ذكرت دراسة حديثة أن الاستقرار السياسي كان المحرك الرئيس وراء انتقال رؤوس الأموال من منطقة الشرق الأوسط إلى الدولة وأن المستثمرين ينظرون إلى الإمارات على أنها الملاذ الأكثر أمنا واستقراراً في المنطقة.
وأضافت الدراسة أن 51% من رؤوس الأموال الخاصة تم تحويلها من منطقة الشرق الأوسط إلى دول مجلس التعاون وأن حوالي 43% من رؤوس الأموال الخاصة الخليجية تم تحويلها إلى الأسواق العالمية بهدف الاستثمار خلال الشهور الاثني عشر الأخيرة.
وأشارت الدراسة التي أعدتها شركة إنفيسكو الشرق الأوسط لإدارة الأصول أن أحداث الربيع العربي وليس التحديات الاقتصادية الراهنة في أوروبا والعالم كانت المحرك الرئيسي لانتقال رؤوس الأموال الخاصة إلى المنطقة التي تشكل حوالي 12% من رؤوس الأموال القابلة للاستثمار في المنطقة العربية.
وأضافت إن الإمارات والسعودية وقطر كانت أكبر المستفيدين من انتقال رؤوس الأموال في حين أن نسبة من رؤوس الأموال انتقلت خارج دول مثل البحرين والكويت وعمان، وأن الأردن كانت إحدى الدول التي انتقلت إليها رؤوس الأموال من سوريا.
وتحلِّل الدراسة العائدات السيادية وتستعرض السلوك الاستثماري لأكبر صناديق الثروات السيادية في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي. وتشكل هذه الصناديق 35 % من التدفقات النقدية العالمية لأصول صناديق الثروات السيادية، لتمثل ما قيمته 1.6 تريليون دولار أمريكي، وتشكل سوقاً هائلة تعتمد اقتصادات كبرى دول العالم على استقطاب الاستثمارات منها.
وكشفت الدراسة عن أن صناديق الاستثمار السيادية الخليجية، التي تقدر أصولها بحوالي 1.85 تريليون دولار، قلصت استثماراتها العالمية خلال السنوات الثلاث الماضية، وذلك بسبب زيادة الانفاق الحكومي على مشاريع التطوير المحلية والاستثمار في التعليم والصحة والبنى التحتية ورفع الرواتب وتوفير المزيد من فرص العمل بهدف تحسين مستوى المعيشة.
يشار إلى أن الدراسة اعتمدت على آراء وتوجهات 123 مستثمراً ومدير أصول استثمارية في المنطقة منذ بداية العام 2012، وتؤكد إنفيسكو أن تدفق رأس المال يعتبر سياقاً هاماً لتحليل أفضليات المستثمرين من مؤسسات وأفراد، وله انعكاسات على قطاع إدارة الأصول في دول مجلس التعاون الخليجي، واستكشاف العلاقة بين الأصول الشخصية والمؤسسية في فئة مكاتب استثمار الثروات العائلية وفي سوق استثمارات الأفراد، وتحليل أثر الفروقات في أسعار الفائدة على الانحياز للسوق الوطنية لدى مجموعات متنوعة محلية ووافدة.
أصول الصناديق وأسعار النفط
وتوقعت الدراسة أن تنخفض الفوائض المتاحة والقابلة للاستثمار من أصول صناديق الثروات السيادية التابعة لحكومات دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 9% خلال العام الحالي مقارنة مع عام 2011، وذلك رغم ارتفاع أسعار النفط، حيث تم تخفيض قيمة الفوائض المتوقعة منذ اندلاع أحداث الربيع العربي. ويتضح ذلك من خلال حقيقة تراجع وتائر التمويل المتوقعة لتلك الصناديق هذا العام.
وتشير الدراسة إلى نمو معدلات تمويل تلك الصناديق بنسبة 13% في عام 2011، بينما ارتفعت عائدات حكومات دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 25%4، وارتفعت معدلات تمويل تلك الصناديق خلال العام الحالي بنسبة 8% فقط، وذلك رغم ارتفاع العائدات النفطية لحكومات دول المجلس بنسبة 31%.
وفي المقابل، ارتفعت معدلات تمويل صناديق المعاشات التقاعدية السيادية من 8% عام 2011 إلى 13% عام 2012. وتسود توقعات باستمرار نمو هذا النوع من الانفاق مع مرور الزمن مع احتمال تجاوزه معدلات نمو أسعار النفط وتقليصه بالتالي للفوائض المتاحة بشكل أكبر.
