اتفق خبراء مصرفيون على أن ثلاثة عوامل رئيسة أدت إلى ازدياد أهمية شريحة الموسرين بالنسبة للبنوك وخصوصاً في الفترة الاخيرة، حيث أن تداعيات الأزمة المالية العالمية الأخيرة وأحداث الربيع العربي وقوانين المصرف المركزي الأخيرة المتعلقة بإقراض الأفراد فتحت شهية بنوك الدولة للتنافس بشكل أكبر على هذه الشريحة التي تفوق أرباحها في البنوك أرباح خدمات الأفراد وهم الأغلبية بحوالي سبع مرات، بحسب خبراء.
ويختلف تحديد معايير هذه الشريحة من بنك إلى آخر، وقدّرت دراسة لشركة بوز أند كومباني للاستشارات الإدارية أن عدد الأسر الموسرة المقيمة في الدولة يتراوح ما بين 140 إلى 150 ألف أسرة تقريباً وتتراوح الأصول القابلة للاستثمار للأسرة الواحدة ما بين 200 ألف ومليون دولار ، (730 ألفا 3.65 ملايين درهم) علماً بأن هذه الأرقام تأخذ في اعتبارها الأسس الاجتماعية والسكانية لدولة الإمارات، وتوزيع الدخل حسب شرائح السكان، ومعدلات التوظيف بالإضافة إلى عوامل أخرى.
وإجمالاً، فإن هذه الأسر الثرية والتي يتراوح عددها ما بين 140 ألفا و150 ألف أسرة تتحكم في أصول قابلة للاستثمار تتراوح قيمتها ما بين 40 و50 مليار دولار تقريباً وهو ما يجعلها شريحة كبيرة إلى حد ما وجاذبة للبنوك المحلية والدولية ومديري الثروات. وتقّدر نسبة نمو "الموسرين" سنوياً في الدولة بأكثر من 10% بحسب خبراء مصرفيين.
وأضافوا أن الأزمة المالية الأخيرة أدت إلى هجرة عدد كبير من المستثمرين من شريحة أصحاب الثروات إلى شريحة الموسرين بعد اضطرارهم لتصفية مواقعهم المالية سواء كانت في الأسهم أو غيرها من الاستثمارات نتيجة للالتزامات المالية أو حتى الخوف من المزيد من الخسائر.
ووصلت نسبة انخفاض عدد أصحاب الثروات في الدولة بحوالي 3.5% في 2010، كما أن أحداث الربيع العربي أبرزت للمستثمرين وأصحاب الثروات في المنطقة جاذبية سياسات الانفتاح والتنوع والاستقرار الأمني والاقتصادي الذي تتمتع به الإمارات، كما وسعّت قوانين المصرف المركزي الأخيرة المتعلقة بإقراض الأفراد من الهوة بين معدل أرباح شريحة الموسرين من جهة وبين الأفراد من جهة أخرى.
إعادة توزيع الثروات
وقال خالد عبد الله الخبير الاقتصادي والمحاضر في جامعة روتشستر للتكنولوجيا أن الربيع العربي كان من أهم العوامل التي أدت إلى ارتفاع عدد الموسرين في الدولة، خصوصاً في ظل الاضطرابات السياسية التي شهدتها بعض بلدان المنطقة.
وأشار إلى أن الأحداث السياسية المتسارعة في المنطقة أبرزت للمستثمرين وأصحاب الثروات جاذبية سياسات الانفتاح والتنوع والاستقرار الأمني والاقتصادي الذي تتمتع به دولة الإمارات، ويضيف: "ترسخت مكانة الإمارات في الآونة الأخيرة كوجهة استراتيجية آمنة على كل من الصعيد الإقليمي والعالمي على حد سواء.
ولهذا السبب، ارتفع عدد الأفراد الموسرين وحتى أصحاب الثروات، القادرين على السفر، والذين اتخذوا من الإمارات ملاذا آمنا لعائلاتهم وأعمالهم، وهو ما انعكس على أداء العديد من القطاعات الاقتصادية في الدولة كالقطاع السياحي والمالي."
وفي هذا السياق، أضاف عبد الله أن المصارف والمؤسسات المالية توجهت لخدمة هذا العدد المتزايد من الأفراد الموسرين وأصحاب الثروات. فهذه الشريحة من العملاء تحديداً تحتاج إلى خدمات مصرفية عالمية وإقليمية.
