استعرض مجلس دبي الاقتصادي خلال جلسة الاستماع الأولى للعام 2012 وناقش كل من مشروع قانون إعادة الهيكلة المالية والإفلاس، ومشروع قانون الشركات التجارية وأهم المستجدات في هذا الشأن. كما تم استعراض ومناقشة توصيات السياسات العامة لمجلس دبي الاقتصادي حول مستقبل التنمية في الإمارة.
وحضر الجلسة، التي عقدت مؤخراً، سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، رئيس هيئة دبي للطيران المدني، الرئيس الأعلى لمجموعة طيران الإمارات. وترأس الجلسة جمعة الماجد رئيس المجلس، وبحضور هاني الهاملي الأمين العام للمجلس، وممثلي عدد من الفعاليات الاقتصادية من القطاعين العام والخاص في الإمارة. كما حضر الجلسة فريق دائرة الشؤون القانونية لحكومة دبي برئاسة د. لؤي بلهول، مدير عام الدائرة، والفريق التنفيذي لوزارة المالية، وفريق محاكم دبي، اضافة الى الفريق التنفيذي للأمانة العامة لمجلس دبي الاقتصادي.
تعاون من الجميع
وفي مستهل الجلسة، أكد جمعة الماجد ان القيادة الحكيمة للدولة وعت بأهمية تحديث الاطار التنظيمي، وسارعت بتوجيه مختلف المؤسسات الاتحادية لتعديل واستحداث العديد من القوانين الاقتصادية بهدف مواكبة المتغيرات التي تشهدها الساحة المحلية والاقليمية والدولية، مؤكداً ان مواجهة الاستحقاق التنظيمي والقانوني من شأنه أن يحدث انطلاقة جديدة للاقتصاد الوطني نحو آفاق رحبة من النمو والتطور.
وأشاد بالتوجه الاستراتيجي الذي تتبناه حكومة الامارات في عرض مشاريع القوانين الجديدة على مختلف الفعاليات الاقتصادية الحكومية والقطاع الخاص اضافة الى ممثلي هذه الفعاليات، كأسلوب حضاري وخطوة متقدمة في طريق الشفافية وسيادة القانون في الحياة الاقتصادية.
وأشار الى أن الاقتصاد الوطني بحاجة ماسة الى هذا القانون نظراً لما ينطوي عليه من آليات تنظم عملية اعادة الهيكلة المالية للشركات المتعثرة، كما أنه يخلق ثقافة أعمال بديلة تعمل على اتباع الممارسات المتطورة بشأن معالجة الشركات المذكورة والعمل على النهوض بامكانياتها من أجل دعمها وابقاءها في السوق مقابل الايفاء بالتزاماتها أمام الدائنين. كما ذكر أن اقدام الامارات على تشريع قانون خاص بإعادة الهيكلة المالية والافلاس ينم عن وعي باستحقاقات المرحلة الراهنة حيث لايزال الاقتصاد العالمي برمته والكثير من الدول تعاني من تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، مؤكداً ان القانون سيحسن بيئة العمل والتمويل في الدولة.
وعلى صعيد آخر، أكد جمعة الماجد ضرورة اعطاء وقت كاف لدراسة مشروع قانون اعادة الهيكلة المالية والافلاس فضلاً عن سائر مشاريع القوانين الاقتصادية وعرضها على مختلف الفعاليات الاقتصادية في الدولة اضافة الى المختصين للنظر فيها وإبداء الملاحظات حولها وخاصة من حيث مزاياها وآثارها على الاقتصاد الوطني ومؤسسات الأعمال قبل إقرارها من قبل الجهات ذات العلاقة.
تعزيز برامج التنمية
وصرح سمو الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم بأن الاقتصاد الاماراتي وسائر دول المنطقة تحيا في ظل بيئة اقتصادية دولية شديدة التغير، وقال سموه: لعل في مقدمة استحقاقات التكيف مع هذه المتغيرات والتحديات هو تقوية وتحديث الاطار التنظيمي والقانوني واتخاذ السياسات الاقتصادية الرشيدة والتي أثبتت التجربة أنه من دونها لا يمكن ضمان استدامة النمو والاستقرار الاقتصاديين، حيث من شأن هذا التحديث في القوانين أن يعزز بيئة الأعمال ويجعلها جاذبة للاستثمارات المحلية والأجنبية، ودافعة للتنافسية على حلبة المساومات الدولية. كما لابد أيضاً من اعادة برمجة استراتيجية التنمية الاقتصادية برمتها على نحو يواكب هذه المستجدات.
