ما زالت اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي تحلق في مدار اقتصادي رصين محققة معدلات نمو مرتفعة مع تراكم الفوائض في موازينها التجارية وفي الميزانيات العامة. وبالرغم من ذلك فقد أعادت احتمالات انخفاض أسعار البترول متأثرة بالأزمة الأوروبية وتراخي معدلات النمو في الدول الناشئة لاسيما الصين مسألة التوازن بين الإنفاق العام والإيرادات العامة والتي يشكل البترول الجزء الأكبر منها إلى النقاش العام.

وأشار التقرير الشهري للأسواق الخليجية - يونيو 2012- الصادر عن مؤسسة الخليج للاستثمار إلى أن النفقات الحكومية لدول المجلس اتخذت اتجاها جادا نحو الارتفاع خلال عام 2011 متأثرة بالضغوطات على زيادة معدلات الأجور والتقاعد وتعويضات العاطلين عن العمل وغيرها من النفقات الاجتماعية الأخرى وهو ما يشكل منحى ينبغي تداركه لان الأصل في النفقات الحكومية أن توجه إلى أبواب الإنفاق الاستثماري كمشروعات البنية التحتية والاستثمار المباشر ناهيك عن الارتقاء بكفاءة المؤسسات الاقتصادية ذات المردود الاقتصادي الأعلى على مسيرة التنمية في دول المجلس.

وأكد التقرير أن التوقعات المستقبلية لاقتصادات دول مجلس التعاون تبقى إيجابية مع ضرورة التحوط من المخاطر الناشئة عن احتمالات تراجع معدلات نمو الطلب العالمي على البترول إذا ما استفحلت الأزمة الأوروبية مع ما يترافق معها من مردودات سلبية على التجارة الدولية والنمو في الصين والولايات المتحدة الأميركية. وفي ظل بيئة دولية تحفها مخاطر المديونيات الدولية وعدم اليقين مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وحدة شروطه تصبح مراعاة الاقتصاد في الإنفاق أكثر إلحاحاً متواكبة مع حسن توظيف الفوائض المالية دولياً وإقليمياً ومحلياً مع ضرورة الإسراع في البرامج الخاصة بزيادة التكامل الاقتصادي والاستثماري لدول المجلس وكما ينجم عنه في المحصلة النهائية من تنويع مصادر الدخل وإصلاح الخلل في التركيبة السكانية ورفع الكفاءة الإنتاجية للقوى العاملة.

تحسن الترتيب التنافسي

وأضاف التقرير: إلى جانب ذلك أدت الإصلاحات الاقتصادية وتحسين مناخ الاستثمار والتي قامت بها دول المجلس خلال السنوات السابقة إلى تحسن ترتيبها التنافسي بين دول العالم كما ورد في تقرير التنافسية الدولية لعام 2011 2012 والذي تبوأت بموجبه قطر المرتبة 14 والأولى بين دول المجلس، تلتها السعودية بترتيب 17 كما تحسن الترتيب الخاص بكل من عمان والكويت فيما تراجعت الإمارات رتبتين لتصبح في المرتبة 27 في العالم وبقيت البحرين ثابتة عند 37 كما كان حالها في العام السابق.

كما حافظت دول المجلس على تصنيفها الائتماني السيادي المرتفع ومثاله ما صدر عن وكالة ستاندرد اند بورز العالمية من تثبيت التصنيف الائتماني للسعودية والكويت. حيث حافظت الكويت على مستوى A+/AA+ مع الإبقاء على النظرة المستقبلية المستقرة غير أن التصنيف أورد محاذير على التقييم مصدرها تقلبات أسعار البترول مع الحاجة إلى تحسين مناخ الوفاق السياسي بين السلطتين الأولى والثانية مما ينجم عنه من مردودات حميدة على التنمية المستدامة. أما في حال السعودية فقد أكدت ستاندرد اند بورز التصنيف الائتماني عند AA- إذ قامت السعودية بتخفيض الدين العام خلال السنين الماضية من مستوى 40% من الناتج المحلي إلى ما يناهز 5% من الناتج المحلي لهذا العام.

أسواق الأسهم الخليجية

وحول أسواق الأسهم الخليجية أشار التقرير إلى تأثرها بتراجع أسعار النفط إذْ هبط خام غرب تكساس الوسيط وخام برنت بواقع 17.8% و14.5% على التوالي. كما أبقت حالة التوتر الجيوسياسي المتفاعلة في محيط المنطقة المستثمرين على درجة عالية من الحذر. وبالتوازي مع العوامل العالمية وعدم الاستقرار السياسي الإقليمي، شهد شهر مايو كذلك ندرة في السيولة بأسواق الأسهم الخليجية في ظل غياب أي عوامل محفزة مما تسبب في تراجع عام للأسواق حيث هبط مؤشر ستاندارد آند بورز للأسهم الخليجية بنسبة 6.24% خلال شهر مايو.