الاستثمار في الاقتصادات المحلية
وتوقعت إنفيسكو في دراستها أن تستفيد احتياجات الانفاق والاستثمار المحلية بشكل أكبر من الفوائض المتاحة لتمويل صناديق الثروات السيادية. كما توقعت أن ترتبط تحركات أصول صناديق الثروات السيادية المستثمرة في صناديق ثروات سيادية بتحرك مؤشرات الأسواق المالية، والتي تمنح الأفضلية لشركات إدارة الأصول الدولية أو الصناديق التي يتم الاتجار بأسهمها في البورصات، وقد انخفضت تلك الأصول بنسبة 1% منذ اندلاع أحداث الربيع العربي عام 2011.
وفي المقابل، ذكرت الدراسة أن أصول صناديق الثروات السيادية المستثمرة في صناديق ثروات سيادية تستثمر أصولها محلياً في مشاريع البنى التحتية، وعلى سبيل المثال فقد ارتفعت بنسبة 10%٧، مما يشير إلى حدوث تحول جذري في التوجهات الاستثمارية لتلك الصناديق.
مجالات التمويل المحلية
وقال نيك تولشارد، رئيس شركة إنفيسكو الشرق الأوسط، خلال مؤتمر صحفي في دبي أمس لعرض نتائج الدراسة: من الواضح أن دول الشرق الأوسط صاحبة الفوائض السيادية النفطية أخذت تبتعد بعائداتها وأصول صناديق ثرواتها السيادية عن الأدوات الاستثمارية الدولية وتعيدها إلى اقتصاداتها المحلية.
ومن أبرز المجالات المحلية التي يتم تمويلها عبر هذا التحول، تمويل زيادات الرواتب التضخمية، بينما تركز السعودية وسلطنة عُمان على تعزيز تمويل خدمات الرعاية الصحية والتعليم.
ويعتبر تمويل مشاريع البنى التحتية المجال الذي تركز عليه قطر بغية بناء المنشآت الرياضية اللازمة لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم. كما تشهد أبوظبي مشاريع كبرى في إطار سعيها للتحول إلى مركز مالي عالمي رئيسي. وأضاف أن الحكومات الغربية، التي تريد استقطاب صناديق الثروات السيادية في المنطقة، ترغب كذلك في معرفة توجهات المستثمرين والعوامل المؤثرة في انتقال أموالهم.
وأوضح قائلاً: تقدمت حكومات الدول الغربية، بما فيها المملكة المتحدة، بطلبات تمويل من دول الشرق الأوسط لمساعدة اقتصاداتها على الانتعاش، إلا أن العديد من تلك الحكومات تخوض معركة خاسرة. إذ إنه نظراً لتضاؤل الأموال المتاحة للاستثمار دولياً تبدو احتمالات عدم تلبية تلك الطلبات كبيرة.
ولن تحقق الدول الواقعة خارج المنطقة، والتي تغازل أموال دول مجلس التعاون الخليجي، أية نتائج إلا إذا تفهَّمت بعمق الاعتبارات التي تتصدر تفكير مسؤولي إدارة أصول صناديق الثروات السيادية، وسعيهم للحصول على التزام طويل الأمد ببناء علاقات ثنائية تضيف قيمة جديدة إلى سياستهم الاستثمارية.
توزع الاستثمارات
ويبدو هناك تحول واضح باتجاه دول المنطقة من حيث التوزيع الجغرافي للاستثمارات. وارتفعت نسبة الاستثمار في الأصول الخاصة بدول مجلس التعاون الخليجي من 33 % إلى 56 %، حيث ارتفع الاستثمار في السندات المحلية من 6 % من قيمة أصول صناديق الثروات السيادية القابلة للاستثمار إلى 14 %. كما استحوذت العقارات والبنى التحتية على حصة كبيرة من الأصول القابلة للاستثمار لتلك الصناديق، وبنسبة 13 % و 14 % على التوالي.
وقال تولتشارد: تتلخص مجريات الأمور هذا العام في أنه لم يعد من المسلّمات أن توجه الحكومات التي تتمتع بفوائد سيادية كبيرة فائض عائداتها النفطية إلى جميع أنحاء الكرة الأرضية وتضخ النقود في اقتصادات مختلف دول العالم.
ورغم حدوث بعض الاستثمارات الاستراتيجية الضخمة مثل صفقة الاستحواذ على بنك اسكتلندا الملكي أو غيره من الأصول المتميزة عالية القيمة، إلا أن تلك الاستثمارات لم تغير الوضع العام للأسواق.
وسوف تتاح أصول مثار جدل أمام مديري الصناديق في أسواقٍ مهمة، إلا أنه مع تخصيص المزيد من الأموال للإنفاق على الاقتصادات المحلية، فمن المرجح اشتداد المنافسة على تلك الأموال طالما استمر الاقتصاد العالمي المضطرب على حاله.
