شهد الاقتصاد الكلي للإمارات تحسناً سريعاً ظهرت علاماته في ارتفاع مؤشر ثقة المستهلك (مقاساً بخمسة عوامل رئيسية هي التوظيف والاقتصاد والدخل الثابت والبورصة وجودة الحياة) والذي فاق مثيله في دول المجلس.

 حيث سجلت الدولة في هذا المؤشر ارتفاعاً ملفتاً خلال النصف الثاني من عام 2009 وبمعدل نمو بلغ 190% مقارنة بالنصف الأول من العام المذكور، لتأتي بعدها الكويت 43% وقطر 25%.

وأشارت دراسة أعدها فريق من الخبراء بمركز السياسات الاقتصادية والأبحاث، الذراع التشغيلية لمجلس دبي الاقتصادي، الى ان انعكاسات هذه الإجراءات وما تلاها من سياسات معززة قد امتدت حتى الوقت الحاضر، ورصدت الدراسة آخر التطورات الحاصلة في اقتصاد دبي، من قبيل عودة الاستثمارات الأجنبية المباشرة الى الإمارة، والتحسن التدريجي في قطاع التشييد والعقار، والنمو الملحوظ في قطاعي السياحة والتجارة.

واستعرضت الدراسة، والتي جاءت بعنوان "سلامة القطاع المصرفي في الإمارات وأوضاع الاقتصاد الكلي"، بعض المؤشرات الهامة لاقتصاد الإمارات، منها معدلات النمو الاقتصادي الحقيقي والتي شهدت انخفاضاً واضحاً منذ عام 2008 حينما بلغت 5.32 % حتى وصلت الى أدنى مستوى لها في عام 2009 .

ثم سرعان ما عاودت الارتفاع وبصورة حادة لتصل الى 0.88 % في عام 2010 و الى 4.90 % في عام 2011، الأمر الذي يشير الى نجاعة السياسات التي اتخذتها الحكومة لمعاكسة الدورة الاقتصادية التي صاحبت الأزمة العالمية.

وفي الوقت ذاته، فقد لاحظت الدراسة انخفاض معدلات التضخم منذ عام 2008 حينما بلغت آنذاك 12.25 % الى 1.56 % في عام 2009، ثم الى أقل من 1% في عام 2010.

القطاع المصرفي

وعلى ضوء ما سبق، تشير الدراسة إلى أنه كان من الطبيعي أن تتأثر مؤشرات البنوك المحلية. فقد لوحظ ارتفاع القروض المتعثرة منذ عام 2008، في حين انخفضت العوائد على الأصول منذ ذلك العام.

إلا أنه في المقابل فقد ظهر تحسن في الإيرادات (صافي دخل الفوائد)، الى جانب ارتفاع معدلات كفاية رأس المال من 13.3 % في عام 2008 الى 19.2 % في عام 2009، ثم الى 21.2 % في عام 2011.

ورصدت الدراسة أهم السياسات التي قامت بها مصارف الدولة للتعاطي مع هذه المتغيرات والتي شملت التدرج في عملية منح الائتمان من التحفظ والانتقائية وفرض شروط صعبة في مطلع عام 2009 إلى منح التسهيلات خلال النصف الثاني منه.

وتضمنت أولويات التمويل المشاريع القائمة وخاصة في قطاع التجارة والبنية التحتية والسياحة، ونصيبا أقل لقطاع الانشاءات والعقارات. كما فضلت البنوك التمويل لقطاع الأعمال مقارنة بالقروض الشخصية. ولاريب مما شجع هذه التوجهات هو عودة النشاط للقطاع التجاري.

وقامت البنوك بإعادة جدولة العملاء من الشركات المقترضة بحسب ملاءتها الائتمانية. وكان هناك تصاعد تدريجي بنسبة الفائدة على الائتمان خلال عام 2009 نتيجة للتطورات الحاصلة في حجم السيولة المحلية، وارتفاع مؤشرات الثقة، وتم الاعتماد على احتساب مخصصات كبيرة لتغطية التدهور الحاصل في الموجودات.

البيئة الاقتصادية والقطاع المصرفي

وفي سياق البحث الجاري عن تحديد العلاقة بين القطاع المصرفي والاقتصاد الكلي، أشارت الدراسة الى أن البيئة الاقتصادية الكلية المواتية عادة ما ترتبط بانخفاض احتمالات حصول تعثرات من قبل المدينين مقابل وجود حالات سداد أفضل. وأوضحت أنه من المحتمل أن تؤدي التطورات الاقتصادية الكلية العكسية الى تزايد القروض المتعثرة مما يمكن أن تهدد البنوك بالإفلاس.