وفي الإمارات، كان مؤشر سوق دبي المالي الأسوأ أداء بين مؤشرات الأسواق الخليجية خلال مايو حيث تراجع بنسبة 9.78%. كما انخفض مؤشر سوق أبوظبي للأوراق المالية بواقع 2.51%. ونتج هبوط سوق دبي على نحو رئيسي عن الخسائر التي تكبدها قطاعا الخدمات المالية والعقار اللذان تراجعا بواقع 18.11% و11.54% على الترتيب. أما مؤشر القطاع المصرفي فقد هبط بنسبة 8.75%. ونتجت خسائر سوق أبوظبي بشكل رئيسي أيضا عن الأداء السلبي لقطاعي الاستثمار والعقار اللذين تراجعا بواقع 8.20% و11.26% على التوالي.

الأسهم السعودية تقلص خسائرها

فيما عوض مؤشر "تداول" للأسهم السعودية بعض خسائره ليرتقي من مرتبة أسوأ المؤشرات الخليجية أداء في شهر إبريل إلى مرتبة ثاني أسوأ هذه المؤشرات أداء في شهر مايو بتسجيله خسارة صافية بلغت 7.72%. وكانت قطاعات الاستثمار والعقار والتأمين الأسوأ أداء بتكبدها خسائر بلغت 12.4% و10.5% و11.2% على التوالي في مؤشر على تقلص في النشاط المضاربي في أعقاب اتخاذ إجراءات تنظيمية ورقابية جديدة. في الوقت نفسه، طال التراجع قطاعي البنوك والبتروكيماويات ذَويْ الثقل الكبير حيث هبطا بواقع 8.67% و 9.32% على التوالي.

واستمر مؤشر بورصة قطر في التراجع لينخفض بـ3.30% خلال مايو ويراكم خسائر بنسبة 4.13% منذ بداية العام. بدوره، انخفض المؤشر الوزني لسوق الكويت للأوراق المالية بواقع 3.06%، كما انخفض مؤشر مسقط 30 للأسهم العمانية بواقع 1.95% متأثرا إلى حد كبير بتراجع قطاعي الخدمات والبنوك، هبط مؤشر سوق البحرين للأوراق المالية بنسبة 1.15% متأثرا بالأداء الضعيف لقطاع الصناعة.

ومن المرجح أن تؤثر الاتجاهات الرئيسية لأسعار النفط على مسار الأسواق الخليجية خلال الفترة القادمة. فقد تعرضت أسعار النفط في الآونة الأخيرة لضغط ناجم عن تراجع ملموس في الطلب، حيث أعلنت الولايات المتحدة عن ارتفاع مخزونها النفطي الاستراتيجي إلى أعلى مستوى له خلال 22 عاما، فيما يتباطأ قطاع الصناعات التحويلية في الصين. وفي ظل غياب أي محفزات ملموسة لتحديد الاتجاه في أسواق الأسهم الخليجية، فإن هذه الأسواق ستظل تتأثر على نحو مباشر بالإشارات الصادرة من الأسواق العالمية وستبقى على الأرجح رهينة لحالة عدم الاستقرار خلال الفترة القصيرة المقبلة.

أسواق الإئتمان الخليجية

وبشأن أسواق الإئتمان الخليجية أشار التقرير إلى تأثير الأزمات الاقتصادية والسياسية العالمية المتلاحقة على أداء أسواق السندات الخليجية، حيث تباينت أسعار السندات مع بيع المستثمرين للسندات ذات آجال الاستحقاق الطويلة واستبدالها بالسندات الأقصر أجلاً، وظهور تفضيل واضح للسندات السيادية وشبة السيادية لكل من قطر وأبو ظبي.