ومع توتر الأوضاع في بلادهم، تخلق حاجة حماية أموالهم وثرواتهم. ولتحقيق هذا، يقوم الأفراد الموسرون أولا بنقل أموالهم خارج بلادهم التي تشهد توترات سياسية ومن ثم استثمارها في مشاريع ومنتجات مالية آمنة ذات مخاطر منخفضة.
وهنا يأتي دور البنوك وخاصة العالمية منها التي تتوجه لخدمة هذه الشريحة من خلال نقل أموالهم بالإضافة إلى بيعهم منتجات مالية بسيطة ومهيكلة. أما بالنسبة للعوامل الأخرى، فذكر عبد الله أن الأزمة المالية العالمية كذلك لعبت دورا في إعادة توزيع الثروات خاصة بالنسبة لأصحاب الثروات الذين استثمروا أموالهم في أسواق المال الإقليمية والعالمية.
خسائر الأزمة
ويوضح :"إذا أخذنا على سبيل المثال مؤشر الـ أس أن بي 500 (S&P 500) في الولايات المتحدة، نرى أن المؤشر قد انخفض في الفترة ما بين أغسطس 2008 (1296 نقطة) ومارس 2009 (683.38 نقطة) بحوالي 50%، أي أن من كان يعد من أصحاب الثروات قد خسر نصف ثروته في حال كان يملك جميع الأسهم المدرجة في مؤشر الـ أس أن بي 500 (S&P 500)، هذا بالإضافة إلى إعادة تصنيفه إلى شريحة العملاء الموسرين عوضا عن شريحة أصحاب الثروات.
وبما أن معظم هؤلاء الأفراد قد اضطروا لتصفية مواقعهم المالية سواء كانت في الأسهم أو غيرها من الاستثمارات نتيجة للالتزامات المالية أو حتى الخوف من المزيد من الخسائر، أصبح من الصعب عليهم الاستثمار مجددا لتعويض خسائرهم المالية، وهو ما أبقاهم في هذه الشريحة من العملاء."
ويضيف :"وبجمع هذين العاملين معا، نرى أن هذه الشريحة قد ارتفع عددها بشكل كبير، وهو ما يبرر توجه المؤسسات المالية لخدمتهم، خاصة وأن هذا النوع من الخدمات المصرفية المخصصة للموسرين يدر في المعدل أرباحا أعلى من الخدمات المصرفية للأفراد ويتطلب التزاما واستثمارا ماليا أقل، الأمر الذي ينعكس ايجابيا على مردود الاستثمار والعائد على الأصول.
ولهذا السبب، نرى هناك توجه عام من قبل البنوك العالمية على وجه التحديد للانتقال من خدمة الأفراد إلى خدمة العملاء الموسرين، خاصة بعد الأزمة الأوروبية التي فرضت على المصارف الأوروبية التركيز على أسواقهم الداخلية وتخفيض أو حتى تجميد استثماراتهم الخارجية.
أساليب متنوعة لإدارة الثروات
وقال وليد بن سلوم، رئيس إدارة الثروات في بنك دبي التجاري أن قاعدة العملاء من الموسرين ممن تنطبق عليهم معايير منتجات الخدمات المصرفية الخاصة وإدارة الثروات عادت إلى النمو مجددا بوتيرة مقبولة في دولة الإمارات، مشيراً إلى أن برنامج الدانة لإدارة الثروات أتى ليلبي متطلبات أولئك العملاء ممن يحتاجون إلى خطط مبتكرة لاستثمار وإدارة ثرواتهم.
وتوقع بن سلوم أن تكون الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعصف بالقارة الأوروبية، ونزوح سيولة كبيرة إلى المنطقة على خلفية أحداث الربيع العربي، هي وراء الارتفاع الملحوظ في نشاط إدارة الثروات في الإمارات والمنطقة.
كما أن موقع دبي كمركز للأعمال الأول في المنطقة وتوفيرها لأرقى مستوى في الخدمات المختلفة والإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها الإمارة ساعدها وأفسح المجال أمامها لاستقطاب الفرص الاستثمارية، ومن جهة أخرى فإن هناك وفرة من جانب العرض والطلب من رأس المال.
