى إغلاق العديد من شركات الوساطة.

جاء ذلك في مقال للمحلل المالي، راغو ماندا غولاثر، العضو المؤسس في معهد المحللين الماليين المعتمدين في البحرين والكويت، يعمل نائباً أول للرئيس، ورئيساً لقسم الأبحاث في المركز المالي الكويتي «المركز».

تداعيات الأزمة العالمية

وأوضح غولاثر قائلاً: أرخت الأزمة المالية العالمية بظلالها على اقتصادات العالم بأكمله، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي. إلا أن المشكلة الأكبر التي نجمت عن تلك الأزمة تمثّلت في فقدان السيولة النقدية من أسواق الأسهم (مقاسة بالقيم المتداولة).

ويعد الاستثمار في الأسهم، إلى جانب الاستثمار في العقارات، الركيزتان الأساسيتان اللتان وفرتا لكثير من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي نوعاً من «المشاركة المهنية». وجاء انهيار هاتين الفئتين من الأصول ليعني انكماشاً كبيراً في كثير من النواحي. تتناول هذه المقالة تحديداً مسألة السيولة في سوق الأسهم، وتنظر في التدابير التي يمكنها إعادة بعض السيولة على الأقل إن لم يكن كلها.

الإيقاف النسبي للإقراض

وأضاف غولاثر: لعب الإيقاف النسبي للإقراض في المنطقة دوراً كبيراً في انخفاض السيولة النقدية في البورصات. فوفقاً لمعهد التمويل الدولي، يذهب نحو 10 ٪ من القروض البنكية نحو شراء الأوراق المالية في حين يذهب 26 ٪ منها نحو الشركات العقارية و10 ٪ نحو الشركات الاستثمارية، وهي التي تعاني حالياً من حالة من التعثر أو من انخفاض مقوّمات النمو.

وبناء على ذلك، شهد نمو القروض في دول الخليج تباطؤاً حاداً منذ عام 2009. ففي حين أن متوسط النمو السنوي في القروض بلغ بين عامي 2004 و2008 نحو 29 ٪، واصلاً إلى ارتفاع نسبته 38 ٪ في 2007، فإن هذا المعدل انخفض إلى أقل من 10 % خلال الفترة من 2009 إلى 2011.

عوامل استعادة السيولة

وأشار غولاثر إلى العديد من العوامل التي يمكنها أن تساعد في استعادة السيولة إلى أسواق الأسهم الإقليمية، والتي تتصل العديد منها بخلق بيئة جذابة تستقطب الاستثمار، سواء من قبل المستثمرين الأفراد أو المؤسسات.

وقال: لا توجد خيارات عدة عندما يتعلق الأمر بالاستثمار في دول مجلس التعاون الخليجي، فمعظم الصناديق والمحافظ تتعامل مع منتجات عادية مألوفة أو ما يعرف بمنتجات «فانيليا»، مثل صناديق الاستثمار العامة أو صناديق الاستثمار في قطاع محدد.

وفيما تزايدت شعبيةً أدوات الدخل الثابت كفرصة استثمارية مؤخراً، إلا أن معظم الاستثمارات تستمر حتى تاريخ الاستحقاق، فيما يكاد لا يتوافر تداول ثانوي لهذه المنتجات. بيد أن الأسواق لم تشهد سوى بضعة أدوات مشتقة (مشتقات استثمارية).

فالمركز المالي الكويتي قام بتشغيل صندوق فرصة المالي منذ عام 2004، الذي طرح نظام تداول أدوات الخيار «الأوبشنز» بالأسهم المدرجة في سوق الكويت للأوراق المالية.

فيما بادرت كلّ من أبوظبي والمملكة العربية السعودية في أوائل 2010 إلى طرح صناديق المؤشرات المتداولة في أسواقها، إلا أن هذه الصناديق شهدت انخفاضاً في السيولة.

ومن شأن تشجيع تطوير سوق إقليمية للمشتقات أن يساعد على دعم السيولة ورفع مستوياتها من خلال توفير خيارات وأدوات مشتقة إضافية، تسمح بدورها بتوفير منتجات أكثر تنوعاً وتطوراً.

دعم المستثمر المؤسسي

ويلاحظ غولاثر أن غالبية المستثمرين في المنطقة هم من المستثمرين الأفراد الذين يمرون في حالة فقدان السيولة أو تخفيض الديون، وبناء على ذلك يقول إن دعم المستثمر المؤسسي يساعد على زيادة السيولة.

وأضاف: درجت العادة على أن تتولى تقديم هذا الدعم صناديق الثروة السيادية، مثل الهيئة العامة للاستثمار في الكويت، وهيئة أبوظبي للاستثمار، وجهاز قطر للاستثمار، بالإضافة إلى جهات أخرى مملوكة للحكومة.

ويوجد حوالي 60 جهة حكومية في دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك نحو 30 ٪ من القيمة المالية للأسواق موزعةً على ما يقرب من 180 شركة؛ وتتصدر المملكة العربية السعودية اللائحة بأعلى نسبة في السوق المحلية إذ تملك 35 ٪، في حين تمتلك الكويت نسبة 13 ٪ في السوق المحلية والتي تعد الأقل في دول مجلس التعاون الخليجي. ويختتم غولاثر مقاله مؤكداً أن عودة الثقة هي مفتاح عودة السيولة.

 

الإجراءات التنظيمية نتاج نضج طبيعي

شهدت منطقة دول مجلس التعاون الخليجي على مدى السنوات القليلة الماضية العديد من الإجراءات التنظيمية، جاء بعضها جزءاً من النضج الطبيعي للأسواق، فيما كان البعض الآخر استجابةً لتطورات ناجمة عن الأزمة. ويعدّ التقدم والتطوير التنظيمي عاملاً حيوياً في تعافي أسواق دول مجلس التعاون، حاملاً معه المصداقية والجاذبية التي يمكنها استقطاب المستثمرين الأجانب.

وقد حققت الإمارات دفعة مهمة على هذا الصعيد من خلال قانون قوي للإفلاس من شأنه أن يوفر إطاراً قانونياً للشركات المتعثرة للعمل داخله.

كما تبذل قطر محاولات نشطة لرفع القيود عن المستثمر الأجنبي في خطوة ستجعل السوق أكثر جاذبية للأجانب بشكل عام، رغم أنها تمّت أساساً لتلبية المتطلبات اللازمة للترقية إلى تصنيف السوق الناشئة على مؤشر مورغان ستانلي. وعلاوة على ذلك، تم تأسيس هيئة سوق المال الكويتية، ونشر لائحتها التنفيذية التي تنظّم تداول الأوراق المالية وشركات الاستثمار.