وأضاف سموه، أن حكومة الامارات أولت اهتماماً كبيراً بالبعد القانوني والتنظيمي لعملية التنمية، وشرعت باطلاق حزمة من مشاريع القوانين الاقتصادية، مثل قانون الشركات التجارية، والاستثمار الأجنبي المباشر، وغيرها، وان قانون إعادة الهيكلة المالية والافلاس أحد أهم تلك المشاريع والهدف هو اقامة الاقتصاد على أساس متين من الشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص، حيث تشكل هذه العناصر مجتمعة الشروط الضرورية لعملية التنمية الاقتصادية المستدامة.
وأكد سموه ان تشريع قانون إعادة الهيكلة المالية والافلاس، وقانون الشركات التجارية يندرجان في إطار الجهود الاصلاحية والتطويرية التي تقوم بها الدولة من أجل مواكبة المستجدات الحاصلة في الاقتصاد المحلي والعالمي، وهو استحقاق لا مهرب منه للحفاظ على المكاسب التي تحققت في عصر الاتحاد، ولضمان استدامة هذه المكاسب وتطويرها مستقبلاً وتعزيز مسيرة النهضة الاقتصادية للإمارات وبما يلبي احتياجات مؤسسات الأعمال ويؤمن لمواطني الدولة الحياة الرغيدة والمستقبل المشرق.
نقلة نوعية
وأشار الهاملي الى أن المجلس وفي إطار رؤيته كشريك استراتيجي لحكومة دبي في عملية صنع القرار الاقتصادي وضع نُصب عينيه مهمة تطوير التشريعات اللازمة لتوفير بيئة أعمال منافسة وإشاعة مناخ مشجع للاستثمار والعمل والمبادرة والابتكار، ومن أهمها مشروع القانون الاتحادي بشأن إعادة الهيكلة المالية والافلاس.
وأوضح أن المجلس قد أولى اهتماماً استثنائياً بمشروع القانون المذكور، وشكل لجاناً تتألف عضويتها من ممثلي الفعاليات الاقتصادية بدبي وخبراء قانون ومتمرسين محليين وعالميين لمناقشة مسودة المشروع وابداء الملاحظات حولها.
وأكد أن وجود قانون واضح ينظم عملية إعادة الهيكلة للشركات التي تتعرض الى اهتزازات وإعسار مالي، الى جانب تطبيق لوائح شفافة بشأن خروج مثل هذه الشركات من السوق، وفي إطار مؤسسات قانونية وقضائية فاعلة لحل المنازعات التي قد تحصل فيما بين هذه الأطراف، من شأنه أن يضمن حقوق جميع المتعاملين في السوق لاسيما العلاقة بين الدائنين والمدينين، وهذا يعني زيادة مرونة الاقتصاد الوطني من حيث امكانية مواكبة المتغيرات والتحديات، وتمكين المنشآت على تحقيق أعلى أداء ممكن وبالتالي دفع عجلة النمو قدماً.
أما المنافع الأخرى للقانون فتتضمن تعزيز ثقة المستثمرين وبالتالي جذب الاستثمارات الأجنبية الجديدة والابقاء على القائمة منها، وتحسين التصنيف العالمي للدولة في مجال التنافسية، بما في ذلك المؤشرات المتعلقة بمزاولة الأعمال، والحفاظ على حيوية القطاع المالي، وحماية المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تعتبر العمود الفقري للاقتصاد الوطني.
وسلط الهاملي الضوء على واقع حركة الاستثمارات الأجنبية في الدولة، حيث أشار الى أن الامارات تقف اليوم ضمن أفضل الموقع العالمية للاستثمار الأجنبي المباشر وذلك طبقاً لتقرير الاستثمار العالمي الذي تصدره منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، كما تأتي في المرتبة الثانية بعد المملكة العربية السعودية من حيث اجمالي تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر اليها، حيث بلغ 40 مليار درهم في العام 2011، وفي دبي لوحدها بلغ 27 مليار درهم أي بنسبة 67%.