وأضاف :" نسعى من خلال برنامج الدانة لإدارة الثروات في بنك دبي التجاري إلى استقطاب عدد كبير من أصحاب الأموال في هذه السوق من خلال توفير أسلوب مبتكر ومختلف في طريقة إدارة ثرواتهم.
فهناك مجموعة متنوعة من الصناديق الاستثمارية التي تتناسب مع الاحتياجات المختلفة للعملاء حيث يتم اختيار الصندوق استناداً إلى أهدافهم المالية والاستثمارية ومدى تقبلهم للاستثمار والأفق الزمني للاستثمار الذي يريدونه. إن جوهر فلسفة برنامج الدانة لإدارة الثروات تتمثل في الإصغاء لتطلعات واحتياجات العملاء وتصميم حلول مبتكرة لإدارة ثرواتهم لتحقيق أهدافهم الاستثمارية والمالية. وما يميز برنامج الدانة لإدارة الثروات هو أنه يكون لكل عميل مدير حسابات خاص به يقوم على خدمته بشكل شخصي ويعمل على تلبية احتياجاته وتطلعاته المالية.
كما يوفر البرنامج طيفا واسعا من الخدمات الاستثمارية المميزة إلى جانب الاستخدام الحصري لصالات الدانة المخصصة لتسريع الخدمات المقدمة لعملاء البرنامج مع خدمة حجز مواقف سيارات خاصة بهم. ويقدم الدانة لإدارة الثروات خدماته بالصيغة التقليدية وبصيغة متوافقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية."
وأشار بن سلوم إلى أن بنك دبي التجاري قام حتى بالاتفاق مع بنك سويسري عريق في تقديم الخدمات المصرفية الخاصة بهدف زيادة التركيز على شريحة الموسرين وتقديم المزيد من حلول الخدمات المصرفية الخاصة.
الملاذ الأكثر أماناً
من جانبه قال عقيل جعفر علي مدير إدارة الفروع وإدارة الثروات لدى سيتي بنك في الإمارات أن عدد عملاء البنك من شريحة الموسرين في الدولة نما نهاية العام الماضي بنسبة 10% أو ما يقارب في الدولة ما يعادل 1000 عميل جديد، وهي نسبة نمو أعلى من السنوات السابقة، مشيراً إلى أن عددهم في البنك يصل اليوم إلى حوالي 10 آلاف عميل.
وأضاف: "أعتقد أن السبب الرئيسي في زيادة عدد الموسرين في الامارات عموماً يعود إلى أن الدولة كانت وما زالت الملاذ الأكثر أماناً لأصحاب الثروات المتوسطة والكبيرة في المنطقة، لأن الحكومة الرشيدة تعمل ما في وسعها لتوفير تلك البيئة الآمنة، ولا شك في أن الربيع العربي ساعد في استقطاب المزيد من رؤوس الأموال التي تبحث عن ملاذ آمن إلى الإمارات."
4 أسباب وراء تزايد أهمية الخدمات المصرفية للأثرياء
رأت سعيدة جعفر المديرة المالية في شركة "بين أند كومباني" العالمية المتخصصة في مجال استشارات الأعمال أن تزايد أهمية الخدمات المصرفية للموسرين يعود إلى أربعة أسباب هي أولاً، مع نضوج السوق المصرفي، أصبح هناك حاجة متزايدة للتركيز على تطوير عروض مصرفية مختلفة ومتخصصة.
وبالنظر إلى حجم وربحية قطاع الخدمات المصرفية للأثرياء، بات المجال الأمثل لبدء هذا التمايز. ثانياً، جعلت قوانين البنك المركزي الأخيرة المتعلقة بخدمات الأفراد من الخدمات المصرفية للأثرياء أكثر ربحية مقارنة بالخدمات الأخرى المقدمة للأفراد.
ثالثاً، أصبح العملاء من الطبقة الثرية منذ بدء الأزمة المالية غير راضين بشكل عام عن التعامل مع بنوكهم، حيث إنهم بدأوا أو يسعون بالتحول إلى بنوك أخرى.
لذلك، نجد أن هناك تنافسا شديدا بين البنوك في محاولة للحصول على حصة أكبر في السوق. رابعاً، هناك ضغط تنافسي متزايد في مجال الخدمات المصرفية للشركات، الذي أصبح المحرك الأساسي لعوائد وأرباح الخدمات المصرفية، ما أدى إلى زيادة التركيز على خدمات المصرفية للأفراد وعلى وجه الخصوص الخدمات المصرفية للأثرياء.