وسجل مؤشر إتش إس بي سي ناسداك دبي للعائد على السندات والصكوك الخليجية التقليدية المقومة بالدولار انخفاضاً طفيفاً على أساس شهري ليقفل على مستوى 145.02 مقارنة مع الشهر السابق، فيما ارتفع متوسط العائد على المؤشر إلى مستوى 4.54%. وفي المقابل، ارتفع مؤشر إتش إس بي سي ناسداك دبي للعائد على الصكوك المقومة بالدولار الأميركي على أساس شهري من 137.83 إلى 137.96، فيما تراوح مؤشر العائد على السندات التقليدية بين مستوى 146 ومستوى 148. وارتفعت كلفة التأمين على الديون السيادية بشكل ملحوظ خصوصاً لدى الأسماء ذات الجودة العالية. حيث ارتفعت كلفة التأمين على ديون أبوظبي بحوالي 13% بينما ارتفعت كلفة التأمين على ديون قطر بحوالي 10.55% أما دبي والبحرين فقد كانا الأقل ارتفاعاً وذلك بـ 7% و 0.4% على التوالي.

إقبال كبير على الاكتتابات

وكشف التقرير عن أن شهية المستثمرين في السوق الأولية كانت قوية بالنسبة للائتمان ذي الجودة العالية حيث حظيت كل الإصدارات الجديدة بإقبال كبير من قبل الراغبين في الاكتتاب فيها ولاسيما من جانب المستثمرين المحليين. فمن جانبه، طرح البنك السعودي الفرنسي بنجاح صكا من فئة الخمس سنوات بقيمة 750 مليون دولار أميركي اجتذب طلبات اكتتاب تجاوز عددها المستوى المطلوب بخمس مرات. كما لاقى إصدار بنك دبي الإسلامي إقبالا واسعا. ويبقى النمو هو الاتجاه العام للسوق الأولية مع إعلان قطر ودانة للغاز والبحرين ومبادلة عن نيتهم في دخول السوق.

وتلقت عملية إعادة هيكلة ديون دبي دعما خلال شهر مايو إثر إعلان الذراع الاستثمارية للشركة التي تدير منطقة دبي الحرة (جافزا) عزمها على الانتهاء من معالجة مشكلة الديون البالغة 2 مليار دولار أميركي مبكرا. وصوت 89% من حملة صكوك الدين بالموافقة على القرار الذي سيتم بموجبه تعديل شروط الصكوك من أجل تسوية مبكرة بالسعر الأصلي. كما تمكنت شركة مركز دبي المالي العالمي للاستثمارات من تدبير قرض قيمته مليار دولار أميركي من أجل سداد صك إسلامي يحل أجل استحقاقه في يونيو الجاري. وستقوم بنوك ستاندارد تشارترد، والإمارات دبي الوطني، ودبي الإسلامي، ونور الإسلامي بإقراضها المال لمساعدتها على سداد الصك الذي تبلغ قيمته 1.25 مليار دولار.

أما على صعيد التصنيف الائتماني، فقد تلقت مكانة المملكة العربية السعودية على الساحة الدولية ووضعها المالي القويين والمميزين دفعة جديدة تمثلت في إبقاء مؤسسة ستاندارد آند بورز على مستوى تصنيفها السيادي طويل الأجل ومستوى تصنيفها قصير الأجل بالعملتين الأجنبية والمحلية عند "AA-/A-1+"، مع نظرة مستقبلية مستقرة. من جانبها، ثبتت مؤسسة فيتش تصنيفها لعقود بنك أبوظبي التجاري الخاصة بمبادلة الديون طويلة الأجل عند مستوى "A+" مع نظرة مستقبلية مستقرة.

 

 

عوامل تحدد اتجاه السوق

 

تشمل العوامل التي ستحدد اتجاه السوق التدفقات المالية داخل المنطقة، وأسعار النفط، والبيانات الاقتصادية الرئيسية الصادرة من أوروبا والولايات المتحدة. وستظل السوق الأولية منفتحة ومتقبلة للإصدارات ذات النوعية الجيدة. وستواصل السوق على المدى القصير تفضيل النوعية العالية على العائد المرتفع ريثما تنحسر حالة عدم اليقين العالمية. وأوضح التقرير الشهري لمؤسسة الخليج للاستثمار: ما زلنا نفضل فئات الائتمان الأكثر وقائية ولاسيما تلك المطروحة من قبل قطر وأبوظبي، كما نرى قيمة أكبر في السندات شبه السيادية نظرا لتميزها عن السندات السيادية من حيث مستوى العائد.

ونقترح على وجه العموم البقاء عند الطرف الأدنى من منحنى العائد أي الاستثمار في السندات ذات الأجلين القصير والمتوسط، آخذين في الاعتبار حالة عدم اليقين التي تحيط حاليا بالاقتصاد العالمي. ومع ذلك، نرى بعض القيمة في فئة العشر سنوات من المنحنى بالنسبة لأبوظبي وقطر فيما يبدو المنحنى بين فئتي الخمس سنوات والعشر سنوات حادا ومكلفا.