وقد ساهمت هذه الاستثمارات في توظيف الموارد الاقتصادية، ونقل الخبرات والكفاءات والمعرفة التكنولوجية الحديثة، وبالتالي توسيع نطاق الأنشطة الاقتصادية وزيادة معدلات التوظيف. كما جاءت الامارات في المرتبة 46 على مستوى العالم في مقياس الحرية الاقتصادية متجاوزة العديد من دول المنطقة والعالم مثل السعودية وفرنسا وايطاليا والصين.
الحفاظ على حيوية المؤسسات
وعن أهميته للقطاع المالي، أوضح الهاملي ان الحلول التي يوفرها قانون إعادة الهيكلة المالية والافلاس بالنسبة للمدينين لاسيما أولئك الذين يواجهون حالات اعسار أو يقتربون من اشهار افلاسهم، سواء من خلال إعادة الهيكلة المالية أو التشغيلية، والمهلة الممنوحة لهم لتعديل اوضاعهم وجدولة مديونيتهم أو تسوية حقوق دائنيهم كلما تطلب ذلك وفقاً لما تتوصل اليه السلطات القضائية ذات العلاقة- سوف تضمن توفير الموارد اللازمة للايفاء بحقوق الدائنين لاسيما المؤسسات التمويلية أو على قدر كبير منها مقارنة في حالة تعذر المقترضين تسديد ديونهم بغياب قانون للافلاس.
ولاحاجة للقول ان هذا الوضع الصحي الذي سيخلقه قانون الافلاس سيعزز من ثقة المصارف في السوق المحلية وبأداء عملائها من المنشآت العاملة في مختلف القطاعات من حيث قدرتها على سداد التزاماتها، وهو ما سيزيد من حركة الائتمان وبالتالي توفير شرط السيولة الحيوي لتعزيز حركة النشاطات الاقتصادية في الدولة وتحفيز الطلب الاستثماري وبالتالي ارتفاع معدلات التوظيف.
ويرى الهاملي أن تحقيق هذه النتيجة سيعالج احد التحديات التي تواجهها الكثير من مؤسسات الأعمال في الدولة خلال الأعوام الثلاثة الماضية وهو الحصول على التمويل اللازم لتسيير نشاطاتها. ومن جانب آخر، فأن القانون سيتيح للمصارف اتباع آليات واضحة فيما يتعلق باحتساب المخصصات ازاء مدينيها من الشركات المتعثرة.
اقتراحات تضمن التطبيق الناجح
واقترح الهاملي بعض النقاط التي يمكن أن تضمن التطبيق الناجح لمشروع القانون، أهمها تهيئة منظومة عمل متكاملة على المستويين الاتحادي والمحلي: وتشمل المحاكم، وشركات الاستشارات القانونية والمالية، والادارات التنفيذية للشركات، وفي هذا الاطار لابد من وجود آليات لبناء القدرات المؤسسية لتطبيق القانون، بما في ذلك تدريب القضاة، والتوجه لاستخدام طرق متطورة للاستئناف، وغيرها.
وأوصى بتهيئة بيئة الأعمال المحلية بمضامين واستحقاقات القانون، ذلك أن قانون اعادة الهيكلة المالية والافلاس بتفاصيله هو مفهوم جديد على المؤسسة القانونية ومجتمع الأعمال وعامة افراد المجتمع في الامارات، الأمر الذي يستدعي أولاً نشر الوعي في صفوف هذه الأوساط بمضامين وأهمية وآليات تطبيق هذا القانون.
ويرى الهاملي ضرورة وجود مرونة في الأحكام التي تعالج قضايا الافلاس والتعثر لاسيما تلك التي تحمي الدائنين والمدينين على حد سواء، وأن يلحق بلائحة تنفيذية تفصل الاجراءات المتعلقة باعادة الهيكلة المالية وما شابهها.
وأكد أهمية وجود معهد للإفلاس يتولى نشر الوعي بأهمية ومضامين وآليات تطبيق القانون، اضافة الى انشاء محكمة اتحادية متخصصة بالافلاس للتعاطي مع حالات الافلاس المختلفة، مع اعطاء صلاحيات واسعة لهذه المحكمة في البت في القضايا المتعلقة بحقوق الدائنين، وإعادة الهيكلة للشركات المتعثرة، ومعالجة المخالفات القانونية والعقوبات.