وأضافت جعفر :"لم ينجح أي بنك محلي أو دولي في الإمارات في انتهاز هذه الفرصة على الرغم من أن العديد من هذه البنوك قد استحوذ على حصة كبيرة في السوق، وذلك لأسباب عديدة منها المسائل المتعلقة بالسرية والخصوصية التي تمنع العملاء من التعامل مع البنوك المحلية أو عدم وجود تطور للمنتج مقارنة بالولايات المتحدة وأوروبا.
بالإضافة إلى المعارف المحدودة للموظفين حيث أن هذا القطاع يحتاج إلى مديرين مهرة وأذكياء في مجال الموارد البشرية، والافتقار لثقافة الخدمة، الأمر الذي يؤدي إلى انزعاج العملاء وعدم الرضا عن المؤسسة المصرفية، والافتقار لوجود عمليات وموظفين على مستوى عال من حيث تكنولوجيا المعلومات والتركيز على العملاء.
وقدّرت جعفر حجم ثروات الأفراد القابلة للاستثمار بـحوالي 280 إلى 320 مليار دولار أميركي، متوقعة نمو هذه الثروات الاستثمارية وفقاً لمعدل النمو السنوي المركب الحالي بنحو 12%، والتي يشكل صافي الأموال الجديدة فيها أكثر من النصف بفضل التنمية المستمرة للثروات.
الاكثر ربحية
من جانبها أكدت ديانا عثمان، المدير العام للخدمات المصرفية الاولية للشرق الاوسط في بنك ستاندرد تشارترد على أهمية قطاع الميسورين بالنسبة للبنوك وخصوصاً في الفترة الاخيرة، مشيرة إلى أن هذا القطاع يعتبر الاكثر ربحية بالنسبة للبنوك وأنه يساهم أكثر بسبع مرات من حيث الدخل للبنك من العميل الفردي الواحد، وأن نسبة الخدمات المصرفية الاولية في إجمالي عائدات الخدمات المصرفية للأفراد تتراوح من 30 40%.
وأضافت أن الخدمات الأولية تتميزّ بالعديد من المميزات مثل توفير خدمات الصيرفة طويلة الامد لكافة أفراد العائلة وفتح حسابات في دول أخرى والتمويل العقاري وتعليم الاطفال. ويقوم البنك بتقييم قابلية كل فرد للمخاطر وبناء محفظة استثمار مناسبة تعزز المردود على الاستثمار.
وينظر ستاندرد تشارترد إلى العملاء الموسرين من ناحية متكاملة، حيث لا يقسم البنك العملاء حسب رصيد حسابهم فحسب بل يأخذ بعين الاعتبار المنتجات والخدمات التي يستخدمها من البنك، كالتأمين والرهن العقاري والراتب الشهري.
تصنيف
وقال تامر رشاد رئيس إدارة الثروات للشرق الأوسط: "تختلف شرائح العملاء من بنك إلى آخر ونحن في ميريل لينش نقوم بإطلاق تسمية "الموسرين" على أولئك العملاء الذين تتراوح حجم أصولهم القابلة للاستثمار من 500 ألف إلى مليون دولار أميركي، في حين أن "أصحاب الثروات" هم الذين تتراوح أصولهم القابلة للاستثمار من مليون إلى 30 مليون دولار، وأما "أصحاب الثروات المرتفعة" فهم ممن تتجاوز أصولهم 30 مليون دولار أميركي. ولا تشمل تلك الأصول قيمة السكن الرئيسي للعميل. ونحن في ميريل لينش نركّز على أصحاب الثروات و أصحاب الثروات المرتفعة.
أصحاب الثروات
ونلاحظ أن هناك نموا في الإمارات في عدد أصحاب الثروات على اختلاف شرائحهم بالإضافة إلى نمو في حجم الثروات ذاتها إلى مستويات فاقت نظيراتها في أميركا وأوروبا وحتى آسيا. وتشير أحدث البيانات لدينا أن الشرق الأوسط شهد أعلى مستويات النمو في 2010 بعد أفريقيا مع ارتفاع عدد أصحاب الثروات المرتفعة إلى 440 ألف شخص بمجموع ثروات ازداد بنسبة 12.5% ليصل إلى 1.7 تريليون دولار.