من هنا ترى الدراسة انه بهدف ضمان قطاع مصرفي مستقر وسليم لابد من تفهم الوضع العام للبيئة الاقتصادية الكلية التي تعمل بها البنوك والسعي الى تعزيزها، والخطوة الأولى بهذا الاتجاه هو استمرار العمل على تقوية وتحديث الإطار التنظيمي .

وبما يواكب المستجدات الاقتصادية الحاصلة على الصعد المحلية والإقليمية والعالمية، ويشمل ذلك بصورة خاصة القوانين الاقتصادية الرئيسية التي تعتزم حكومة الإمارات اطلاقها خلال الفترة المقبلة اضافة الى تلك المرتبطة بقطاع العقارات وأسواق المال والصيرفة، وقطاع العمل من أجل تعزيز بيئة الأعمال بما يؤدي إلى زيادة الانتاجية والتنافسية والابتكار.

اضافة الى ضرورة تحسين قواعد الشفافية والمعلوماتية في الأسواق المالية من أجل ترسيخ المنافسة واتخاذ القرارات الاستثمارية السليمة، وإنفاذ مبادئ إدارة المخاطر سواء على صعيد دوائر صنع القرار الاقتصادي العام أو مؤسسات القطاع الخاص، بحيث يتم الأخذ بالمتغير العشوائي (كالأزمات الاقتصادية والجيوسياسية الإقليمية والعالمية) في معادلة الإنفاق والإيرادات وغيرها.

وعلى صعيد السياسات الاقتصادية الكلية ترى الدراسة أنه من الضروري رصد التطورات الحاصلة في الاقتصاد المحلي- إضافة إلى الاقتصادين الإقليمي والعالمي- بصورة دورية واعتماد حزمة من السياسات الاقتصادية الملائمة .

بحيث يصار الى التدخل في حالة ظهور مؤشرات تباطؤ سواء لعوامل محلية أو عالمية، فضلاً عن إرساء أسواق نشطة وكفوءة للأوراق المالية الحكومية (كالسندات) لتلبية الاحتياجات التمويلية المتزايدة.

يضاف الى ذلك كله، ضرورة دعم المؤسسات المتوسطة والصغيرة التي تشكّل محركاً هاماً للنمو والتوظيف، واستكمال البنية التحتية الأساسية لإقامة المؤسسات الاقتصادية، والتركيز على القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.

احتواء تداعيات الأزمة العالمية

 

استهلت الدراسة بالإشارة الى ان الاقتصاد الإماراتي وكما هو حال سائر دول المنطقة والعالم تأثر نسبياً بتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية 2008 لاسيما من جراء الانخفاض الحاد الذي شهدته أسعار النفط العالمية آنذاك.

وتدفق رؤوس الأموال المضاربة الى خارج الدولة، والانخفاض الملحوظ في أسعار الأصول والعقارات، الى جانب تردي أوضاع السيولة في الأسواق العالمية وبالتالي تأثير كل ذلك على أداء الاقتصاد الكلي للإمارات.

كما كانت البنوك المحلية عُرضة للتراجع الحاصل في أسعار العقارات والأسهم آنذاك الأمر الذي عرض موازناتها العمومية الى مخاطر الاعسار وبالتالي اضطرارها الى وقف عمليات الرفع المالي وممارسة سياسة اقراضية متحفظة مقارنة بالفترة التي سبقت الأزمة العالمية.

وذكرت أنه استجابة لتلك الأوضاع، فقد تدخلت الحكومة على المستويين الاتحادي والمحلي لانعاش الاقتصاد الوطني والسير قدماً في برامجها الانمائية الطموحة.

وكان من أهم الإجراءات التي لجأت اليها الحكومة اتباع سياسة مالية توسعية، وضخ السيولة في الأسواق المحلية بما في ذلك الجهاز المصرفي، وتخفيض أسعار الفائدة، اضافة الى ضمان الودائع. وطبقاً للتقارير الدولية فضلاً عن المحلية فقد ساهمت هذه الإجراءات في احتواء تداعيات الأزمة العالمية على المصارف المحلية من خلال تعزيز قاعدتها الرأسمالية وتقليل فجوة الودائع-القروض.