شهد الشارع المصري خلال الايام القليلة الماضية إنقساما حادا بين مختلف طوائفه تزامنا مع زيارة وفد صندوق النقد الدولي للقاهرة والتى إنتهت أمس وتخللتها مباحثات مع الحكومة المصرية لمنح مصر قرضا بقيمة 4.8 مليارات دولار، وسط تباين حاد فى مواقف الشارع تجاه القرض بين مؤيد له لحتميته وحاجة مصر الملحة له فى ظل التراجع الملحوظ لاحتياطيها من النقد الاجنبي وتزايد عجز الموازنة والضغط المتواصل على عملتها المحلية، وبين رافض له بسبب شروط صندوق النقد والتى يعتبرها البعض تدخلا فى شؤون مصر الداخلية، فيما رفضته بعض الشرائح الاسلامية لوجود شبهة الربا في القرض لأن الصندوق الدولي يحصل على فائدة وإن كانت رمزية.
يرى خبراء ومحللون اقتصاديون مصريون إن مصر ستجني العديد من المكاسب حال التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولى بشأن القرض، وأبرز هذه المكاسب أن القرض سيكون بمثابة شهادة دولية على قدرة الاقتصاد المصري على النهوض والتعافي والثقة فيه، بما سيمثل إشارة رسمية ودولية للمؤسسات الاستثمارية العالمية للعودة إلى مصر أو زيادة استثماراتها فى مصر.
وأكدوا في تصريحات لـ"البيان الاقتصادي" أن فكرة الاقتراض من صندوق النقد الدولى تعد الخيار الأقرب والأسرع لحل أزمات الاقتصاد المصرى الحالية فى ظل ارتفاع قيمة العجز فى الموازنة العامة للدولة فى العام المالي الجاري لتصل إلى نحو 140 مليار جنيه.
الرؤية الحكومية
رئيس الحكومة المصرية الدكتور هشام قنديل قال إن الاقتراض من صندوق النقد الدولي بفائدة 1% وفترة سماح تصل إلى 3 سنوات ويسدد على 5 سنوات، وإنه يعد أفضل بكثير من الاقتراض الداخلي الذي لجأت إليه الحكومة على مدار العام ونصف العام الماضية، مشيرا إلى أن مصر اقترضت مبالغ تجاوزت 500 مليار جنيه بعد الثورة من البنوك المحلية بفوائد وصلت إلى 17% بما يكبد الخزانة العامة للدولة أعباء صعبة.
وأكد قنديل أن حضور وفد من صندوق النقد الدولي بهذا المستوى الرفيع يعد رسالة ايجابية ليس فقط لمصر بل للعالم أجمع وأن مصر استقرت اقتصاديا، واقتصادها متجه إلى التعافي.
وديعة في حساب الصندوق
وكشف مصطفى البنا، أمين سر لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب المنحل، أن مفاوضات مصر مع الصندوق تضمنت وضع القاهرة وديعة بالعملة المحلية فى حساب الصندوق، تتساوى مع قيمة القرض المطلوب.
وأضاف إن هذه الوديعة سيتم توفيرها من رصيد العملة المحلية بالبنك المركزى المصرى، متوقعا إمكانية وضع ما يساوي قيمة القسط الأول من القرض، وأن القرض يدفع للقاهرة على ٣ مراحل، ويجوز عدم استكمال مراحله وفقاً لرؤية الحكومة، واحتياجاتها من السيولة، ووفقاً لبرنامج الإصلاح الاقتصادي.
شروط مجحفة وتدخل
من جانب آخر نظم العشرات من المنتمين لبعض القوى السياسية الليبرالية واليسارية فى مصر مسيرات بوسط القاهرة للاعلان عن رفضهم قيام الحكومة بالاقتراض من صندوق النقد الدولي اعتراضاً على شروط الصندوق التي يعتبرونها مجحفة وتدخلاً في شؤون مصر الداخلية خاصة وأن الصندوق لا يمنح قروضا ميسرة بدون شروط.
وقال المشاركون فى هذه المسيرات إن مصر ستدفع الكثير مقابل هذا القرض ليس فقط ماليا وإنما سياسيا وإن شروطه تعد تدخلا مجحفا من الولايات المتحدة والغرب فى شؤون مصر الداخلية.
وفي نفس الاتجاه وبمبررات مختلفة قال الدكتور يونس مخيون، عضو اللجنة العليا لحزب النور السلفي، إن الحزب يرفض الاقتراض بنظام الربا لأنه مخالف للشريعة الإسلامية، مؤكداً أن الله لا يبارك فى المال الحرام، وأنه لن ينجح اقتصاد قائم على الربا.
وطالب نشطاء سياسيون على صفحات التواصل الاجتماعي الحكومة برفض القرض، مقترحين أفكاراً لإنشاء صناديق شعبية لدعم الاقتصاد المصري منها صندوق تنمية المشروعات وصندوق دعم الاقتصاد، واعلنت إحدى الناشطات تبرعها بمبلغ 30 ألف جنيه وقالت إنها تضعها كبداية لإنشاء صندوق تبرعات شعبي تحت تصرف رئيس الجمهورية.
الخيار الأقرب والأسرع
قال الدكتور حازم الببلاوى، وزير المالية السابق، إن فكرة الاقتراض من صندوق النقد الدولي تعد الخيار الأقرب والأسرع لحل أزمات الاقتصاد المصري الحالية فى ظل ارتفاع قيمة العجز فى الموازنة العامة للدولة فى العام المالي الجاري لتصل إلى نحو 140 مليار جنيه، موضحًا أن البدائل الأخرى مثل فرض الضرائب تحتاج إلى وقت لتوفير الحصيلة والإيرادات الضريبية، وتكلفتها على الاقتصاد أعلى فى الوقت الحالي.
وأضاف إن الموافقة على رفع قيمة القرض من إلى 4.8 مليارات دولار تحتاج إلى موافقة خاصة من مجلس إدارة صندوق النقد الدولى، وأن مصر من الممكن أن تحصل على حتى 200% من قيمة مساهمتها فى رأسمال الصندوق البالغة أكثر من مليار دولار، وفى ظل الرغبة فى رفع قيمة القرض إلى 4.8 مليارات دولار، تحتاج إلى الاقتراض بنسبة تعادل 300%، والموافقة على ذلك ترجع إلى تقييم الصندوق للبرامج الاقتصادية التى تتبناها مصر، والظروف والأوضاع والمخاطر السياسية.