وقال: لابد أن يكون لدى القضاة خبرات معمقة في التشريعات التجارية من أجل التعاطي مع مختلف القضايا التي تكون محل خلاف بين الدائنين والمدينين في إطار قانون الافلاس. ووجود مشرفين للتحري السريع عن الأوضاع المالية للدائنين واعداد تقارير عن آفاق عمليات اعادة التنظيم، وتقييم درجة احتكام المعسر الى تعليمات اللجنة المشرفة، وبالتالي مدى امكانية ايفائه بالالتزامات المترتبة عليه.
المشروع واستراتيجية التنمية
واستعرض فريق دائرة الشؤون القانونية لحكومة دبي أهم الملاحظات الاستراتيجية بشأن مشروع قانون إعادة الهيكلة المالية والافلاس. وتمت الاشارة الى أن المشروع يتضمن العديد من البنود التي تعالج قضية الإفلاس وعملية اعادة الهيكلة المالية.
وقدم الدكتور لؤي بلهول استعراضاً عن أهم التطورات بشأن المناقشات حول المشروع، مشيراً الى حرص دائرة الشؤون القانونية على التعاون مع المجلس وبعض الجهات الحكومية والفعاليات الاقتصادية لضمان مراجعة المشروع وتحليله والوقوف على أحكامه بجهة تطويره وبما يخدم عملية النمو الاقتصادي. وأكد ضرورة انسجام المشروع مع استراتيجية التنمية الاقتصادية للامارات.
كما استعرض آخر المستجدات في شأن مشروع قانون الشركات التجارية، مشيراً الى حرص اللجنة الفنية للتشريعات الأخذ بمرئيات جميع الفعاليات الاقتصادية في الدولة لتطوير المشروع وبما يخدم عملية التنمية الاقتصادية في الدولة.
وأشار الى توصية الدائرة بالإستعاضة عن اللجنة الاتحادية لإعادة الهيكلة والإفلاس المنصوص عليها في مشروع القانون بلجان محلية لإعادة الهيكلة المالية والإفلاس في كل إمارة وبحيث يتولى المجلس التنفيذي في الإمارة تشكيلها مع مراعاة التمثيل النسبي لكافة القطاعات المالية والاقتصادية في الإمارة .
عوامل طارئة
واستعرض الدكتور هادف العويس كبير المستشارين القانونيين بمجلس دبي الاقتصادي تقرير اللجنة الاستشارية المشكلة من قبل المجلس لمراجعة مشروع قانون إعادة الهيكلة والإفلاس، موضحاً أهم التوصيات التي خلص اليه التقرير بوصفها تعكس مزيجاً من مرئيات قطاع الأعمال وخبراء القانون.
كما أكد ضرورة تلبية استحقاقات تطبيق المشروع والمتمثلة بتوفير بنية تحتية قانونية مؤاتية، ونوه الى أن الاعسار ليس ذنباً في كل الحالات، حيث لوحظ أن بعض الشركات التي اضطرت للاشهار عن افلاسها كان أداؤها العام جيداً، سوى أن الاعسار قد نجم لعوامل لاتتصل بإدارة الشركة أو أدائها أو موقفها المالي بل لعوامل طارئة، من قبيل انخفاض الطلب السوقي، أو حدوث أزمات مالية واقتصادية عالمية، أو ما شابه ذلك.
وأكد صالح سعيد لوتاه رئيس اللجنة الاستشارية المكلفة من قبل المجلس لمراجعة مشروع قانون إعادة الهيكلة المالية والافلاس ان مشروع القانون يعد مكملاً لسلسلة التشريعات التجارية الجديدة والمعدلّة التي تسعى الحكومة الاتحادية الى اطلاقها لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
ومن جانبه شدد طارق باقر على ضرورة أن يفضي مشروع القانون عند تطبيقه الى تشجيع حركة الاستثمارات الأجنبية المباشرة الى داخل الدولة علاوة على تعزيز الاستثمارات الوطنية مؤكداً أهمية هذا الجانب من أجل دفع مسيرة النمو الاقتصادي في الدولة قدماً.
وأشار ماجد سيف الغرير الى أن مشروع قانون اعادة الهيكلة المالية والافلاس يحمل مفهوماً جديداً مستمداً من أفضل الممارسات العالمية في التعاطي مع الشركات المتعثرة وفي كيفية تسوية التزامات المدينين. كما ينطوي على الكثير من الأحكام القانونية التي تتطلب الوعي والدراية من قبل مختلف المؤسسات القضائية في الدولة.
